مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الصيحة الأخيرة للإخوان المسلمين

لم تُدرك جماعة الإخوان المسلمين، ولا من كانوا يأملون وراثة الجماعة من السلفيين أن المجتمع المصرى قد تغيّر نوعياً منذ ثورة 25 يناير 2011. فقد كسر المصريون جِدار الخوف من السُلطة، سواء كانت سُلطة دينية، أو سُلطة زمنية، بعد ستة آلاف سنة، كان يخاف فيها من رمز هذه السُلطة، فرعون كان أو سُلطاناً، رئيساُ كان أو أميراً للمؤمنين!

كما تسيّس الشعب المصرى كله، أى أًصبح كل الناس يهتمون بالشأن العام، خارج ذواتهم وخارج عائلاتهم، وخارج قُراهم، وخارج الشوارع والأحياء والمُدن التى يُقيمون فيها. وأصبح الشأن العام هذا، هو مصر كلها، إن لم يكن معها الوطن العربى كله. أى لم يعد هذا الاهتمام بالشأن العام حِكراً أو احتكاراً لنُخبة العشرة فى المائة الذين هم فى قمة المجتمع، كما تعودنا فى المائة سنة الأخيرة.

وقد أصبح مُعظم المصريين، للسببين المذكورين أعلاه، أكثر استعداداً، للمُشاركة فى صياغة هذا الشأن العام. كما يشهد بذلك حِرصهم على الإدلاء بأصواتهم فى الاستفتاءات والانتخابات العامة، ووقوفهم فى الطوابير لساعات، دون ضجر أو ملل، للإدلاء بأصواتهم، فى أربع مناسبات خلال السنوات الثلاث التى أعقبت ثورة يناير 2011.

ولأن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين قد تم غسيل عقولهم، وتسطيح أمخاخهم، خلال مسيرة تجنيدهم، فلم يعودوا يُعملون عقولهم، من طول تمرسهم بسلوك السمع والطاعة لقياداتهم، فإنهم يُصدقون كل ما يصدر لهم من هذه القيادات، حتى لو كان خُرافة، أو خارقا للعادة! بما فى ذلك الاستعداد لرمى أنفسهم فى التهلكة، واعتقادا منهم أن ذلك استشهاد فى سبيل الله، وأن مصيرهم الذى لا ريب فيه هو الجنة، خالدين فيها أبدا!

كذلك أصيبت قيادات الإخوان فى السنوات الأخيرة بالغرور التنظيمى. من ذلك مثلاً، أنهم بالغوا كثيراً فى قدراتهم على التعبئة والحشد. لذلك أسرفوا فى الدعوة إلى المليونيات الجماهيرية. وخدمهم فى ذلك اعتباران:

أولهما، أن قطاعات ليست بصغيرة من الرأى العام كانت تتعاطف معهم، إما اعتقاداً أنهم أهل تقوى وورع وإصلاح، وإما لأنهم كانوا فى أزمان ما قبل ثورة 25 يناير ضحايا للتعسف والظلم فى عهود سابقة ساد فيها الفساد والاستبداد.

ثانيهما، أن الجماعة السلفية، والجماعات الجهادية الأخرى التى خرجت من العباءة الإخوانية، أو من المستودع الصوفى، كانت فى العادة ستؤيد الإخوان فى أى مواجهة مع السُلطة، وخاصة إذا رفعت الجماعة راية الإسلام أو الشريعة فى هذه المواجهة. لذلك حينما دعت جماعة الإخوان والسلفية الجهادية إلى مُظاهرات مليونية يوم الجمعة 28 نوفمبر 2014، أخذت أجهزة الدولة احتياطاتها تحسباً لعُنف متوقع فى ذلك اليوم. ولكن لدهشة أجهزة الأمن، والمُراقبين، وربما الإخوان والسلفيين أنفسهم، لم يستجب مواطنون كثيرون لهذه الدعوة. ولا لملحق الدعوة فى اليوم التالى، السبت 29 نوفمبر. وسارت الحياة طبيعية هادئة فى اليومين، فى عموم القُطر المصرى، باستثناء مُظاهرات صبيانية محدودة فى أحياء المطرية والهرم وشُبرا الخيمة فى القاهرة الكُبرى، وفى محافظتى الفيوم والشرقية، سقط فيها ثلاثة قتلى، وحوالى ثلاثين جريحاً، من رجال الأمن ومن الإسلاميين، وهى الجمعة الأقل ضحايا منذ قيام ثورة 25 يناير.

وخُلاصة القول أن دعوات الإخوان والسلفيين إلى التظاهر، أو الاعتصام، أو المواجهة مع أجهزة الأمن، لم تعد تلقى استجابة من غالبية المصريين، إما لعدم التعاطف مع الإسلاميين، أو للتعب والإنهاك الثورى للناس خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهو ما حدث فى ثورات أخرى، فى روسيا وإيران وبُلدان أوروبا الشرقية. والقيادات السياسية الحصيفة تدرك ذلك جيداً، فلم تُسرف فى دعوة الناس للخروج أو للتضحية فى سبيل الثورة أو فى سبيل مبادئها المُعلنة (مثل العيش والحُرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية)، أو فى سبيل الجماعة والحزب.

كما أن عدداً من المُراقبين المحليين والدوليين، كانوا قد لاحظوا أن أياً من ضحايا وشُهداء الثورة ابناً، أو أخاً، من أقرباء قيادات الإخوان المسلمين. كما لو كان الاستشهاد فى سبيل الله أو الجماعة هو واجب فقط على عامة الإخوان من الأعضاء، وليس على الخاصة من القيادات أو من ذويهم الأقربين.

ولذلك نُلاحظ أن عدم الاستجابة لم يقتصر فقط على يومى 28 و29 نوفمبر 2014 ، ولكنه شمل كل دعوات الإضراب والاعتصام خلال السنة الأخيرة، خاصة منذ فض اعتصامى ميدانى رابعة العدوية (شرق القاهرة) والنهضة (الجيزة) فى أغسطس 2013. ويبدو أن عدم الاستجابة الشعبية أصاب الإخوان بمزيد من الإحباط، فتضاعف تخبط القيادة، وعشوائية قراراتها فى الآونة الأخيرة، وهو ما أغرى الجماعة السلفية، بالتصرف والحديث كما لو كانوا هم وليس الإخوان، أصحاب التوكيل فى الحديث باسم التيار الإسلامى، ليس فقط فى مصر، ولكن أيضاً فى بقية العالم الإسلامى من إندونيسيا شرقاً، إلى نيجيريا غرباً.

ومع ذلك لم تفلح الجماعة السلفية فى محاولتها بأخذ زمام القيادة، فهى التى كانت قد بادرت بالدعوة لمليونيات 28 نوفمبر، والتى جاءت الاستجابة لها فى غاية التواضع، كما رأينا. وربما حقيقة الأمر هى أن أغلبية المصريين قد اكتسبوا مناعة نفسية وروحية، ضد كل دعوات يشتمّون منها شُبهة المُتاجرة بالدين. ويمكن القول، والأمر كذلك، أن صيحة الإخوان والسلفيين، واإسلاماه يومى 28 و29 نوفمبر 2014، كانت صيحتهم الأخيرة، على الأقل فى حياة هذا الجيل، أى أنه لن تقوم لهم قائمة سياسية ذات بال أو تأثير، خلال السنوات العشر القادمة. ولا يعنى ذلك أنهم سيختفون عن المسرح العام، ولكنهم لن يكونوا لا القوة الأولى، ولا الثانية، ولا حتى الثالثة. وقد رأينا مؤشراً لذلك فى الشقيقة تونس منذ أسابيع قليلة، حيث خسرت حركة النهضة، المُقابل التونسى للإخوان فى مصر.

والله أعلم..

[email protected]

عن المصري اليوم

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط