مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الغضب وما بعده

الغضب وما بعده

تاريخ النشر: 2015-11-26 | 08:13

انحسرت مرحلة النقد البنّاء والنصائح المخلصة والعتاب الهادئ والعمل السلمي من خلال ما تيسر من منافذ إعلامية وما تبقى من منظمات مجتمع مدني، وحلت مرحلة الغضب. انتهت، أو كادت تنتهي، مرحلة الاعتدال في السياسة وفى المطالب وفى الأمل في الإصلاح وفى تجاوز أزمات الاقتصاد أو الصبر عليها. تبددت طاقة تحمل الشعب والقوى المسيسة أخطاء الحكام وإصرارهم على استمرار ارتكابها، وتبددت طاقة تحملهم سخافات الدول الأخرى، حليفة كانت أم شقيقة أم من الجوار، وتبددت معها طاقة تحمل رؤية الدم والاستماع الى قصص التعذيب والقمع ومشاهدة وحشية التعامل مع أبناء وبنات شعوب مهيضة الجناح لاجئين مسالمين عابرين للحدود سعياً وراء رزق أو حرية، أبناء وبنات جيل العولمة نشأوا على صدى وعود الانفتاح والخير الوفير.

هناك، في الغرب وفى الشرق، وهنا في بلادي، انتهت أو كادت تنتهي مراحل تجارب وانتقال طويلة، وبدأت أو تكاد تبدأ مرحلة غضب أشعر أنه سيكون قوياً وعنيفاً، بقوة وعنف «الثورة المناخية» التي تهدد اليوم بيئة العالم. عندما أرى حكام خمس وعشرين ولاية أميركية يقسمون على منع لاجئين مسلمين من دخول ولاياتهم، أعرف أن الغضب قد حل بالفعل محل العقل وأزاح التفكير الهادئ وتغلب على المشاعر الإنسانية وتنكر للقيم الأميركية. يحدث هذا في دولة قامت مؤسساتها وعقيدتها على مبدأ الهجرة، دولة عظمى هي نفسها ثمرة هجرات عديدة توالت وتلاحقت وانصهرت في شكل أمة كانت محل غيرة وحسد عديد الأمم. المعنى بسيط ومخيف في أن واحد. هذه الأمة، وأمم أخرى، وصلت إلى درجة غضب يمكن ان تدفعها نحو اكتئاب عنيف ومنه إلى شكل أو آخر من أشكال الانتحار. ولن تكون، حينئذ، أولى الأمم التي تنتحر، فالأمثلة في العالم عديدة، وفى منطقتنا بالذات وفيرة.

عندما ترى قارة بأسرها تستعيد في لحظة واحدة مريرة، أسوأ ذكريات تاريخها، تستعيد ذكرى غزوات المسلمين لأراضيها، واستطاعت في فترة قصيرة ولكن بتضحيات كبيرة، صد هذه الغزوات. عندما أرى أوروبا من أقصى حدودها الشرقية إلى أقصى شواطئها الغربية في بريطانيا وايرلندا واسكتلندا وايبيريا وقد سيطر على شعوبها الرعب والخوف، ثم هيمن على معنوياتها قدر هائل من اليأس بسبب تخبط حكامها وافتقادهم إلى حكمة الأجداد وضرورات الاتحاد، بل وتراهم مستعدين للتنازل عن مكتسباتهم في الاندماج والتقدم. عندما أرى أوروبا بشعوبها وقادتها في هذه الحال، اعرف ان البدائل العاقلة ومبادئ التسامح والاعتدال والوسطية ونظريات استدامة التنمية والسلام والانفتاح كلها تخلي مكانها لكل ما هو متشدد وعنيف ومشتبك مع الآخر، وأعرف أيضا أن الغرب كله انكشف على أزمة حادة ولم تعد توجد لديه قوة أو حنكة الاستمرار في اخفائها، ولا قوة أو حنكة مواجهتها والانتصار عليها في معركته معها.

أنظر إلى الغرب، وروسيا جزء منه، وهو في غمار أزمته، يبحث مجدداً في إنعاش مستحيلات. انظر إليه وهو يحاول استنهاض الدول الإسلامية، ويقصد تحديدا الدول العربية، لتتحمل مسؤولية مكافحة الإرهاب الإسلامي. حجته الأقوى، انه ارهابهم، نشأ في أحضان العرب، ونضج بينهم، واستفادوا منه في صراعاتهم البينية، أي بين بعضهم البعض. موّلوه بالمال وساندوه بالدين والعتاد. تغافلوا عن تضخمه وزحفه وتطويره لمسالكه وممراته وقواعده. الأزمة تتفاقم. الغرب يعلم علم اليقين أن العرب لن يقووا على القضاء على الإرهاب حتى لو أرادوا، وبعضهم لا يريد، وان أراد فهو مقيد ومحكوم بتراث مذهبي أو طائفي أو ديني يحمي أسس هذا الإرهاب. يخطئ الغرب حين يحيل الأمر برمته إلى العرب ظنا منه أن حربا إرهابية بين العرب وقوى الجهاد الإسلامي سوف تستنفد طاقة الإرهاب الإسلامي المخزونة في بلاد الغرب، يخطئ لأن الإرهاب «العربي» استوطن الغرب فعلاً، ولن يتخلى عن مستوطناته ولن يعود إلى موطنه الأصلي.

مرت سنوات عديدة منذ تفجير برجي التجارة الدولية في نيويورك. تكشف الأيام الراهنة عن فشل هائل للحرب العالمية ضد الإهاب كما أطلق عليها الرئيس بوش، وكما يعود الآن الرئيس أوباما يطلق عليها الصفة نفسها. فشل بوش وفشل أوباما. موت بن لادن لم ولن يعد نصرا نهائيا وحاسماً، فلدينا الآن عشرات بل مئات من قادة الإرهاب على شاكلته وأسوأ، وفشل بوتين في محاولة القضاء على الارهاب في مناطق نفوذه. ففي وسط آسيا، أي في معظم دول جوار روسيا، خلايا إرهابية تستعد بالتمويل الأجنبي والتدريب لدور ليس أقل شأنا من دور خلايا الارهاب في دول الغرب.

المخيف حقا هو انه لم يصدر عن الحكومات العربية، مجتمعة أو منفردة، ما يدل على أنها تأثرت بمذبحة باريس الإرهابية. قيل مرارا، ويقال بتكرار صار مملاً، إن «الجماعة» العربية تمر بأسوأ مراحلها منذ الاستقلال. أعني بالجماعة العربية هذه الدول التي تنطق بالعربية، سواء اجتمعت تحت مظلة مؤسسة قومية جمدها البعض منهم عن قصد، أو تحت مظلات جهوية، أو تصرفت منفردة، كل على حدة. نسمع هذه الأيام أو نرى بعض هذه الدول، وربما أكثرها، يتوسل إلى الدول الكبرى بتولي مهمة الحرب ضد الإرهاب نيابة عنها، بالإيجار أو استخدام مرتزقتها أو باستعادة آلاتها ومستشاريها العسكريين. هناك بين هذه الدول من يدعو روسيا للنزول والإقامة في سوريا، وهناك بين العرب وفى إيران من يدعوها للنزول في العراق. وهناك من يدعو كل دول الغرب، وفيه روسيا، إلى تولى مسؤوليات تأمين الموانئ والمطارات العربية، ولا يرى عيبا أو خطرا أو نقصا في الهيبة والقيمة بعد عقود من التحرر وممارسة الاستقلال. نقول وبالصراحة الممكنة، لقد فشل البعض منا في ان يقيم «الدولة العربية المستقلة»، وفشل البعض الآخر في المحافظة على دولة مستقلة أقامها حينا. أكثر هذه الدول لا تستحق الآن الرايات التي ترفعها على مرافقها ويلوح بها أطفالها في «المهرجانات الوطنية». أكثر الأنظمة الحاكمة في هذه الدول قرر أن يلقن الاجيال الجديدة لغة أو لغات أخرى غير العربية. بعض هذه الأنظمة لا يزال يعتمد على الإرهاب في شكل القمع والترهيب والتعذيب لتنفيذ أهداف داخلية أو خارجية، يعتمد على أساليبه في إخضاع معارضيه السياسيين، يرهبهم بأجهزة إعلام «إرهابية» الفكر والمنهج والتمويل، ويرهبهم بالتعذيب الوحشي مستفيداً من وجود مؤسسات دينية جاهزة لدعم السلطة السياسية مقابل السماح لها بترويج التطرف الديني. بات واضحا لشعوبنا ان عددا متزايدا من الدول العربية متماسكة الحدود والشكل التنظيمي، لا يخجل برغم الشعارات الجوفاء عن المؤامرات الغربية، من دعوة دول الغرب لتعود أجيرا أو حليفا، تتولى مسؤوليات اقتصادية وأمنية وإدارية. يحدث هذا بينما يبقى مرفوعا شعار إستعادة هيبة الدولة.

يوما بعد يوم تكاد الدولة الحديثة تختص فقط بإدارة الغضب الشعبي المتزايد باستخدام أساليب عنيفة. يهمس المسؤولون فيها بأنهم حريصون على ألا يتركوا للغضب فرصة يعود من خلالها الشعب إلى وضع الثورة. هؤلاء لا يدركون أن الغضب هيمن بالفعل وأن الناس في معظم أنحاء الساحة العربية يفكرون بقلق واضح ويأس متقطع وأمل متجدد في ما بعد الغضب.

هناك في واشنطن وباريس وبروكسل وموسكو فشل، وهنا في معظم عواصم العرب فشل مضاعف، وفي إيران وتركيا واسرائيل ترقب حذر وتوتر له ما يبرره، جزء من هذا التوتر يتعلق بالسؤال عن ثمار الفشل العربي وفي حجر أي دولة من الدول الثلاث ستسقط. بسبب هذا الفشل هناك، وهذا الفشل هنا، تتجمع سحب الغضب وتتشكل بوادر مرحلة ما بعد الغضب.

عن السفير

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط