مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

القدس بين حصار الأمن والخوف من المستقبل

القدس بين حصار الأمن والخوف من المستقبل

تاريخ النشر: 2025-09-17 | 17:57

لم تعد حياة المقدسيين تسير وفق إيقاعها المعتاد، فالحواجز الأمنية التي انتشرت بكثافة بعد حادثة إطلاق النار الأخيرة حولت شوارع المدينة إلى مسرح للانتظار والإحباط. بين إغلاق المدارس وتحول التعليم إلى دراسة عن بُعد، وبين عزلة نفسية تتفاقم تحت ظل الاحتلال، يعيش الفلسطينيون واقعًا يختزل المأساة الإنسانية اليومية في معادلة قاسية: أمن الاحتلال مقابل حرية السكان الأصليين.

في شوارع القدس الشرقية، لم يعد المشهد اليومي يقتصر على زحام المارة أو أصوات الباعة في الأسواق القديمة، بل باتت نقاط التفتيش العسكرية هي العلامة الأبرز التي ترسم ملامح الحياة هناك. ازدادت الحواجز فجأة بعد حادثة إطلاق النار الأخيرة، حتى إن بعض السكان اضطروا إلى النوم في سياراتهم أو على جوانب الطرق بعدما تقطعت بهم السبل أمام بوابات مغلقة. هذا الثقل الأمني لم يترك مساحة للحرية أو التنقل الطبيعي، فالمواطن الذي كان يتوجه صباحًا إلى عمله أو مدرسته أصبح أسيرًا لانتظار طويل قد يلتهم ساعات من يومه، وأحيانًا قد يحرمه من الوصول إلى وجهته تمامًا.

هذا التضييق الأمني لا يطال الحريّة الشخصية فحسب، بل يمتدّ ليخنق الحياة الاجتماعية. لقد أغلقت المدارس أبوابها، وتحولت الفصول الدراسية المفعمة بالحياة إلى شاشات باهتة في التعليم عن بُعد، ليخسر الأطفال فرصتهم في اللعب والتعلم المباشر. إنه حصار يفرض نفسه على مستقبل جيل كامل، يرى في كل يوم جديد تجسيدًا لواقع مرير لا يمنحه أبسط حقوقه، وهو الحق في التعليم والأمان.

إنّ ما يحدث في القدس الشرقية هو جزء من سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال، حيث يُستخدم الأمن كذريعة لقمع الفلسطينيين وفرض المزيد من السيطرة عليهم. فكل عملية فردية يقوم بها شاب فلسطيني، تُقابل بعقاب جماعي شامل يطال الأبرياء والمدنيين، ويُعكّر صفو حياتهم. إن هذا المبدأ لا يتوافق مع أي قوانين دولية أو إنسانية، بل هو تجسيد واضح لعقلية الاحتلال التي ترى في كل فلسطيني خطرًا محتملًا.

فالاحتلال لا يكتفي فقط بتعطيل الحياة اليومية، بل يهدف أيضًا إلى زرع الخوف والإحباط في النفوس، والفلسطينيون في القدس الشرقية لا يخشون فقط على أمنهم الشخصي، بل يخشون على هويتهم، وعلى مستقبل مدينتهم. إنهم يدركون أن هذه الإجراءات القاسية ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي جزء من مشروع أكبر لتهجيرهم، ودفعهم للاستسلام، والتخلي عن حقوقهم. الخوف من فقدان المنزل، أو من الاعتقال، أو من عدم القدرة على الوصول إلى المستشفى في حالة الطوارئ، هو خوف حقيقي وملموس يعيشونه كل لحظة.

المفارقة الصارخة تكمن في معادلة الأمن مقابل الحقوق المدنية، فالاحتلال يرفع شعار حماية مواطنيه، لكنه في الوقت ذاته يسحق حياة السكان الأصليين تحت ذريعة الأمن. هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: أي أمن يمكن أن يتحقق حين يُبنى على مصادرة الحرية وتجريد الناس من كرامتهم؟ التجربة التاريخية تثبت أن القمع لا يجلب الطمأنينة، بل يولّد المزيد من الاحتقان والمقاومة، ويعمّق الفجوة بين الاحتلال وسكان المدينة.

في هذه اللحظة الحرجة، يعيش الفلسطينيون حالة من القلق المركّب. فهم يخشون من أن يتوسع العدوان على غزة ليشمل جبهات أخرى، ويخشون أيضًا من أن تتحول حياتهم اليومية في القدس إلى سجن مفتوح بلا جدران. الخوف لا ينبع فقط من حضور الجنود أو من أصوات القصف البعيدة، بل من ضبابية المستقبل، ومن إدراكهم أن الاحتلال لا يقدم حلولًا، بل يفرض وقائع قسرية تزيد من تعقيد المشهد.

إن استمرار هذا النهج يضع المنطقة أمام معادلة خطيرة: كلما صعّد الاحتلال من قبضته الأمنية، كلما تآكلت فرص التعايش والسلام، وكلما زادت احتمالات الانفجار القادم، فالفلسطيني اليوم لا يبحث عن أكثر من حقه البسيط في حياة طبيعية، دون تفتيش مهين أو حصار خانق أو خوف من مصير مجهول. لكن الاحتلال، بدلًا من أن يلتقط هذه الحقيقة الإنسانية، يصر على إدارة المدينة بعقلية السيطرة العسكرية، وكأنها ثكنة لا مدينة.

القدس اليوم ليست مجرد عنوان للصراع، بل مرآة لسياسات الاحتلال التي تفشل مرة تلو الأخرى في إنتاج استقرار حقيقي. فما يحدث في غزة ينعكس مباشرة على شوارعها وأحيائها، وما يتعرض له الفلسطينيون هناك يتكرر هنا بصورة أخرى. وفي الحالتين، تبقى النتيجة واحدة: مجتمع يعيش بين الخوف والحرمان، ومحتل يعتقد أن الأمن يُبنى بالهدم والقمع، بينما الحقيقة أن الأمن لا يستقر إلا حين تُرفع يد الاحتلال عن حياة الناس.

الحل ليس في المزيد من نقاط التفتيش، ولا في إغلاق المدارس، ولا في اعتقال الأبرياء. الحل يكمن في إنهاء الاحتلال، وفي إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة، وفي إيقاف المجزرة التي تجري في غزة. إنّ الهدوء الذي يأمله سكان القدس الشرقية لن يأتي إلا عندما يعود الهدوء إلى كل فلسطين. إنهم يدركون أن مصيرهم ومصير غزة واحد، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل الاحتلال والظلم. فهل من يسمع؟ وهل من يدرك أن العدالة هي السبيل الوحيد نحو السلام؟

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط