مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

القذّافي والشال الأحمر

القذّافي والشال الأحمر

تاريخ النشر: 2021-10-20 | 20:06

الصورة من آخر مقابلة متلفزة أُجريت مع العقيد القذافي. في تلك المقابلة لفت انتباه القذّافي "الشال الأحمر" الذي ارتديه. أمسك القذافي بطرف الشال وحكّه بأصابعه، ثم سألني عن نوع خامته. فأجبته: نجفي. فأجاب آآآآه من النجف.. "وبر ابل" يعني. ولماذا اخترت اللون الأحمر. ودون إعطائي فرصة لإجابته استطرد قائلاً.. لون الدم.

بعد هذه المقابلة ثارت الأسئلة بين أنصار العقيد. ومع ظهوري الاعلامي المتكرر حول الأزمة الليبية وقتذاك، تكاثرت الاستفسارات علي حول الشال الأحمر ورمزيته، تماماً كما تكاثرت الشكوك. واكتسب الشال الأحمر شهرة، وبات محل تندر بين الأصدقاء والمتابعين حتى من غير الليبيين. حتى وصل الأمر ببعض المراقبين والأصدقاء ليُقرن اسمي بالشال الأحمر ويتخذوا منه إسماً كوديا لي.

والطريف أن البعض اعتبرني من احدى الجماعات الصوفية وخصوصاً النقشبندية. والحقيقة أني لم أدرك يومها الرابط بين الشال الأحمر والنقشبندية، رغم أني لمست تأييداً وتشجيعاً لي كإعلامي، كما وسمعت أدعية بالخير والتوفيق من بعض رجال الصوفية النقشبندية، لكن من دون أن يشيروا الى "الشال الأحمر".

ما يمكنني التأكيد عليه أن اللون الأحمر كان يعني للقذّافي الكثير، بدليل "المنديل الأحمر" الذي كان يحمله الرجل ويمسح به جبينه بشكل متكرر وملحوظ للعيان. كما بلغني من أحد أتباع الطريقة النقشبندية في ليبيا وهو من الدائرين في فلك العقيد، ترجيحه أن القذّافي كان نقشبندياً صوفياً.

لا جدال في صوفيّة القذّافي، بدليل زهده وتقشفه، وتعبده الدائم في الصحراء، كما وفي اصطحابه خلال رحلاته الداخلية والخارجية لبعض المتصوّفة. لكن الدليل الأكثر صرامة على تصوّف القذّافي كان في رفضه لحركات الإخوان والإسلام السياسي عامة التي تستخدم الدين لغايات سياسية.

رفض عبارة عن معارك متعددة، اختتمت بمهادنة ومصالحة عبر نجل القذّافي سيف الاسلام بعد "المراجعات" التي ادعاها الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة وبعض الرموز السلفية من صلابيي ليبيا وصاليبها بإشراف الشيخ علي الصلّابي وختمه وتوقيعه. ليتبين لاحقاً أن "المراجعات" لم تكن إلّا "عبوة موقوتة" ومحمولة على متن البوارج الأطلسية التي أدارت محركاتها ورادارتها بعيد زيارة باراك اوباما الى مصر وخطابه الشهير في جامعة القاهرة والذي استهله بشيفرة "السلام عليكم"، وبقية القصة معروفة.

في عشريته الأخيرة من قيادته ليبيا، أرسى القذّافي تقليداً سنوياً تمثل في إحياء عيد المولد النبوي الشريف في إحدى العواصم والمدن الافريقية، وقد تسنّى لكاتب هذه السطور مرافقة القذافي وتغطية وقائع بعض هذه المناسبات الدينية من أغاديز في النيجر، الى تمبكتو في مالي، الى انواكشوط عامصة موريتانيا وكمبالا عاصمة أوغندا (والتي اختطف فيها شاب اوغندي صغير هاتفي واختفى به عبر الجموع المتشابهة في بشرتها السمراء الداكنة أثناء عودتنا عبر شارع مكتظ مرورياً الى المطار)، والتي كان يحضرها لفيف من رؤساء الدول العربية والإفريقية، لكنها لطالما كانت تتميّز بحشود نوعية من رجال الصوفيّة وأئمة وخطباء ووعّاظ المساجد والعلماء في افريقيا وحول العالم.

وبالعودة لكواليس اللقاء المتلفز الأخير مع القذّافي، وتعليقه على الشال الأحمر بفراسة البدوي الثاقبة "نهر الدم". فيومها لم أحسب أن هذا البدوي في تلك الدردشة التي أعقبت تلك المقابلة في الخيمة الشهيرة، عنى أنّ رمال الصحراء الليبية ستتخضب بالدم. لكن وقائع "العشرية الحمراء" التي انطلقت بعد ثمانية أشهر من عدوان الناتو الذي انتهى بقتله ورفاقه في الرتل الشهير، بيّنت كم أنّ القذّافي كان مستشرفاً بوضوح لتضاريس نهر الدم ومتفرعاته وهو يشق طريقه في ليبيا مدينة مدينة، زنقة زنقة، دار دار، بصورة لم يسبق نهر الدم هذا اليها زمن جماهيرية العقيد، الا "النهر الصناعي العظيم" الذي حوّل الكثير من صحاري ليبيا الى واحات خضراء، كما بات الليبيون يشربون بدل المياه المالحة، الماء الزلال.

ثم طاردتني الأسئلة حول رمزية الشال الأحمر والأسرار والرسائل التي تكتفنه، سيما وأن اللون الأحمر ليس مما يعتمده الرجال عامة خصوصاً في البلاد العربية صحراوية كانت أم حضرية. والحقيقة أني وجدت نفسي مدفوعاً بالتحفظ طويلاً عن إعطاء تفسيري لسبب اختياري للشال الأحمر، سيما وأن غالبية طارحي الأسئلة كانوا يستبطنون من وراءها، معرفة حقيقة الأحاديث والتواصلات التي استمرت بين الشال الأحمر اللبناني مع العقيد ودائرته اللصيقة والشهيدة حتى أيامه الأخيرة في حي رقم 2 بمدينة سرت.

عشر سنوات على رحيل الرجل المثير بكل معاني الإثارة والتشويق لما هو أبعد من الجدل السياسي والإعلامي، بيّنت وكأنّ ليبيا دفنت مع القذّافي في قبره المجهول. كما بيّنت أن بنيان "الإتحاد الإفريقي" قد بهت بريقه وتبخّرت مشروعاته الطموحة في الحكومة الإتحادية، والعملة الذهبية، كما وفقد الكثير من وزنه القارّي والدولي. وأن التصدّع والتفكك نال من "تجمع دول الساحل والصحراء"، وأنّ المواطنين العرب باتوا في ظل النيوليبرالية الجديدة التي أوقدت النار في بلاد العرب باسم الثورات المسمومة والمشؤومة والتي لم تنتج سوى تغوّلا للأتراك والفرس معاً، باتوا يحنّون لكلمة "طز" التي لطالما كان القذافي يقذفها في وجه الغرب عامة والإدارات الأميركية خاصة، باستثناء كوندوليزا رايس صاحبة نظريات الفوضى الخلّاقة على وجه الخصوص.

عشر سنوات، وشرائح واسعة من الشعب الليبي، تعيش محناً أعاصيرية قتلاً وتهجيراً وشتاتاً وفساداً وإفساداً، في لحظة تتغوّل فيها الميليشيات على الدولة وتقوّض مداميكها. وبات الليبيون يتسوّلون سلامهم وسيادتهم واعادة اعمار بلادهم من منصّات "الحوار الانساني" وغيره من آليآت القوّة الناعمة للأساطيل والبوارج الأجنبية التي دمّرت الدولة الليبية وبناها التحتية والفوقية بحجّة ظاهرها "حماية المدنيين"، وباطنها كما بيّنت العشرية الحمراء أطماع القوى الاقليمية والدولية المعروفة وتنافسها في إجراء "حصر إرث" لثروات ليبيا، فضلاً عن ترسيم مناطق النفوذ فيها، وإنطلاقاً منها فيما حولها.

عشر سنوات، والشعب الليبي، يطل على مرحلة جديدة عبر الانتخابات علّها تصحّح إنحرافات المسارات السياسية والاقتصادية ما يمنع إنزلاق ليبيا وعودتها الى زمن ما قبل الأقاليم الثلاث. ربما حان وقت انتهاء مفعول حقنة "حماية المدنيين"، واستدراك الليبيين أن حمايتهم الحقيقية هي في وحدتهم، وأن وحدتهم هي الخلاص من مقاصّة القوى الإقليمية والدولية التي لا يهمّها من ليبيا إلّا ثرواتها المجمّدة والمسيّلة، ومخزوناتها الطاقوية والمنجمية.

ربما، نقول ربما، خارطة طريق الليبيين باتجاه الوحدة الوطنية الأصيلة، وإعادة بناء ليبيا الجديدة، تبدأ من ذات المكان الذي دفنت فيه بتاريخ 20/11/2011 مع العقيد القذّافي وابنه المعتصم بالله ورفيقه أبو بكر يونس جابر في ذاك القبر المجهول. ويرجّح أن إستلام قبيلة القذاذفة وقبيلة المجابرة لجثامين رموزهم الكبيرة تشكل الخطوة الحقيقية الحاسمة في انطلاق قاطرة المصالحات والمسامحات وتضميد الجراح الغائرة وجبر الضرر حتى يعمّ السلام ويجفّ شلّال الدم الأحمر.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط