مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

السياسة الخارجية السعودية بين انعدام الرؤية وتبدد الخيارات

أوحى رجل المهمات الخاصة بندر بن سلطان لأفراد أسرته المالكة بأن ما أنجزه في ملفات المنطقة يقارب الإعجاز في عالم يزداد تعقيداً، فيما تجعل حدّة الاستقطاب السياسي فرص الاختراقات السياسية ضئيلة ونادرة. وحين حلّ ضيفاً استثنائياً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تلا بندر أمامه مطالعة استعراضية لإنجازاته الممثلة في إسقاط الرئيس مرسي في إطار خطة تنسيق مسبقة مع اللواء عبد الفتاح السيسي، وإسقاط حكومة ميقاتي الموصومة بكونها حكومة «حزب الله»، والإمساك بملف المعارضة السورية بشقيها السياسي والمسلّح، وإحكام القبضة على معادلة الحكم في اليمن والبحرين، إلى جانب القدرة التخريبية الهائلة في العراق، والأخطر هو الرعاية الروحية والمالية لمقاتلي القوقاز. اعتقد بندر أنه بات يملك أوراق اللعبة كافة، وأن بوتين أصبح محاصراً ولا يملك أمام قائمة الإنجازات السياسية للأمير بندر سوى القبول بالصفقة التي جاء من أجل عرضها عليه.
غضب بوتين من عبث بندر بمسألة الأمن القومي الروسي بحديثه عن مقاتلي القوقاز، ولكن لم يشأ إبلاغه رفض الصفقة بالجملة، وترك باب التكّهنات مفتوحاً، ما دام ليس هناك حسم مأمول قريباً في أي من ملفات المنطقة. ولكن بندر فهم الرسالة الروسية، وقرر فور عودته الى الديار فتح جبهة جديدة في سوريا، وكانت اللاذقية، التي لم تدم المعارك فيها طويلاً لأسباب تتعلق بمناعة المدينة على الانفلات، ولكن مجرد الاقتراب منها كان رسالة تنبيه الى موسكو بأنه يستطيع ما لا يستطيع غيره في جبهات القتال السورية، وقد يصل الى طرطوس إن تطلب الأمر.
على أية حال، ما كانت تتوهّمه الرياض أوراقاً رابحة، شعرت بعد التسوية الكيميائية بين موسكو وواشنطن بالتنسيق مع طهران ودمشق وكأنها بمثابة شيكات بلا رصيد. تدرك السعودية ومن تجارب سابقة أن ثمة مستويات في الأمن القومي الأميركي تجعل منها وحتى من إسرائيل خارج إطار التحالف الاستراتيجي واتفاقيات الحماية، يبدو ذلك بوضوح شديد في قرارات الحرب والسلم، فالسعودية لم تكن مع إسقاط حكومة «طالبان» في أفغانستان العام 2001، ولا إسقاط نظام صدام حسين في العراق العام 2003، وعلى الضد كانت تراهن، ولا تزال، على حرب مدمّرة على إيران وسوريا، وهي ما تنأى الولايات المتحدة عنه، لأسباب تتعلق أيضاً بأمنها القومي.. والكلام إذاً ينتقل الى مستوى أدنى، لاختبار أداء الديبلوماسية السعودية.
ظهر جلياً أن ما بعد التسوية الكيميائية بين واشنطن وموسكو وتداعياتها على التقارب الأميركي الإيراني، كشف عمق الخلل في السياسة الخارجية السعودية، وتبيّن أنها تعمل وفق رهانات قصيرة الأجل. وبإمكان المراقب أن يحصي تظهيرات الخلل في الأداء السعودي ما بعد التسوية الكيميائية بدأت بصمت الصدمة حيال متغيّر مباغت، فلم يصدر تصريح رسمي يعلّق على ما جرى، وحين استفاقت الخارجية من أعراض الصدمة قدّمت تعليقاً باهتاً خلاصته: أن الأزمة السورية لا تتعلق بالقضية الكيميائية. ثم كرّت سبحة الإرباكات الديبلوماسية: إلغاء كلمة وزير الخارجية سعود الفيصل أمام الجمعية العمومية في الامم المتحدة دون بيان السبب في حينه، وحين صدر توضيح من السفير السعودي في الامم المتحدة جاء مثيراً للسخرية محمّلاً الجمعية المسؤولية لأنها تجاهلت قضية فلسطين، أعقبها إلغاء زيارة الرئيس ميشال سليمان، وكان السبب المعلن هو الوضح الصحي للملك، ومن غرائب الصدف أن الأخير لم يكن بمثل النشاط الذي كان عليه تلك الأيام وهو يستقبل وفود الأمراء والمشايخ والوجهاء في المناطق الأخرى، وثالثاً تأجيل، بنكهة الإلغاء، لزيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني للحج، التي كان من المقرر أن تختتم بلقاء قمة إيرانية ـ سعودية.
في الملف السوري، بدت ظاهرة الانشقاقات في الجماعات المسلّحة وكأنها مدبّرة، بالنظر الى تزامنها مع الحديث عن مؤتمر «جنيف 2». وكان الإعلان عن «جيش الإسلام» برعاية السعودية، والمؤلّف من عناصر وألوية منشقّة عن الجماعات المسلّحة الكبرى: «جبهة النصرة»، «داعش»، «الجيش الحر» وغيرها، أول مؤشر على جنوح سعودي نحو تخريب بيئة الحل المفترضة. وفي الشق السياسي، أظهر حلفاء السعودية في المعارضة السياسية السورية تشدّداً غير مسبوق حيال «جنيف 2». والرسالة واضحة أن رهان السعودية كان ولا يزال هو مع الخيار العسكري، وإن فشله يعني فشل الرهان بأكمله، وهذا ما تريد إبلاغه للحلفاء والخصوم على السواء. ولكن تبقى المشكلة: من هم على استعداد لخوض حرب معلومة النتائج المدمّرة؟
لقد خسرت السعودية محيطاً إقليمياً كان قبل سنوات متصالحاً معها، ولم يبق أمامها سوى دول إما مصنّفة في خانة الخصوم، أو تكاد تنال وصمة الدولة الفاشلة. وبرغم من إطاحتها حكومة مرسي إلا أن مصر الحالية لم تستعد دورها القومي بعد، وفي تكوين الوعي الشعبي لا تبدو السعودية في المفضّلة المصرّية، فالتاريخ القريب من التنافس على مناطق النفوذ التقليدية حيناً والنزاع غير المباشر أحياناً لا يخدم الأهداف المرسومة سعودياً.. فمصر اليوم، كما يقول الرئيس السوري، هي أقرب الى سوريا منها في عهد مبارك ومرسي على السواء.
أما لبنان فهو ليس أولوية، لأن السعودية لا تزال تنظر اليه باعتباره البوابة الخلفية لسوريا، التي إن سقطت أمكن السيطرة عليهما معاً، ولذلك فإن محاولات صقور «14 آذار» لناحية إيصال صرخات الاستغاثة المطرّزة بالعبارات المذهبية (إنقاذ أهل السنّة في لبنان) طمعاً في أن تصل الى الرياض تتوارى على وجه السرعة في دويّ القنابل والصورايخ في الداخل السوري.. بل إن حليفي السعودية اللدودين التركي والقطري أصبحا خصمين لها في الميدان، وما المعارك الضاربة التي اندلعت على بوابات الحدود التركية سوى رأس الجليد النافر في أزمة العلاقة السعودية التركية.
وفي النظرة الإجمالية لخريطة التحالفات الإقليمية، لا تبدو السعودية في وضع مريح، ولا غرابة حين تسقط الجامعة العربية من الحسابات السعودية، لأن المنظمة هذه تظهير أمين للشلل التام الذي أصاب النظام العربي. واللافت أيضاً، أن العقم الذي يعاني منه هذا النظام طال مركز القيادة، فلأول مرة تبدو الأمة بلا رأس، إن صدقاً وإن كذبا.
لا ريب أن الثورة المضادة بقيادة السعودية حقّقت بعض أهدافها، بأن جعلت من الثورات العربية مجرد وقائع محلية غير عابرة للحدود، وعملت إمبراطوريتها الإعلامية على تصوير الربيع العربي على أنه مشروع إخواني، وأعانت أخطاء نظام مرسي في مصر على ترسيخ هذا الهاجس في المناطق الأخرى (تونس بدرجة أساسية). ولكن في المقابل، لم تسلم السعودية من الأعراض الجانبية لثورتها المضادة، وهي أعراض خطيرة أيضاً، كما العلاج الكيميائي، الذي أفقدها المناعة على المستوى القومي، ما ألجأها الى تسوير حدودها، خشية تسرّب السلاح والأفراد الى داخل أراضيها الشاسعة والمعرّضة لأن تشهد في حال تخلخل بنيانها الأمني والسياسي حرباً شعواء سوف تنتهي بتفكك الدولة، بحسب رؤية روبن رايت في «نيويورك تايمز»، أو ساندرا ماكي في «ناشيونال انترست».
وفق هذه المتغيرات الإقليمية، لم تجد الديبلوماسية السعودية بدّاً من عبور المحيطات، بحثاً عن حلفاء في الساحات الاخرى، ولكن حتى هذه الساحات لها مشاكلها، وتحدياتها، وأيضاً رهاناتها. أوروبياً، تقلّصت الخيارات السعودية حتى باتت باريس دون بقية العواصم الأوروبية قبلتها في الشدائد، وفي إيصال الرسائل الى واشنطن، وحتى لندن التي كانت حليفاً استراتيجياً للرياض لم تعد كذلك منذ قرار مجلس العموم رفض المشاركة البريطانية في الحرب على سوريا، وتركت لغيرها قرار السير في حقل الالغام.
العلاقة بين الرياض وباريس، تبدو لمن شاء أن يقرأ التاريخ ليست استراتيجية، حتى وإن جعل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك منها استثناءً مؤقتاً دفع ثمنه من سمعته، بفعل إغداق السعودية ورئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري المال عليه. في النظرة العامة، تبدو باريس أكثر تحرراً من عواصم أوروبية أخرى مركزية، كما يلعب اللوبي الاسرائيلي دوراً كبيراً في توجيه السياسات العامة في فرنسا، وهو ما يهب الرياض قدرة على التنسيق مع باريس. سؤال العلاقة بين الدور الاسرائيلي والتنسيق السعودي الفرنسي أجابت عنه وسائل الاعلام الاسرائيلية، فقد تحدّثت صحيفة «هآرتس» في 29 أيلول الماضي عن تقارب اسرائيلي خليجي ضد ايران، في رد فعل على الانفراج في العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران. وكشفت عن محادثات في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بين ديبلوماسيين إسرائيليين وديبلوماسيين من السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، وعنوان اللقاء كان القلق من التقارب الاميركي الايراني. وكشفت القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي في 2 تشرين الأول الجاري عن سلسلة لقاءات غير علنية جرت في الاسابيع الاخيرة، بين مسؤولين اسرائيليين وآخرين رفيعي المستوى من دول عربية خليجية، لتنسيق الجهود والخطوات ضد ايران. وكانت القناة العاشرة في التلفزيون الاسرائيلي قد أشارت الى حالة الإحباط السائدة لدى «دول الاعتدال في الخليج»، وتحديداً لدى السعودية، من قدرة الإيرانيين على جر واشنطن بما وصفته بالركض خلفهم، من أجل الوصول الى اتفاق وتسوية للخلاف على البرنامج النووي. يضاف الى ذلك ما كشفه إيلي افيدار، رئيس الممثلية الإسرائيلية السابق في قطر، للقناة العاشرة في 3 تشرين الأول الجاري عن اتصالات مع السعودية، وقال إنها ليست المرة الأولى، مشيراً الى ما وصفه «تقاطع المصالح لا يتعلق بالموضوع الإيراني فقط».
مهما يكن، فإن المعطيات المتوافرة حول أداء الديبلوماسية السعودية في الآونة الأخيرة تشي بضياع شبه كامل.. ولأنها لا تملك رؤية استراتيجية لما تريد أن تكون عليه سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، فإنها، في ظل أحاديث عن تسويات كبرى في المنطقة، تجنح لأن تتحوّل الى أداة تعطيل فاعلة، فلا حل في سوريا، وتالياً لا حكومة في لبنان، ولا حل في البحرين، وتالياً لا حكومة منتخبة، ما يعني بقاء رئيس الوزراء خليفة بن سلمان في منصبه، والأهم من ذلك كله توظيف كل إمكانياتها المالية وشبكة علاقاتها الاقليمية والدولية لمنع التقارب الاميركي الايراني.. ولكن حين يأتي موعد الحصاد تبدو الديبلوماسية السعودية في حال بائسة.
فؤاد إبراهيم
باحث وناشط سياسي ــــ السعودية

عن السفير اللبنانية

×
أخبار
باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط