مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

العرب يفقدون الدولة ويغرقون في الفوضى

الدولة هي أقصى درجات التطور الإنساني، وقمة الإبداع البشري، وقد استغرق الوصول إليها آلاف السنوات، تخللتها حروبٌ ونكباتٌ ومعارك واشتباكاتٌ، شطبت فيها شعوب، واستئصلت أمم، وغابت قبائلٌ وعشائرٌ، وتعاقبت قوى الغلبة والسلاح، وتراجعت المؤسسات الدينية والمرجعيات الكهنوتية، واندثرت الإقطاعيات وطبقات الأشراف والنبلاء، مما جعل الوصول إليها يعتبر قمةً في التطور الاجتماعي والإنساني.
إذ نقلت الدولةُ الإنسان من الفوضى والاضطراب إلى النظام والاستقرار، ومن الظلم وشريعة الغاب إلى العدل في ظل القضاء وسيادة القانون، وهي التي منحت الإنسان أمناً وسلاماً واستقراراً، وضمنت له حقوقه وممتلكاته، وكفلت له مستقبله وحاجاته، وأعطته هويةً وشخصية، وفرضت على الآخرين احترامه وتقديره، وطالبت بتسهيل حاجاته وعدم الاعتداء على حرياته أو انتهاك خصوصياته، وسنت القوانين ووضعت النظم، وتوعدت من يخالف القوانين المعمول بها والأعراف المسكوت عنها بالعقاب المناسب، والرادع الزاجر.
ربما كان العرب آخر الشعوب التي توصلت إلى إطار الدولة الحديثة، وآمنت بها والتزمت بشروطها وعملت وفق قوانينها، إذ سبقتهم إليها أوروبا بأكثر من مائة عام، رسخت خلالها بين شعوبها قيم الدولة، ومفاهيم الشراكة الاجتماعية، ومبادئ المدنية والديمقراطية، وأسست لفهمٍ شعبي عامٍ لقواعد العقد الاجتماعي الذي بشر به فرنسيس باكون وتوماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم.
وعلى الرغم من أن الدولة الأوروبية الحديثة وغيرها العديد من دول العالم لم تستقر على وضعها الحالي إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتشكيل هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الذراع القوي للأمم المتحدة، ومن قبل سادت بينها حروبٌ دمويةٌ مهلكة، استمر بعضها لعشرات السنوات، وقتل فيها عشرات الملايين من السكان، إلا أنها نجحت أخيراً في بناء دولٍ عصريةٍ حديثة، تحترم العقد الاجتماعي مع مواطنيها، وتلتزم تجاههم بكل ما تتطلبه حياتهم الكريمة، وعيشهم الإنساني.
أما نحن العرب، وإن كنا الأقدم حضارةً، والأعرق فكراً والأسبق وجوداً، فإننا نرفض أن نرتقي إلى مصاف الدولة الحديثة، ونصر على البقاء داخل محابس القبيلة والعشيرة ومراكز القوى والهيمنة، وإن كنا قد أدركنا مرغمين بحكم الحاجة وطبائع الأشياء بعض بعض أشكالها، والتزمنا الكثير من قوانينها، حتى باتت لدينا دولٌ توصف بالحديثة، وتصنف بالعصرية، رغم أن الأنظمة فيها بقيت استبدادية ديكتاتورية، تقوم على القهر والبطش، وتستند إلى الأمن والعنف.
إلا أنها قدمت للمواطن نموذجاً لعقدٍ جديدٍ، يقدم الكثير من الخدمات ولو كانت منقوصة، وقد رضي بها المواطن مرغماً أو قانعاً، واستسلم للقائمين عليها غير مطالبٍ بالمزيد من التحسينات، أو بالكثير من الحقوق، مخافة فقدان ما يتمتع به من القليل، الذي هو حقٌ تنص عليه القوانين وتكفله النظم، ولكنه يعلم أن الحكومات هي التي تهدد بنيان الدولة، وتمس سلامة ونزاهة مؤسساتها، وتعطل فعاليتها، ما يجعله يسكت على القليل الممكن، والبديل الأفضل، وإلا فهي الحرمان والعودة إلى قوانين الغاب وهيمنة الأقوى.
أمَّنت الدولة العربية الحديثة الكثير من الخدمات الاجتماعية، وبنت مؤسساتٍ وهيئاتٍ كثيرة، تعنى بالمواطن وتهتم به ما كان بعيداً عن السياسة، وغير مولجٍ بالأمن، أو لا يهدد الاستقرار الاقتصادي، ولعل خدماتها لا ترقى أبداً إلى مصاف خدمات الدولة الأوروبية الحديثة، ولا تبزها ولا تشبهها إلا في القليل، ولكن حدها الأدنى مكن المواطن من الاستقرار والإحساس بالطمأنينة والأمن النسبي، وبدأ يخطط لمستقبله الشخصي ومستقبل أولاده، واطمأن إلى أن أحداً لن يتغول عليه، ولن يعتدي على حقوقه في ظل الدولة المدنية الحديثة، ذات القوانين والأنظمة، وفي ظل القضاء والمحاكم، ولو كان في بعضه جائراً وغير عادلٍ، ومسيساً وغير قانوني، إلا أن الكيانات العربية باتت دولاً بهياكل ومؤسساتٍ وأنظمةٍ ولوائح.
الدولة العربية الحديثة التي كنا نتنسم عبيرها، ونتغنى بأمجادها، ونرضى بها على الرغم من كل عللها وأمراضها، التي تملكها مجموعة، وتستغلها جماعة، وتستفيد منها قلة، وتحرم من خيراتها الأغلبية، ويعيش فيها البعض حراً منعماً، ويعاني فيها آخرون سجناً وقيداً وذلاً، نراها اليوم تتهاوى وتسقط، وتنهار وتتراجع، وتتفكك مؤسساتها، ويتمزق نسيجها، وتنحل عُراها، وتتوقف خدماتها، وتتعطل مرافقها، وتغيب سلطاتها، وتضيع هيبتها، فلم يعد لها على أرضنا وجود، بعد أن أسقطتها الحروب الداخلية، والنزاعات البينية، وحلت مكانها الفوضى والخراب، والفراغ والاضطراب، فما بقي منها أثر غير الاسم الذي قد لا يبقى واحداً، بل من المرجح أن يتشظى وينقسم، ويصبح أكثر من دولةٍ وكيانٍ، لطائفةٍ دينية أو لعرقٍ قومي.
لم يعد للدولة التي تطعم من جوع وتؤمن من خوفٍ وجودٌ، فساد في أرضنا اللصوص النهابون، وسيطر الأقوياء الظالمون، وعاث في أرضنا الفاسدون المنحرفون، فتكدست القمامة، وانتشرت الروائح العفنة، وتعذر العلاج والاستشفاء، وشق على الناس جمع قوت يومهم، أو ستر عيشهم، وعمت في وضح النهار وفي جوف الليل حوادث السرقة والنهب والنصب والاحتيال، وكثرت جرائم القتل والتشبيح والاعتداء، وأصبحت الشرطة مستأجرة، والقضاء يباع، والمحاكم تعقد بثمن، وتصدر أحكاماً بمقابل، وتفتح السجون بأوامر، ويزج فيها بأمر الحاكم الظالم البريئ والضعيف، والفقير والمحتاج.
اليوم باتت الشعوب العربية في أمس الحاجة إلى الدولة ذات الهيبة والسيادة، القوية العادلة، المنصفة المنظمة، التي تساوي بين المواطنين، وتحكم بينهم بالعدل والسوية، ولا تسمح في ظلها بالسلطات غير الشرعية، ولا تقبل بنشوء قوى ومجموعاتٍ عسكرية، تأخذ الحق بيدها، وتنفذ القانون وفق هواها، وتنشر الذعر بين مناوئيها، وتفرض الخاوة والأتاوة على معارضيها.
الحاجة ماسةٌ جداً بعد التجربة القاسية والمحنة الكبيرة التي عاشتها الأمة في ظل انقلاب الربيع العربي، إلى دولةٍ عربيةٍ مركزيةٍ، مدنيةٍ حديثةٍ، تلتزم الديمقراطية وتحترم القانون، وتضمن الحريات العامة، وتصون الحقوق الفردية والشخصية، وتحفظ الأقليات وتكفل حقوقهم، وتقدم مصلحة المواطن وتتفانى في خدمته، وتعمل على راحته وسعادته، وتتجنب ظلمه والإساءة إليه، وتكون مثالاً بها نتمسك، وعليها نحرص، وفي سبيلها نضحي، ومن أجلها نقاتل، فهل إلى هذه الدولةِ العتيدة التي تأخرت حيناً وغابت أخيراً من سبيل، فنحن في حاجةٍ إليها لنحيا ونكون، وبدونها فإن شريعة الغاب ستسود، والظلم سيعم، والفساد في أرضنا سيطغى.
بيروت في 28/6/2015

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط