مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

"السوريون الأكراد: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً"

"السوريون الأكراد: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً"

تاريخ النشر: 2025-05-25 | 13:45

\منذُ أنْ خطتْ أقدامُ الكردِ أرضَ الجزيرةِ السوريةِ منذُ ما قبلَ السومريينَ، وهمْ قدْ أسموا "الهوريينَ" الذي يتأتى منه الأكرادُ.. "KURTI"، حيثُ تعني "KUR" الجبلَ و "TI" هو الانتماءُ، أيْ شعبَ الجبلِ أو "الجبليونَ". وحتى يومِنا، ظلَّ هذا المكونُ الأصيلُ جزءاً لا يتجزأُ من فسيفساءِ المجتمعِ السوريِ، رغمَ كلِ المحاولاتِ الراميةِ إلى تهميشِه وتشويهِ تاريخهِ ووجودهِ.

الكردُ، الذينَ يشكلونَ اليومَ بينَ 12% و 15% من سكانِ سوريا، لم يكونوا يوماً ضيوفاً عابرينَ، بلْ أصحابَ جذورٍ ضاربةٍ في أعماقِ التاريخِ، امتدتْ منذُ عهدِ الحمدانيينَ حينَ كانَ سيفَ الدولةِ، الذي أسسَ حكمهُ في حلبَ عامَ 944 م، متزوجاً من ابنةِ أحمدَ بنِ عليٍ الكرديِ، وهو ما يعكسُ تداخلاً ثقافياً واجتماعياً قديماً لا يمكنُ إنكارهُ، كما أنه لا يجبُ أنْ ننسى أنَّ أربعةَ رؤساءَ حكموا سوريةَ هم من أصولٍ كرديةٍ: محمدَ عليٍ العابدِ، حسني الزعيمِ، فوزي سلو، أديبَ الشيشكلي.

لكنْ على الرغمِ من هذا العمقِ التاريخيِ، فقدْ تعرّضَ الكردُ في سوريا لسلسلةٍ طويلةٍ من التمييزِ والإقصاءِ، بلغتْ ذروتها في مشروعِ "الحزامِ العربيِ" الذي انطلقَ عامَ 1962، والذي سعى إلى تغييرِ التركيبةِ الديمغرافيةِ في الجزيرةِ السوريةِ عبرَ سحبِ الجنسيةِ من مئاتِ الآلافِ من الكردِ وحرمانِهم من حقوقِهم الأساسيةِ.

هذه السياساتِ لم تكنْ وليدةً لحظتِها، بلْ جاءتْ امتداداً لعقليةِ الدولةِ التي رأتْ في الأكرادِ تهديداً ينبغي تحجيمُه، تجلى ذلك حتى في ممارساتِ رؤساءِ الجمهوريةِ، كما في حادثةِ عامودا عامَ 1961، حينَ استُقبلَ وفدٌ كرديٌ يطالبُ بإنصافِ المعتقلينَ، ليكتشفَ أنَّ الرئيسَ السوري "ناظم القدسي" كانَ أكثرَ حماساً لإلحاقِ الأذى بالكردِ من غيرِه.

إنَّ معاناةَ الكردِ لم تتوقفْ عندَ التمييزِ السياسيِ، بلْ امتدتْ لتشملَ التدخلاتِ الإقليميةَ والدوليةَ في قضيتِهم. فقدْ شاركَ الجيشُ السوريُ في قمعِ الثورةِ الكرديةِ في العراقَ عامَ 1963، ووقفَ إلى جانبِ تركيا في تهديدِها لسوريا في 1998 لتسليمِ عبدِ اللهِ أوجلان، ما اضطرَّ الرئيسَ السوريَ آنذاك حافظَ الأسدَ إلى الرضوخِ والطلبِ من الزعيمِ الكرديِ الخروجِ من سورية، في مشهدٍ يجسدُ حجمَ الضغطِ التركيِ المستمرِ على الملفِ الكرديِ في سوريا والمنطقةِ.

وإذا كانَ الكردُ قدْ وجدوا أنفسَهم دوماً بينَ مطرقةِ الأنظمةِ وسندانِ الجغرافيا السياسيةِ، فإنَّ واقعَهم المعاصرَ أكثرُ تعقيداً. ففي 2014، أعلنَ حزبُ الاتحادِ الديمقراطيِ الكرديِ PYD تأسيسَ الإدارةِ الذاتيةِ وتقسيمَ المناطقِ الكرديةِ إلى ثلاثِ كانتوناتٍ، في محاولةٍ لبناءِ نموذجِ حكمٍ ذاتيٍ، لكنهُ ظلَّ خاضعاً للضغوطِ الخارجيةِ، سواءً من تركيا التي ترى في الكردِ تهديداً لأمنِها القوميِ وتنفذُ عملياتٍ عسكريةً مثلَ "درعِ الفراتِ" و"غصنِ الزيتونِ" لضربِ الوجودِ الكرديِ، أو من الولاياتِ المتحدةِ التي دعمتْ قواتِ سوريا الديمقراطيةِ "قسد" في حربِها ضدَّ داعشَ، لكنها تركتْ الملفَّ الكرديَّ معلقاً في لعبةِ المصالحِ الإقليميةِ والدوليةِ، كما فعلتْ في عفرينَ عندما منعتْ روسيا النظامَ السوريَ من دعمِ الكردِ هناك ضدَّ الهجومِ التركيِ، مما أدى إلى كارثةٍ إنسانيةٍ وسيطرةٍ تركيةٍ.

وعلى الرغمِ من هذه التحدياتِ، يظلُّ الكردُ في سوريا مكوناً أصيلاً، يحملُ ثقافةً غنيةً، ولغةً عريقةً، وتراثاً موسيقياً وأدبياً وشعرياً أغنى به المشرقَ، وهمْ كغيرِهم من مكوناتِ المجتمعِ السوريِ، تربطُهم علاقاتٌ تاريخيةٌ مع العربِ والسريانِ والآشوريينَ والأرمنِ والدروزِ والإيزيديينَ وغيرِهم.
وكما كتبَ بعضُ المفكرينَ العربِ، فإنَّ الكردَ ليسوا وافدينَ أو غرباءَ، بلْ هم سكانٌ أصيلون في هذه الأرضِ، يشهدُ على ذلك تداخلُهم مع العربِ منذ عصورٍ طويلةٍ، وتاريخُهم المشتركُ في مواجهةِ الغزواتِ والصراعاتِ.

غيرَ أنَّ الخطابَ السياسيَّ الكرديَّ نفسهُ لم يكنْ دوماً بعيداً عن الإشكالياتِ، إذْ شهدَ انقساماتٍ حادةً بين التياراتِ والقياداتِ، وأحياناً ممارساتٍ سلطويةً تجاه المختلفينَ في الرأي داخلَ المناطقِ التي يديرونها، أو طفوليةَ المكاتبِ السياسيةِ لمجلسهم ولبعضِ الأحزابِ في مدنٍ مثلَ حلبَ وغيرها، التي لم تَرتقِ إلى مستوى معاناةِ الأكرادِ عبر التاريخِ الحديثِ أو هي أقلُ من مستوى الأحداثِ، كلُّ هذا ساهمَ في إضعافِ الصفِّ الكرديِّ أمامَ التحدياتِ الكبرى.

إنَّ الحديثَ عن الكردِ في سوريا لا يكتملْ من دونِ الإشارةِ إلى التراجيديا التي تجسدتْ في صورةِ الطفلِ "إيلان" الكرديِّ، ذو الثلاث سنوات، والذي وجدهُ العالمُ في 2 أيلول 2015، جثةً على شاطئِ بودرومَ التركية، لتكونَ رمزاً لمأساةِ شعبٍ يبحثُ عن مكانٍ آمنٍ وكرامةٍ مهدورةٍ.

ورغم كلِّ ذلك، فإنَّ الأملَ يبقى قائماً في أن تعودَ سوريا وطناً جامعاً لكلِّ مكوناتها، بما فيها الكردُ، على قاعدةِ المواطنةِ الكاملةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ، بعيداً عن الإقصاءِ والعنصريةِ، ومبنيةً على الاعترافِ المتبادلِ بالتنوعِ الذي شكلَ روحَ هذه الأرضِ عبر العصورِ.
إنَّ الكردَ ليسوا أقليةً عابرةً، بلْ ركنٌ أصيلٌ من أركانِ المجتمعِ السوريِّ، ومساهمٌ رئيسيٌّ في بناءِ حضارتِه وثقافتِه وتاريخِه.

اللهمَّ اشهدْ أني بلّغتُ.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط