مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

العدوان الثنائي ومسعى للدولة المهيمنة

العدوان الثنائي ومسعى للدولة المهيمنة

تاريخ النشر: 2026-03-05 | 10:54

تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما المشترك في إطار العدوان الثنائي على إيران، الذي يستهدف إتمام فرض الهيمنة الأمريكية، وتوسيع رقعة العربدة الإسرائيلية، لتصل إلى جميع دول ومناطق الشرق الأوسط. ويتخذ العدوان طابعا إمبرياليا طاغيا، يتمثل بالسعي المعلن لفرض الإملاءات على دولة مستقلة، ولتغيير نظام الجمهورية الإسلامية باستعمال الأدوات الحربية، وبالانقضاض على القدرات العسكرية الدفاعية والهجومية الإيرانية، في محاولة لإجبارها على التصالح مع السطوة الأمريكية في الشرق الأوسط، وعلى الكف عن تحدّي محاولات إسرائيل لفرض نفسها كدولة مهيمنة في المنطقة.
وفي اللحظات الأولى للعدوان، استهدفت إسرائيل، بمساعدة أمريكية وازنة، رأس النظام الإيراني، المرشد الأعلى علي خامنئي والعشرات من القيادات السياسية والأمنية، في عملية اغتيال جماعية، جرى الإعداد لها بدقة منذ فترة طويلة. لم تكن تلك عملية أسطورية، كما جري ويجري تسويقها إسرائيليا وعربيا، وكان من الممكن تفادي نتائجها لو توفّر، في محيط القيادة الإيرانية، الحد الأدنى من اليقظة الأمنية، خصوصا أن نية اغتيال المرشد الأعلى كانت متداولة إعلاميا على نطاق واسع. وقد سارعت إسرائيل إلى استثمار الاستهداف للترويع ولزرع الذعر من «يدها الطولى» لردع من تراوده فكرة مواجهتها وتحدّيها. وشرح أحد الكتاب في صحيفة «نيويورك تايمز» المنطق الأمريكي ـ الإسرائيلي: «أن يخاف منّا القائد المقبل في إيران، ما يكفي ليكون ممتثلا لمطالبنا لعلمه أنه قد يكون الرأس التالي على الرمح».
لقد كانت لحظة اجتماع القيادة الإيرانية هي الموعد، الذي اتفق عليه نتنياهو وترامب لشن الحملة، التي جرى إعدادها منذ أشهر وربما سنوات. ومن المؤكّد أن نتنياهو هو الذي هندس العدوان الثنائي، بعد إقناع الرئيس الأمريكي ومن حوله بأن لا بديل عن الحل العسكري للملف الإيراني. وحين يقول ترامب بأنّه هو الذي جر نتنياهو إلى الحرب، فهو ينطق بما أقنعه به نتنياهو إلى درجة التماهي التام مع فكرة شن العدوان. والنقاش العلني حول من المبادر ومن المجرور، مرتبط بشعبية الحرب في الرأي العام، حيث تدل الاستطلاعات حاليا على أن أكثر من 80% من الإسرائيليين تؤيّدها، وأن أكثر من 70% من الأمريكيين يعارضونها.
هناك تأييد جارف ودعم أعمى للحرب في إسرائيل، يظهر في التعاطي الإعلامي والسياسي والشعبي، مع مجريات العدوان، وفي الاحتفاء المصوّر بأخبار القصف والاغتيال والتدمير في إيران، ويتجاهل الإعلام الإسرائيلي «الحر» أنباء الضحايا المدنيين في إيران ويكرر بوقاحة معهودة بأن إيران تستهدف المدنيين، على عكس ما تقوم به إسرائيل. استهداف المدنيين مرفوض في كل الأحوال، لكن إسرائيل هي آخر من يحق له الحديث عن ذلك، بعدما ارتكبت فظائع حرب الإبادة في غزة.

بدأ نتنياهو وترامب الحرب معا وبالاتفاق على موعد البداية، لكن موعد النهاية سيكون عندما يقرر الرئيس الأمريكي ومن المرجّح أن يأتي ذلك قبل أن يريد نتنياهو وقفها

حين دخل حزب الله المعركة عمّت الفرحة أوساط النخب الأمنية والسياسية والإعلامية، وردد الجميع العبارة ذاتها بأن الحزب «وقع في المصيدة»، على اعتبار أن إسرائيل ستستغل إلى النهاية هذا الخطأ لتنفيذ مآربها العدوانية في لبنان. وإلى جانب مواصلة قصف مرافق إيرانية بمشاركة أمريكية واسعة، شرعت إسرائيل بحملة عسكرية كبيرة في لبنان، وأصدرت بيانات دعت فيها إلى إخلاء جنوب لبنان بالكامل، للإعلان عنه «منطقة موت»، يكون كل من فيه عرضة للنيران الإسرائيلية. لقد طلّقت إسرائيل مفهوم الحرب القصيرة كمبدأ ناظم لحملاتها العسكرية، وأصبحت الحرب الطويلة خيارا ممكنا تبعا للسياق ولتحقيق الأهداف. والحرب على إيران لا تتطلب تجنيد أعداد كبيرة من جنود الاحتياط، مما ينهك الاقتصاد، وتستطيع إسرائيل مواصلتها طالما توفّرت الذخيرة واستمر الدعم الأمريكي. ويعود الإسراع الإسرائيلي في تكثيف القصف إلى خشية من أن يعلن ترامب النصر مبكرا وينسحب من الحرب، وعندها لن يكون لنتنياهو مفر سوى التماشي مع الموقف الأمريكي. في الإجابة على السؤال متى تنتهي الحرب؟ تتداخل عوامل مؤثرة كثيرة، لكن من الواضح أن القرار سيكون ترامبيا، ولن يخرج من إسرائيل أو من سواها. وما يؤثر في قرار ترامب؟ أولا، الضغط السياسي الداخلي، وبالأخص المعارضة الشديدة في أجنحة قوية في الحزب الجمهوري، وكذلك تأثير الحرب على الانتخابات النصفية المقبلة، ثانيا، الضغط الاقتصادي وإمكانية حصول ارتفاع كبير في أسعار الوقود وسلع كثيرة أخرى وهذه مسألة في غاية الحساسية في السياسة الأمريكية، بالأخص عند ترامب، الذي وعد بخفض الأسعار؛ ثالثا، مسألة الذخائر والنقص المحتمل في الصواريخ المضادة للصواريخ في إسرائيل ودول الخليج، التي تتعرض لهجمات إيرانية متتالية. لقد بدأ نتنياهو وترامب الحرب معا وبالاتفاق على موعد البداية، لكن موعد النهاية سيكون عندما يقرر الرئيس الأمريكي ومن المرجّح أن يأتي ذلك قبل أن يريد نتنياهو وقفها. هذا قد يخلق معادلة إنهاء الحرب مع إبقاء الباب مفتوحا أمام عمليات عسكرية إسرائيلية محددة ومتواصلة، على نسق ما جرى بعد وقف إطلاق النار في غزة وفي لبنان.
قال نتنياهو إنه يسعى إلى حرب على إيران منذ أربعين عاما، وإنّه يرى فيها تهديدا وجوديا وخطرا داهما على كيان الدولة الصهيونية. ويردد نتنياهو أن مواجهة إيران هي من «اختصاصه»، وأن ما من زعيم إسرائيلي آخر قادر على إدارة مثل هذا الملف المعقّد. وبرز في اقواله في السنوات الأخيرة ما يعطي انطباعا بأن العناية الإلهية قد اختارته لإنقاذ «شعب إسرائيل» من الكارثة، كما يكرر مؤيّدوه شكرهم للرب، الذي منحهم قائدا مثله. هذا ما كان قبل صدمة السابع من أكتوبر، ولكن بعدها أصبح الأمر أهم بكثير. قبلها كان المعركة مع إيران مصدرا للمجد التاريخي، أما بعدها فقد أصبحت الملاذ الرئيس للتملص من تبعات الفشل في منع وصد «طوفان الأقصى». ما يريده نتنياهو هو محو ما حدث في السابع من أكتوبر بتحقيق «نصر مطلق» على ما يسميه «الشيطان الإيراني». ويرتبط هذا بمكانته في التاريخ، والأهم بشعبيته في صناديق الاقتراع.
يروي صحافيون إسرائيليون أن نتنياهو يعيش هذه الأيام حالة من الزهو والغرور ويلوح بما حققه من إنجازات في الحرب الحالية، بدءا باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات إيرانية وازنة، مرورا بجر ترامب إلى الحرب، وصولا إلى القضاء على المشروع النووي الإيراني وتدمير جزء كبير من القدرات الصاروخية في إيران. وعليه يستنتج الكثيرون أن نتنياهو قد يعلن عن إجراء انتخابات مبكّرة في يونيو المقبل، في محاولة لاستثمار «الإنجاز في إيران» وتهميش إخفاق السابع من أكتوبر.
نتنياهو سيتخذ القرار بشأن سؤال تبكير الانتخابات قبل نهاية الشهر الحالي، تبعا لحسابات قانونية وسياسية، ولكنه لن يستطيع إنهاء أي حرب من حروبه قبل الانتخابات. الحروب مفتوحة في غزة ولبنان وإيران، وهو غير قادر على حسمها وفق مبدأ «النصر المطلق»، الذي وضعه هو. وعليه فإن الحملة الانتخابية ستكون مصحوبة بحملات عسكرية، وبطلب من الناخب الإسرائيلي أن يدعمه لإكمال المهمة، التي لا يستطيع عليها «أحد سواي»، كما يقول.
مهما يكن من أمر السياسات والأخطاء والخطايا في دول المنطقة، فإن المواجهة في جوهرها هي حول الهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية. إسرائيل تسعى لأن تكون «دولة مهيمنة» بمفهوم القدرة الفائقة في التأثير على سياسات وسلوكيات دول أخرى في المنطقة. لكنها لا تحمل مقومات هذه المكانة وتستعين بالدولة العظمى الأكبر في العالم لدعم محاولاتها المتكررة لبسط النفوذ والسيطرة. هناك فرق بين حالة «دولة مهيمنة» تضمن استقرارا إقليميا تحت مظلتها، ودولة تسعى بشكل محموم للوصول إلى هذه الحالة، ما يجر معه استعمالا للقوة والعنف لتحقيق هدف صعب المنال. وبهذا يخطئ من لا يرى من العرب أن اسرائيل هي المصدر الأكبر لعدم الاستقرار في المنطقة. وبالذات لأنها صغيرة المساحة، قليلة السكان ومحدودة الثروات، فهذه مواصفات تبقيها، بالحد الأقصى ومهما حاولت، في مصاف إحدى الدول القوية وليست «الدولة المهيمنة» الوحيدة كما تريد وكما تسعى من خلال حرب العدوان الثنائي على إيران.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط