مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الشيخان الياسينان عبد السلام وأحمد (3)

تميز الشيخان عبد السلام وأحمد ياسين بقدراتٍ قيادية عديدة، ومؤهلاتٍ عالية، مكنتهما من المشاركة في قيادة المرحلة، والمساهمة في عملية النهوض الإسلامي الكبير الذي شهدته المنطقة، فكلاهما أتقن فن مخاطبة الجماهير، وحسن التعامل معها، وأبدعا في عرض أفكارهما على الناس، فكانا مقنعين وشيقين، وصادقين ومخلصين، ومنفتحين ومقبلين، أحبهما الناس، وصدقا كلامهما، وآمنا بدعوتهما، وكانوا معهما جنوداً في دعوتهما، في الجماعة والحركة على السواء، مستلهمين الصدق من رائد الدعوة الأول، رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أدرك الشيخان حاجة الأمة إلى النهوض من كبوتها، واستعادة دورها، والإنطلاق بهمةٍ وقوةٍ من جديد، فقد أصاب الأمة الإسلامية الوهن، واعتراها الضعف، وحل في جوانبها خللٌ واضطرابٌ كبير، وتناوشها الأعداء، واعتدوا على سيادتها، ونالوا من كرامتها، وسرقوا خيراتها، وغزوا عقول شبابها، وحرفوا أجيالها، وغيروا مسار الأمة، وجعلوا منها تابعاً ذليلاً، وخادماً خائفاً، ما استدعى تغيير الحال، ومواجهة الواقع، والتصدي للمتآمرين على الأمة، ولم يكن إمكانية لذلك، سوى أن يرفعا لواء استنهاض الأمة، وبعثها من جديد، فكما كانت دعوتها واحدة، فقد كان مشروعهما واحد، وهدفهما واحد، وغايتهما واحدة.

لكنهما أدركا خطورة المرحلة، وشدة التحديات، وصعوبة الظروف التي تعيشها المنطقة، ففي الغرب محاولاتٌ مستميتة لتغريب الأمة وإبعادها عن دينها، وإلحاقها بركب الغرب، والتشبه بالأوروبيين، والارتباط بالفرنسيين تحديداً، وفي الشرق احتلالٌ واغتصابٌ وسجونٌ ومعتقلاتٌ، وقتلٌ وطردٌ وإبعاد، فلم يأبه الرجلان إلى الخطورة التي تكتنف مهمتهما، ولم يستسلما لنصائح التثبيط، ودعوات الاستسلام، كما لم يخضعا للتهديد والوعيد، ولم يخافا من بطشٍ وقوةٍ وإرهاب، بل مضيا بيقين، وتحديا بعزم، وانطلقا بقوةٍ، بإرادةٍ صادقةٍ، وعزمٍ أكيد، وتحدي صارخٍ لا يعرف المستحيل، ما جعل دعوتها قوية، وتنظيمهما الجماعة والحركة، من أقوى التجمعات الإسلامية وأقدرها، مستمدين الانطلاق من إرادة الشيخين التي لا تعرف سبيلاً غير الثورة والانعتاق.

الشيخ عبد السلام ياسين محاصرٌ وممنوع من حرية الانتقال والسفر، وتفرض عليه إقامةٌ جبرية، ويمنع الناس من زيارته، والجلوس معه، والاستماع إليه، ويضيق عليه في وسائل الاتصال، وسبل التواصل مع المواطنين، والشيخ أحمد ياسين، محاصرٌ ومعتقل، وسجينٌ ومعزول، لا يتصل بأحد، ولا يراه غير مساعديه، وفي بيته تفرض عليه الإقامة الجبرية، ويعتقل كل من يتصل به أو يحاول زيارته.

كما لم تكن الأرض ميسرة أمام الرجلين، ولم تكن الطريق لهما معبدة، ولم تكن الظروف التي يواجهونها ميسورة، ولم يكن قبول الناس للأفكار التي يحملونها سهلاً، فالحريات في المغرب كانت مقيدة وصعبة.

لكن الشيخ عبد السلام ياسين تحدى القوانين، وواجه الإجراءات، وانتصر على العزل، وهزم الإقامة الجبرية، وتجاوز بصوته الحدود والموانع، وحقق ما يريد رغم صعوبة ما يواجه.

أما الشيخ أحمد ياسين فقد انتصر على مرضه، وهزم شلله، وانطلق كالمارد العظيم من على كرسيه المتحرك، الذي أصبح للعالم رمزاً، وللأمة مثالاً، يظهر انتصار الإرادة على العجز الجسدي، والإعاقة الصحية.

وقد واجه الشيخان حقداً وكرهاً واحداً، إذ حقد عليهما المرجفون والكارهون، والسيئوون والمنافقون، والحاسدون والمنافسون، وتمنى هلاكهما أعداء الأمة، والمناؤون لهذا الدين، فقد كانا خطراً على الطرفين، إذ هدهدا مشروع الآخرين، وعرضا مخططات العدو للخطر، فحسدهما بعضٌ من أبناء جلدتهما، وتآمر عليهما الأعداء ليقتلوهما أو يثبتوهما أو ينفوهما من الأرض.

ولم تخلُ حياة الشيخين الشخصية والدعوية من المحن والابتلاءات، فعلى المستوى الشخصي ضيق عليهما، وحبست حريتهما، وابتلي الأول بغربةٍ في بلاده، وعزلٍ له عن أهله وأحبابه، في محاولةٍ لكتم صوته، وحجب نوره، ومنع خيره من الوصول إلى الناس، وابتلي الآخر بعجزٍ وشلل، ومعاناةٍ دائمةٍ أبد الدهر، فضلاً عن السجون والمعتقلات التي طال بقاؤه فيها، واستمر حبسه رغم ظروفه الصحية، ووضعه الجسدي.

أما رجالهما وأتباعهما فقد ابتلاهم الله وامتحنهم، فزج بالكثير منهم في السجون والمعتقلات، وحكم عليهم بالسجن عشرات السنوات، وإن كانت محنة الأول أقل، وابتلاء أتباعه في بلاده أخف، إلا أن ما تعرض له لا يبرر، وهو أمرٌ مستغربٌ ومستنكر، وليس له ما يشرعه أو يبيحه، كونه قد صدر عن سلطاتٍ وطنية، وليس كأخيه الذي كان يعاني من سلطات احتلال.

ولم تكن حياة الشيخين حياةَ رغدٍ وترف، ولم يعيشا بين الناس كالملوك والأمراء، بل كانوا جزءاً من الشعب، وقطعةً منه، عاشوا بينهم، وتعاملوا معهم، وأكلوا طعامهم، وشربوا مما يشربون، ولبسوا مما يلبسون، ولم يميزوا أنفسهم عنهم في شئ، ولم يعيشوا بعيداً عنهم، معزولين أو مفصولين عنهم، بل كانت بيوتهم متواضعة بسيطة، تتوسط بيوت الناس وتتشابه معها ولا تختلف عنها، لم تغيرها المسؤولية، ولم تبدلها الأمانة، فلا شئ فيها يميزها، أو يجعلها تختلف عن بيوت العامة، أو تتشابه مع بيوت المسؤولين والحكام، فلا أثاث فخم، ولا متاع ثمين، ولا زينة ولا تفاخر، ولا زخرف ولا نمارق.

وقد رحلا عن الدنيا مودعين أمتهما وهم فقراء بسطاء، إذ لم يكونا أثرياء ولا أغنياء، ولا أصحاب مالٍ ولا جاه، فلم يورثوا خلفهم مالاً كثيراً، ولا ملكاً عريضاً، ولا إرثاً كبيراً، بل ورثوهما أمانةً وعهداً، وسيرةً عبقةً، وماضياً طاهراً نظيفاً، ملؤه العطاء بالمال والنفس، وتضحياتٌ بأعز ما يملكون، وأنفس ما يحوزون، فكان إرثهما لخلفهما ثقيلاً، ولمن بعدهما متعباً ومرهقاً، أضنى خلفهما، وأتعب من مضى على عهدهما، وأقسم أن يواصل طريقهما، وأن يتبع نهجهما.

يتبع ...

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط