مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الفقر والظلم أخطر أسلحة الدمار الشامل

الفقر والظلم أخطر أسلحة الدمار الشامل

تاريخ النشر: 2022-12-18 | 07:05

العالَم الغني اليوم يناضل باستماتة مفرطة لمنع تملّك أسلحة الدمار الشامل، والتكنولوجيا النووية والأسلحة الكيماوية، ويستميت في القضاء على التطرف والتنظيمات الإسلامية المتشددة، وينفق كل عام ما يقارب ألف مليار دولار لمكافحة هذه الظاهرة المؤدلجة!!. وفي الخفاء وبعيدا عن عيون الإعلام تقام ميادين استخبارية وتدريبات، وآلاف من المؤتمرات السرية، وآلاف من الندوات التدريبة على الاستخبارات الموجهة، وكل يوم وفي كثير من البلدان؛ تنشأ أجهزة مركزية وفرعية لهذا الغرض، وتولد وزارات وهيئآت، ناهيك عن مبتكرات علمية حديثة من وسائل الفناء، وتكنولوجيا التدمير، وطائرات دون طيار، إنّ الإرهاب والرعب والخوف على الحياة وعلى المدنية، وعلى الحضارة، وعلى سلامة المسافرين، وعلى الأمن الشامل للمجتمع وللدول أمر ضروري وحتمي؛ لكن تلك الظاهرة المميتة للإرهاب لم تجد بعد دراسة متأنية، لمعالجتها والقضاء الحقيقي على أسبابها، ولم يقف المنصفون من الباحثين الأمنيين على معرفة الفيروسين الذين يقفا وراءها، ولا لمعرفة الأسباب التي قذفت بفلذات أكباد الشعوب الفقيرة المظلومة؛ للتفاني في هذا المضمار الخطير، فكل الأبحاث وكل الدراسات تتحدث عن طرق مواجهتها بالقوة، وبالإختراقات التجسسية، وبالطائرات من دون طيار، بينما لو كان العالم يرى بعيون الصواب لاكتشف أنّ من أهم الأسباب التي جعلت الشباب الذين يتدافعون للموت، إنما هما: الظلم، والجوع، فمن يعش مغمورا بشعور يائس من زوال الظلم، ويائس من زوال الفقر فبلا شك أنّه يستهْوِن قيمة الحياة، ويسترخص الموت، وإلّا فمن أجل ماذا سيحرص على الدنيا، وعلى البقاء في حياة لا يحلم فيها إلّا: بالخوف، وإلّا بالجوع، وإلّا بهما معاً!! إنّ الخالق العظيم حين امتنّ على الكافرين المكذبين برسالة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بأنه: (أطعمهم من جوعٍٍ وآمنهم من خوف). يريد أن يعلمنا سبحانه بأن على كل حاكم يريد من المحكومين الإعتراف بسيادته، وبأنه عظيم يستحق الطاعة؛ فعليه أن يوفر لهم أولا: الأمن من الجوع، والأمن من الخوف. فمن لم يستطع القيام بذلك فليس بحاكم وليس من حقّه أن يمتنّ أي نعمة أو أي منجزات قدمها لقومه أو لشعبه، ولقد كان الغرب مدركاً أهمية الإستقرار الأمني والإستقرار الغذائي لشعوبهم؛ فاعتبروهما أهم المهمات ومن صميم الأمن القومي، وجاءت إسرائيل بنفس الفكر ففرغت كل مقدرات الدولة من أجل هاتين القضيتين للإسرائليين، بينما جيرانها في غابة من الظلم والفقر العربي، وفي حين يريد المستبد العربي من الفقراء الجائعين في شعبه سمعاً وطاعة بقوة نصوص القرآن، وبقوة القانون، بينما يكون الحاكم المستبد خارجاً عن سيادة القرآن وخارجاً عن سيادة القانون؛ إنّ الحاكم الّذي تحرر من الفكر الاستبدادي عندما يفكر لا يفكر لنفسه ولا لعائلته، ولا لطائفته، ولا لحزبه، ولكن لأمته وللأجيال القادمة من بعده، ونرى أن دول الغرب الرأسمالية تضمن أمن العيش، وأمن السلامة، ليس لكل مواطنيها فحسب، ولكن لكل المقيمين على أراضيها، ومن أجل ذلكما الأمنين نرى المواطنين العرب يغامرون في طلب الهجرة، فيموتون غرقاً في البحار في رحلات تسلل غير قانونية إلى أوربا، ولو لم يكن البحث عن الأمن والفرار من الجوع لما غامر أحد بحياته ولما فارق أحبابه ووطنه، فرحلوا ولسان حالهم:
إرحل بنفسك من أرض تضام بها       ولا تكن من فراق الأهل في حرقِ
فالعنبرُ الخامُ روثٌ في أماكنه        وفي التغربِ محمولٌ على العنقِ
والكحل نوع من الأحجار تنظره         في أرضه وهو مرمي على الطرقِ
لما تغرب حاز الفضل أجمعه        فصار يُحمل بين الجفن والحـــدقِ
فالجوع، والخوف لا يلدان حضارة، ولا مدنية، ولا ثقافة، ولا عدلاً، ولا تقدماً، ولا قِيَماً. ولذلك نرى معظم الحروب في الدول الأكثر فقرا، ونرى الرذائل المادية ضد الإنسانية في الشعوب الأكثر فقرا، والسلاح ينتشر بشكل أقوى في المجتمعات الأكثر فقرا، لأنهم يرون في تجارة السلاح وسيلة مهمة تساعد الجائعين على قطع الطرق، ولإشباع حقدهم في تخويف الأغنياء، وتدفع إلى التمرد ضد الدولة، وتشيع الرعب في صدور من ليس لهم سلاح، فيسهل ابتزازهم والسطو على ممتلكاتهم، وتمثل ظاهرة الفقر والظلم رجعة إلى العصور الجاهلية.
وانظروا معي من يقف وراء القرصنة التي نراها اليوم في خليج عدن والمحيط الهندي سوى الفقر، سوى الجوع المنتشر في الصومال، ولو أدرك المجتمع الدولي حق الإدراك بعيون الرحمة والفكر الصحيح لعمل على إطعام الصوماليين من الجوع، بنصف تكاليف حملة الأساطيل البحرية، والبارجات العملاقة التي تعسكر في البحر منذ سنوات لحماية السفن العابرة من قرصنة الجائعين، ولو حدث ذلك لاكتفى الصوماليون الجائعون بالطعام، ولم يغامروا بحياتهم، في عباب المحيط الهندي، لكن الموت الّذي لا بد منه بسبب الجوع؛ فرض عليهم مقاومة اليأس وقذف بهم للتقطع والقرصنة، ومن يعرف حقيقة ما يجري من الاوضاع القاهرة والمحن في مخيمات اللاجئين الصوماليين، وحالات الملايين على أرض الصومال لعذرهم. وصدق المأثور: (كاد الفقر أن يكون كفرا)، وخير صورة لقهر الفقر هو قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: (لو تمثل الفقر رجلاً لقلته)، وفي الدعاء النبوي المأثور (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)، فالفقر شقيق الكفر، ولو عاد عدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأغلق عن القراصنة الصوماليين المحاكم التي تحاكمهم، ولأوقف النيابات التي يجب أن تدافع عنهم كجائعين، ولألزم القادرين من الدول الغنية بكفالتهم، وصدق رسول الله فيما رواه عن ربه سبحانه: (الخلق عيالي، وأحب عبادي إليّ أرحمهم بعبادي) أو كما قال. ولقد تحقق في أولئك المغلوبين الجائعين، المقهورين على أرضهم، والمقهورين في مخيمات اللاجئين، والمقهورين بالغرق في البحار قول شاعر النيل:.
ذقت طعم الأسى وكابدت عيشـاً     دون شربي قذاه شرب الحمـــــــــام
فتقــــلبت فـــــي الشـــــــــــــقاء زمــــانـــــــــاً     وتنقلت  في الخطوب الجســــــــــــام
ومشــــــى الهــــــمّ ثاقباً في فـــــــؤادي     ومشى الحزن ناخراً في عظـامـي
فلهذا وقفت  اســـــتعطف الـنــــــــــــــا      س على البائسين في كل عـــــام
لا شيئ أشق على نفس الفقير من أن يرى نفسه جائعاً خائفاً يموت أطفاله ومن يعول بالمرض والجوع، ويرى جاره وأغنياء من أهل بلدته يموتون بالتخمة، ويمرضون بالسمنة، وهو يتلوى من الجوع، ويأوي إلى الأرصفة، ويمشي حافيا، يفترش الأرض ويلتحف السماء، نار القهر والغضب بين عينيه، ومن الّذي يقبل على نفسه أو لولده من ذكر وأنثى أن يذهب للمساجد ليس للصلاة ولكن لسرقة أحذية المصلين؟ من الّذي يقبل على ابنته بأن يبيعها طفلة باسم زواج سياحي، أو عرفي، لشيوخ مسنين لما في أيديهم من مال الله، أو أن تخرج طفلته باحثة عن لباسها، وطعامها على وهم الإكتفاء من هم العيش بكد..... وعرضها، بعد أن يئست من الإلتحاق برجل تأوي إليه، أو ينفتح قلبها لحب، وبعد أن وضعتها العنوسة موضع اليأس، وأنزلتها منازل الإحباط، فاتجهت خطأ إلى مالا يليق بها، ولا بأهلها، ولا بمجتمعها، والذنب كل الذنب على أولئك الذئآب البشرية، الذين تخوضوا فيما أفاء الله عليهم، فأساؤا توظيفها في موجبات سخطه، وأسقطوا عنهم كل الشيم والقيم التي تقول: (تموت الحرة ولا تأكل من ثديها) فلو أنّ إنساناً مات من الحزن والكمد من ذلك ما كان بذلك ملوما.
وفي نفس الوقت يرى الفقير أخاه الإنسان وفي وطنه وأمام عينه، وهو حديث عهد في النعمة أغناه الفساد وأثرى بالرشوة من قريب، ويرى: من يمضغون القات بمئآت الآلاف من الريالات، ويرى آخرين يتفاخرون بالقصور والمفروشات والسيارات الفارهة، ويتكاثرون بالأموال والأولاد، وهو الفقير العائل لأولاده الكثر في عري يسيرون بأقدام حافية وثياب متسخة، لا يجدون ما يطفئ لهيب الجوع تحت ضلوعهم، ولا قيمة حبة دواء لأمراض مزمنة في أجسادهم، ولا فرصة لهم في عمل مباح غير التسول في أبواب المساجد والطرقات، ولقد تذكرت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط في عام الرمادة حدود السرقات، وطبق قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من بات شبعاناً وجاره جائع). فأي ديموقراطية وأي حزبية، وأي انتخابات حرة في شعب يباع فيه صوت الناخب الجائع بكيلو من الأرز، أو رغيف من الخبز، ويبيع حياته بألف جنيه أو ريـال، أما في غير موسم الانتخابات فيتجه الجائعون باطفالهم وشبابهم؛ ليس إلى المدارس، والمعاهد والجامعات، ولكن إلى مقلب الزبالة المتراكمة، يسابقون الحيوانات الضالة؛ لعلهم يجدون فضلة رغيف متعفن يشبعون به جوعتهم، أو يسدّون به رمقهم، ولقد صدق نابليون بونابورت في قوله: (البطن الجائعة لا تحمل صدراً وطنيّا)، والمجتمع الفقير هو الّذي يمثل مزرعة خصبة لزراعة العملاء، والمنتفعين، والجواسيس، والعصابات والمخربين، والدعارة.
ثم نأتي للتساؤل عن سبب هجرة الفقراء سكان الريف الذين لم يعد لهم فيه رزق ولا ذاكر لهم فيه ولا شاكر، فيرحلون إلى المدن وحول المدن ليواجهوا ظروفاً مختلفة، وتختلط بهم التركيبة الإجتماعية لأهل المدينة، وتتماهى في السلوكيات المختلفة شرور وما أدراك من شرور، وزاد الطين بلات الغلاء الفاحش المتوحش، الّذي يلتهم مابيد محدودي الدخل بلا شفقة ولا رحمة:
فالغـــــلاء الوحــــــــــــش ليث كاســــر     ينشر الفقر بأرض اليمن
ما على من مات بالجـــــــــــوع إذا     لم يجد حتى رفاة الكـــــــفن
مات من جوع ومن خوف ومن      برد كانون وداء مزمــــــن
فتحاوروا يا معشر الفقراء.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط