مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

"في الطريق إلى البئر" لإبراهيم أبو عمّار

الشعر كفنّ للنجاة من المحو

الشعر كفنّ للنجاة من المحو

تاريخ النشر: 2025-06-28 | 09:58

حين تنام القرى في كتب التاريخ، ويُعاد رسم الجغرافيا بالحبر الملوّث، يأتي الشعر ليحفر خريطته بالحبر الصادق، ويمضي إلى البئر لا ليشرب، بل ليعيد لنا ماء الذاكرة، في زمنٍ تكاد الأسماء تُمحى من الذاكرة الجماعية، يخرج شاعر من تحت الرماد ليكتب أسماءنا على جدران القصيدة.

في ديوانه الثالث "في الطريق إلى البئر"، يقدم الشاعر الفلسطيني إبراهيم أبو عمّار عملاً شعرياً فريداً، لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش، إنه ديوان يصوغ فلسطين من جديد، لا بوصفها جغرافيا مجردة، بل بوصفها كائناً حيّاً يسكنه الشعر، تنبض فيه رائحة البرتقال، وحنين العودة، وتفاصيل الوجع.

هذا الكتاب ليس شعراً للترف أو التجميل، بل شعرٌ وظيفته الأساسية أن يُبقي الذاكرة حية، وأن يعيد تسمية الأرض بلغة الحب والمقاومة، فقصائد المجموعة تسير بالقارئ في دروب القرى الفلسطينية المهدمة، لا باعتبارها أطلالاً وذكريات، بل باعتبارها أيقونات نابضة.

إبراهيم أبو عمّار لا يكتب من برجٍ عاجي، إنه يكتب من الأرض نفسها، يعرفها كما يعرف خطوط كفه: شجرة التين، مدخل المسجد، رائحة الزعتر، موضع المفتاح في جيب المختار.

في قصيدة "يافا"، يقول:

"لا تأخذني من هنا، فأنا أحب البحر،

ورائحة البرتقال تزحف من بيارات يافا التي لا زالت تسكنني".

وفي "القدس":

"يا حامي القدس،

ألقني على درج الكنيسة دون سيف من ذهب،

أعطني وعداً لأكتب كل اسم فوق أبواب المدينة"

هذه ليست مجرد صور شعرية، بل استعادة للمكان، ورفضٌ لأن يكون الغياب مصيراً نهائياً.

القرية التي في القصيدة من لحم ودم، ففي هذا الديوان، تتحول القرية إلى كيان حي، وإلى شخصية شعرية، وكل قصيدة تكاد تكون نُصْباً تذكارياً لقرية مهدّمة، وخريطة النكبة يعاد رسمها بالحبر والحنين، والقصيدة تأخذ موقع البلدة على خارطة الحرف.

صفد:

"جميلةٌ أنتِ يا صفد،

جميلةٌ رغم الجروح التي تزين أسماءكِ،

عنيدةٌ تقفين على قمةٍ تختفي".

كفر لام:

"أنشد حبي فوق الدالية،

ونقرأ خارطة العودة،

ونتساءل عن ثالوث القدس ومن بات على حد صفد".

الطنطورة:

"أتقيأ في حضرة الأمم المتحدة،

وطرابيش ملوك الصحراء،

وأصلي في مقبرة أهملتها الاتفاقيات".

الدامون:

"قال: هنا نام الجنرال،

هنا مات الشيخ،

هنا سكت الغراب،

واختفى كل شيء".

القصيدة كجغرافيا بديلة، ولا يكتفي الشاعر بالحنين، بل يبدع خريطة موازية، خريطة لا تحتاج إلى وثائق أو لجان، بل إلى قارئ يصغي، كل بيت في القصيدة هو عنوان لمنزل حقيقي، وكل شجرة مذكورة تنمو على حدود القلب.

في هذا الديوان، يلمح القارئ ظلال محمود درويش في تشبث القصيدة بالهوية، وملامح عبد الوهاب البياتي في ترميز المدن وتحويلها إلى رموز وجودية، لكنه لا يقلّدهما، بل يذهب إلى أعمق، إلى التفاصيل اليوميّة، حيث الوطن ليس شعاراً، بل حكاية بين الجدران.

في قصيدة "عكا":

"أعدُّ التوابيت مرتبةً أمام المحراب،

واحدًا واحداً... وأنتظر الفجر والمدد".

وفي "اللجون":

"أسير وحدي

بين ركام البيوت وحجارة مقبرة

ينام فيها شهداء الثورة الأولى".

الشعر عند إبراهيم أبو عمّار كفعل مقاومة، وقد كتب د. جوني منصور في تقديمه للمجموعة: "هذا الديوان لا يُقرأ كأدب فقط، بل كفعل مقاومة ضد الطمس، حيث تتداخل الذاكرة الفردية مع الجماعية، ويصبح الشعر تمثيلاً وجودياً للهوية"، ففي المقدمة انسجام واضح مع رؤية الشاعر، جاءت لتضع هذا العمل في سياقه التاريخي والثقافي.

هذا هو جوهر النص، أن القصيدة ليست لوحة تزيينية، بل وثيقة تحفر في الجدار الهشّ لذاكرة شعب، لتعيد بناء ما تم تهديمه.

والسؤال الأكثر أهمية، لماذا نحتفي بهذا الديوان، لأنه يوثّق النكبة بلغة إنسانية عالية، ولأنه يمنح القرى المهجرة جسداً لغوياً حياً، ولأنه يكتب عن الوطن دون خطابية، ويحتفي بالجمال رغم الألم، ولأنه كذلك يذكّرنا بأن الشعر لا يزال سلاحاً في معركة الذاكرة، وجسراً للعودة.

في الخاتمة، أود التأكيد أنني اقرأ هذا الديوان، لا كقارئ، بل كلاجئٍ يبحث عن اسمه في حجارة الطريق، وإذا لم تطأ قدماك يوماً صفد أو الطنطورة أو دير ياسين، لا تقلق، اقرأ هذا الديوان، وستشعر أن قدميك تبللتا بماء "عين الزيتونة"، وأنك تستظل تحت شجرة التوت على عتبة دارك القديمة.

"في الطريق إلى البئر" ليس كتاباً عادياً، بل وثيقة شعرية، ومرآة لذاكرة شعب، وسلاح هادئ لكنه قاطع، في زمن يحاول فيه العالم أن يُغلق الكتاب، لكن الشاعر يفتحه من جديد، ويدعونا أن نعود، بالكلمات، ثم بالخطى.

✦ صدرت المجموعة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، ودار الفارس للنشر والتوزيع – عمّان، الطبعة الأولى 2025، مع لوحة الغلاف للفنان الفلسطيني سليمان منصور.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط