مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

السلطة الفلسطينية و"إعادة الانتشار" في قطاع غزة

السلطة الفلسطينية و"إعادة الانتشار" في قطاع غزة

تاريخ النشر: 2017-08-11 | 08:35

مرت أشهر ثقيلة على أبناء قطاع غزة، منذ أقدمت حكومة الوفاق الوطني، برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، على إجراءاتها «العقابية» بحق موظفي قطاع غزة؛ من خصم للرواتب وإحالات للتقاعد المُبكر «الإجباري»، وغيرها من الإجراءات، التي تستهدف -حسب ما هو مُعلن- الضغط على حركة حماس لحل اللجنة الإدارية. ورغم الوساطات والمبادرات العديدة التي طُرحت على الساحة، فإن الطرفان مازالا مُصران على استكمال جولات التحدي، والاستمرار في هذه «اللعبة الصفرية»، على حساب الوطن والمواطن.

إن المأساة التي يعيشها قطاع غزة لا تُنذر إلا بكوارث وطنية (سياسية وإنسانية)، لا تقل في وحشيتها وخطورتها عن تلك المآسي التي عاشها أبناء غزة خلال الحروب الإسرائيلية المتكررة على القطاع، بل والتي عاشها شعبنا الفلسطيني خلال النكبة وفي أعقابها. إن الحالة المزرية التي وصل لها أهل غزة وكادرها الوطني، نتيجة لتلك الإجراءات التعسفية، ستؤدي بالضرورة لحالة من الاغتراب داخل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة؛ ذلك أن آلاف الشباب المناضلين، الذين أفنوا جزءاً كبيراً من حياتهم في دروب النضال ضد الاحتلال، ودفعوا الغالي والنفيس من أجل المشروع الوطني، وساهموا بشكلٍ فعال في بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، لم يخطر ببالهم يوماً أنهم سيُعاملون بمثل هذه المعاملة الرديئة في نهاية خدمتهم، أو أنهم سيُحالون للتقاعد المُبكر «الإجباري»، ويتم التخلص منهم على طريقة الإنجليز في التعامل مع خيولهم، دون أدنى رحمة!

إن الحكومة، إيٍ كان شكلها أو مصدر شرعيتها، عليها أن تفي بالتزاماتها تجاه شعبها فضلاً عن مُستخدَميها (الموظفين)، والحكومة – أي حكومة- التي لا تقدر على/ ولا ترغب في حماية حقوق أبنائها، لا يمكن وصفها إلّا بالحكومة الفاشلة، والمعدومة الضمير. وإذا كان الدستور الفلسطيني (القانون الأساسي) قد كفل المساواة بين المواطنين، فكيف تسمح الحكومة لنفسها بمخالفة الدستور؟ فهل سمعتم عن حكومة في بلدٍ ما، في العصر الحديث، تتعامل مع مواطنيها بقوانين مُزدوجة، وتُميّز بينهم على أساس «الجغرافيا»؟ بحيث يُصبح الفلسطيني المُقيم في محافظة جنين أو سلفيت أو بيت لحم – مثلاً- أفضل، في نظر الحكومة الفلسطينية، من المواطن الذي يُقيم في خانيونس أو جباليا أو رفح!

إن ازدواجية التعامل لا تُعبِّر إلّا عن نظرة أنانية، تتعامل بفوقيّة وساديّة تجاه مواطني قطاع غزة، والنظر إليهم باعتبارهم فائض بشري، أو حمولة زائدة ينبغي التخلص منها! وللأسف فإن هكذا نمط من التعامل سيعمّق الإحساس بالتمييز والعنصرية، وسيولّد ردة فعل عكسية لدى أبناء غزة، حتى وإن منع الحياء خروجها للعلن؛ الأمر الذي من شأنه إضعاف أواصر الوحدة الوطنية، وتفتيت النسق المجتمعي التكافلي، الذي ميَّز الشعب الفلسطيني على مدى عقود طويلة من الاحتلال. هذا على الجانب القانوني والإنساني والاجتماعي.

وأما عن الآثار والتداعيات السياسية الناتجة عن تلك الإجراءات فهي أكثر خطورة، بل وكارثية. فالأمر لا يقتصر على وقف تمويل كهرباء قطاع غزة، ونفقات العلاج بالخارج، والخصم من رواتب الموظفين وإحالتهم للتقاعد المبكر «الإجباري»، بل يتجاوز تلك الآثار. ويرى البعض أن من حق السلطة أن تقطع المساعدات، وتمنع تدفق الأموال، أو حسب وصف قيادة السلطة بأنها لن تستمر في «تمويل الانقلاب». ونحن إذ نحترم هذا الرأي ونقدره فلنا أن نتساءل: ما هو السر وراء هذه الصحوة المُتأخرة؟ ولماذا استيقظت السلطة الآن فقط شاهرةً سيوفها، لتدافع عن شرعيتها وسيادتها المُختطفة في قطاع غزة؟ أولم يمضي على الانقلاب أكثر من عشر سنوات عجاف، تخللها عشرات اللقاءات والحوارات، ونتج عنها عدة تفاهمات واتفاقيات؟ ما السر إذن وراء كل هذا الإصرار على تنفيذ تلك الخطوات بلا هوادة؟

إن الإجراءات التي تقوم بها الحكومة الفلسطينية، والتي تتزامن مع محاولات لخطف قطاع غزة وإنشاء «كيان» إداري – اقتصاد - سياسي ما، تُعطي مُؤشرات واضحة على أننا في الشوط الأخير من مسلسل فصل قطاع غزة؛ ذلك المسلسل الذي بدأت أولى حلاقاته مع الانسحاب الإسرائيلي أُحادي الجانب من قطاع غزة (خطة شارون، صيف 2005)، وجاء الانقسام الفلسطيني، في صيف 2007، ليكرس واقع سياسي وجغرافي وإداري جديد في قطاع غزة. وأما الحلقة الأخيرة فهي ما نشهده هذه الأيام من خطوات مُتلاحقة تتخذها السلطة تجاه غزة، للتنصل من المسؤوليات المُناطة بها، في ذات الوقت الذي يخرج فيه للعلن اتفاق دحلان – حماس حول شراكة (سياسية) من نوع خاص، لإدارة قطاع غزة.

وفي رأيي، أن ما تقوم به الحكومة الفلسطينية من إجراءات ما هي في الواقع إلّا عملية «إعادة انتشار»، أو «إعادة تموضع» لها في قطاع غزة؛ فهي تنسحب وتتحلل تدريجياً من مسؤولياتها الإدارية والقانونية تجاه قطاع غزة، وتتخلص «طواعيةً» من الملفات/الأعباء المُتعلقة بغزة، وتُدير ظهرها للقطاع. الأمر الذي يُفضي في التحليل الأخير إلى أن هنالك اتفاق ما لتسليم قطاع غزة، وكل الشواهد تشي بوجود «مؤامرة» واضحة لسلخ قطاع غزة نهائياً عن سياقه الوطني! مما سيؤدي لنتائج كارثية ليس على قطاع غزة فحسب، بل وعلى مُجمل المشروع الوطني الفلسطيني.

وخلاصة القول، إن الإجراءات التي تتخذها السلطة الفلسطينية تجاه غزة هي بمثابة «تسليم واستلام» للصلاحيات، أو بعبارة أخرى «فك ارتباط» إداري وقانوني مع قطاع غزة، تمهيداً للوضع القادم، وهناك بالطبع من يتلهف لاستلام زمام الأمور في القطاع؛ وبالتالي سوف تُحدد تلك الإجراءات مستقبل المسار السياسي لقطاع غزة. وعليه، فإن مستقبل قطاع غزة السياسي أصبح أمام سيناريو واحد محتوم، وهو: الانتقال من مرحلة الانقسام إلى مرحلة الانفصال! أو ما أُطلق عليه «صفقة القرن» أو «خطة القرن». لذلك، فإننا نعيش اليوم أكثر المراحل حرجاً، بل الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية.

لكن في الأخير، يظل الرهان على نضج الحركة الوطنية الفلسطينية، لإصلاح العُطب الذي أصاب الوعي السياسي الفلسطيني، واستلهام سرديّة الكفاح الفلسطيني في قطاع غزة، والاستفاقة لكبح وإحباط وإفشال كل هذه المُخططات، كما أفشلت كل المشاريع التصفويّة من قبل. وهي مدعوة اليوم لتولي القيادة، والنهوض بمسؤولياتها الوطنية للدفاع عن مستقبل قطاع غزة ليس في لقمة عيش أبنائه فقط، بل ليظل القطاع جزء من وطن واحد وموحد، فلا دولة في غزة، ولا دولة بدون غزة. وهذا يعتمد على مدى استعداد التنظيمات والفصائل، والنُخب السياسية الفلسطينية، للتعاطي بجدية مع هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها القضية الفلسطينية.

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط