مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

القانون والمعجزة في سرديَّة الخرزة لمنذر مفلح

القانون والمعجزة في سرديَّة الخرزة لمنذر مفلح

تاريخ النشر: 2021-03-10 | 20:47

عام 1900 اكتشف عالم يُدعى ماكس بلانك هوَّة بين قوانين فيزياء الميكانيكا، والواقع الذي ينعكس عبر التَّجربة، حين كان يحلِّل أَطياف الضَّوء، وكانت تلك مقدِّمة ثورة البشريَّة الَّتي ارتكزت عليها قوانين فيزياء الكم، والنَّظريَّة النسبيَّة لآينشتاين، النَّظريَّتان اللَّتان غيَّرتا معرفتنا بالعالم، وبأَنفسنا، وبهذا الكون.... ثمَّة واقع مختلف لا تنطبق عليه قوانينا، هو الواقع ما دون الذريِّ، له قوانينه الَّتي تحكمه، والَّتي تدعو إلى الجنون حيث لا علاقة لها بمنطق البشر. ومثل ذلك ذهب آينشتاين في نظريَّته النِّسبيَّة ليثبت أَن لكلِّ مكان شروطه في هذا الكون، وقوانينه، وأَنَّ الزَّمن هو بعد رابع للمكان، وأَنَّه لا يسير كونيَّاً بدفق واحد كما تخيَّل نيوتن. ذلك يعني فيما يعني أَنَّ لكلِّ مكان شروطه وقوانينه، وزمنه. في معجم المعاني تعرَّف المعجزة على أَنَّها ما يعجز الإنسان عن فعله، ودينيَّاً هي أَمر خارق للعادة يظهره الله على يد نبيٍّ تأييداً لنبوَّته، ويكون ذلك الفعل أَساساً، لكي يُسمَّى معجزة، خرقاً للقانون الدَّارج أَو المعروف. وقد يبدو الأَمر بالنِّسبة إلى ما يجري في العالم الذريِّ معجزة ما، حسب مفهوم الوعي البشريِّ للقانون، والمنطق، إذ يتحلَّل المنطق البشريُّ من كلِّ معطياته، خصوصاً حين يصبح بوسع الكتلة أَن تشغل حيِّزين في الوقت ذاته.

ستتجلَّى المعجزة في سرديَّة منذر منذ السُّطور الأُولى: " مسبحة والدك، أَو الَّتي كانت لوالدك، قرأَت عليها الحجَّة عيشة بعض التَّمائم والأَحراز السِّحريَّة، على كلِّ خرزة منها، وجعلت في كلِّ خرزة مصيراً، وعقدت عليه حتَّى لا يصيب والدك مكروهاً". لقد انفرط عقدها عام 1967، ما أَنذر بمصير مشؤوم، وبعد أَشهر قليلة احتلَّ ما تبقَّى من فلسطين.....واختفى أَبو نصر، ولم يعد أَحد يعرف عنه شيئاً منذ ذلك الحين، ثمَّ عاد عقدها لينفرط من جديد في بيت الثَّورة، بيت مسعودة، ما جعلها تجهش بالبكاء، وتحمل الجميع معها على البكاء، لملمت حبَّاتها، ووزَّعتها عليهم، مجموعة من المقاتلين: فادي، وجبريل، وأَمجد، ويامن، وعماد، وإيَّاد، ونصر...وكانت بذلك توزِّع عليهم مصائرهم. 

ستمثِّل الخرزة الَّتي وجدها نصر عالقة في ثنايا بنطاله الحدَّ الفاصل بين زمنين، سيعلِّقها بخيط ويدلِّيها من سريره في السِّجن، ويضربها بيده حتَّى تتحرَّك في الهواء كالبندول، إنَّها" ساعة السِّجن البيولوجيَّة خاصَّته"، وتحمل حركتها المتناوبة ذاكرة محشورة في الماضي، ولا تقوى على الخروج منه أَبداً. ثمَّة إذن في الأَمر شروط جديدة للحياة، أَو للموت، للحاضر والماضي، فالأَمر ملتبس هنا بينهما، إذ لا يمكن أَن يخضع الواقع للشِّروط ذاتها المتعارف عليها خارج السِّجن، سنخرج إذن من صيغة القانون " بتعريفه العلميِّ الفلسفيِّ" وسيبدو الأَمر خروجاً من القانون إلى المعجزة للوهلة الأُولى، لكنَّه ليس كذلك، إنَّ ما بدا معجزة للوهلة الأُولى، هو في حقيقة الأَمر خروج من مكان إلى مكان، من شرط إلى شرط، من قانون إلى قانون آخر، ومن زمن إلى زمن آخر، بهذا يمكن الولوج إلى سُبحة أَبي نصر، وحبَّاتِها الَّتي كانت بوَّابة هذا العبور... ثمَّة محاولات أَنسنة للأَسير عبر شروط جديدة في نصِّ منذر، ليس بالطَّريقة المتعارف عليها، أَي ليس بمحاولة إخراج الأَسير من حيِّز البطولة السوبرمانيَّة إلى حيِّز الأَنسنة المتعارف عليها- وهذا أَمر يحسب للنصِّ- بل من خلال إعادة هيكلة الزَّمن والمكان بطريقة جديدة مختلفة. سيقدِّم منذر تعريفاً جديداً للمكان والزَّمن في السِّجن، إنَّه بطريقة أُخرى يلج نظريَّة آينشتاين من أَوسع أَبوبها، فما دام الزَّمن هو البعد الرَّابع للمكان، وما دام المكان هو السِّجن، فنحن إذن أَمام تعريف مختلف للزَّمن....إنَّه زمن البندول، الخرزة. "

السِّجن حيِّز فيزيائيٌّ له أَبعاد محدَّدة، وزمن محدَّد، إذن ما علاقة أَبعاد السِّجن بقوانين نيوتن الثَّلاثة: المسافة، والسُّرعة، والزَّمن؟" ص 28 سؤال مشروع تماماً إذا ما حاولنا رؤية السِّجن من زاوية النَّظريَّة النسبيَّة لآينشتاين. " القوانين الفيزيائيَّة معطَّلة في السِّجن، وملغاة، الإحساس بالمكان محدَّد، الزَّمن بلا قيمة، المسافات لا تعني الأَسير، ثقب أَسود ينهار......." ص 29 تكمن هنا قمَّة الأَنسنة للأَسير حسب وجهة نظري بالقدرة الفذَّة على فلسفة الواقع بعد هضمه واستيعابه، ثمَّة فارق هائل بين التَّباكي والأَنسنة، فمنذر لا يحاول أَن يستدرَّ عواطف الشَّفقة بل على العكس من ذلك تماماً، إنَّه يحاول أَن يعي الواقع بتفاصيله الدَّقيقة، ويعيد إنتاجه ضمن منظومة معرفيَّة لا يمكن لرجل لم يعش التَّجربة بتفاصيلها أَن يعيد إنتاجه، ولكنَّه يعيد هذا الإنتاج بوعي المبدع القادر على محاربة كيِّ الوعي الَّذي يمارسه الصُّهيونيُّ في المعتقلات وخارجها. إنَّها القدرة على الرُّؤية، أو ربَّما القدرة على التقاط زاوية الرُّؤية، فزاوية الرؤية هي الَّتي تحدِّد شكلها، وبالتَّالي هي الَّتي تحدِّد ماهيَّة الوعي، وبناء على ذلك، أَي على الوعي، ينبني القانون، فهل ثمَّة قانون يحاول منذر أَن يمرِّره من خلال النصِّ؟ إنَّ ما قد يبدو للآخرين معجزات- حسب زاوية الرؤية- ليس كذلك، فالأَمر كلُّه مرتبط في قدرة الوعي على الفصل بين المعتقل كمكان، له زمنه الخاص، وقوانينه الخاصَّة الَّتي تسيِّره، وبين المكان خارج المعتقل، وقوانينه....من هنا يمكن فهم "الحالة" حالة الاعتقال، وأَسباب التَّناقض، والفجوات، وتفسير الكثير من الأَشياء الَّتي لا يمكن تفسيرها طبقاً لقانون –خارج المعتقل-. إنَّ منذر بطريقة أَو بأُخرى يحاول أَن يؤطِّر حالة الأَسر كمنظومة متكاملة لها وجودها الضمنيُّ بكلِّ معطياته المختلفة، وقوانينه الَّتي لا تنطبق على الواقع خارج هذا المعتقل، وذلك سيفضي، فيما سيفضي، إلى إعادة تشكيل وعي مختلف في نظرتنا إلى حالة الأَسر، وسيكولوجيا الأَسير، والعلاقة مع الأَسير، وستطرح هنا كثير من الأَسئلة الفلسفيَّة الوجوديَّة: مثلاً: هل الذَّاكرة معتقلة أَيضاً وتخضع لقانون المُعتقل؟ هل يعيش الأَسير الماضي أَم الحاضر؟ إن كان المعتقل هو الدَّائرة الوجوديَّة الَّتي صنعها المحتلُّ من أَجل غسل الوعي، فما هو السَّبيل لكسر هذه القوانين؟ وتجسير الهوَّة بين عالمين؟ سراب مثلاً، إبنة أَحد المعتقلين تملك حالة من الجفاء القاتل لأَبيها، إذ إنَّ غيابه حرمها من نعمة الأَب، وكثير من الامتيازات، وتلك هي المرجعيَّة الَّتي تقيس على أَساسها الأَشياء، ذلك هو الجدار الفاصل بين عالمين، وقانونين، وأَبو فراس فقد ابنتيه في حادثي سير، بعد أَن كانتا تتجسَّدان له عبر صوريهما داخل السِّجن، لكنَّه مع ذلك، ما زال يتحدَّث عنهما بلغة الحاضر والمستقبل، إذ إنَّهما ليستا من روتين يومه إلاَّ ضمن حدود الصُّورتين اللَّتان لا زال يحتفظ بهما، ونصر يقيم علاقة حبٍّ مع دلال، هو داخل القضبان وهي خارجها، يدخل تلك المغامرة الَّتي لا تحمد عقباها، يحاول أَن يجسِّر الهوَّة بين مكانين وزمنين، ليشعر بأَنَّه قادر على الحبِّ، مع أَنَّه يفهم أَنَّه ليس بوسعه أَن يعد بشيء، أَو يقسم على شيء، فهو أَسير، لذا قالوا إنَّ وعدَ الحرِّ دين، أَما الأَسير فلا وعد له. ستبدو كلُّ محاولات الأَسرى للتَّواصل مع العالم هي محاولات نضاليَّة لتحطيم مفهوم المكان والزَّمن داخل المعتقل، وكسر القوانين هناك، سواء من خلال الهاتف الَّذي تتمُّ إعادة تجميعه للاتِّصال بالخارج، أَو من خلال الكتب المهرَّبة، أَو الزِّيارات، أَو قصص الحبِّ، أَو ممارسة بعض الأَدوار حتَّى لو بشكل جزئي. ستموت دلال بالكورونا في السُّعوديَّة، وتموت ابنتاها بالسَّرطان، وينهار كلُّ شيء، حتَّى ابنها الصَّغير الَّذي كان معتقلاً، وكان سبب تعارفهما، سينتهي به الأَمر إلى كارثة نفسيَّة يتعالج للخروج منها. إنَّها سرديَّة مختلفة، تحاول أَن تغوص عميقاً في أَسرار تلك الحدود الفاصلة بيننا، كي تجسِّر الهوَّة، وتضع قوانين جديدة للعلاقة بين الطَّرفين....وهي بحاجة إلى أَكثر من دراسة معمَّقة للوقوف على كلِّ حبَّة في سُبحة انفرط عقدها، وأَصبحت كلُّ حبَّة تشكِّل بندولاً، ومصيراً، بحاجة إلى تتبُّع مآلاته.
    

*مداخلة في ندوة "أسرى يكتبون" ضمن نشاطات رابطة الكتّاب الأردنيّين يوم السبت 06.03.2021

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط