مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

السلامة النفسية والاجتماعية محور السلامة المهنية في عالم العمل

السلامة النفسية والاجتماعية محور السلامة المهنية في عالم العمل

تاريخ النشر: 2026-07-04 | 10:58

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
في عالم العمل المعاصر، لم يعد يُنظر إلى الإنتاجية على أنها مجرد ساعات يقضيها العامل خلف مكتبه أو أمام خط الإنتاج. فقد أثبتت الدراسات الإدارية والنفسية والاجتماعية الحديثة أن الإنسان هو هدف وأداة عملية التنمية ومحورها الأساسي، وأن صحته المتزنة — بنفسها، وجسدها، وعلاقاتها — هي الوقود الحقيقي للإبداع، والاستمرارية، والتطوير، والازدهار. وبناءً على ذلك، تحولت "السلامة النفسية والاجتماعية" من رفاهية مؤسسية إلى ضرورة استراتيجية تضمن تناغم قدرة العامل على الإنتاج مع استقراره الداخلي، وهو ما يجب منحه الأولوية والاهتمام كحجر أساس في العملية الإنتاجية. والحقيقة الإدارية والتشريعية التي يجب إدراكها اليوم هي أن السلامة النفسية والاجتماعية ما هي إلا امتداد أصيل لا يتجزأ من منظومة السلامة والصحة المهنية (OSH) في بيئات العمل، بل هي حجر الأساس فيها. فهما وجهان لعملة واحدة؛ إذ لا يمكن الفصل بين حماية جسد العامل من المخاطر الفيزيائية، وحماية عقله وروحه من المخاطر النفسية والاجتماعية. ورغم تداخل هذين الجانبين في تحقيق مصلحة العامل، إلا أن لكل منهما خصوصيته الفريدة في نوعية التدخلات، والأدوات، والكوادر المؤهلة للتشخيص والعلاج. وهذا يتطلب تدخلاً متوازناً من المؤسسات دون الانحياز لجانب على حساب الآخر؛ فسلامة العمال أولوية بكل جوانبها، وسنركز في هذا المقال على تأصيل مفهوم "السلامة النفسية والاجتماعية" في بيئة العمل. أولاً: مفهوم السلامة النفسية والاجتماعية وأبعادها: يجسد هذا المفهوم الموحد حالة من التعافي المتكامل التي تربط العامل ببيئته المهنية والاجتماعية، ويمكن تفكيكه إلى مستويين متكاملين: • البُعد النفسي (الأمان الفردي): ويتمثل في شعور الأفراد بالأمان في بيئتهم اليومية، بحيث يمكنهم التعبير عن آرائهم وأفكارهم بحرية، وتحمل المخاطر المهنية المحسوبة دون خوف من الانتقاد، أو الإحراج، أو العواقب السلبية. وهي الحالة التي تمكّن العامل من إدراك قدراته، والتعامل المرن مع ضغوط العمل والحياة، والإنتاج بشكل مثمر في بيئة تخلو من المخاطر النفسية (مثل: التنمر، والتمييز، والاحتراق الوظيفي). • البُعد الاجتماعي (العلاقات والبيئة المحيطة): فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكن فصل مشاعره داخل العمل عن شبكة علاقاته وتفاعلاته، ويتجلى هذا الاستقرار في مستويين: 1. البيئة الاجتماعية الداخلية: جودة العلاقات بين الزملاء، والروابط القائمة على الاحترام المتبادل، والتعاون والمساندة بين الرؤساء والمرؤوسين؛ حيث يسهم تجنب الصراعات في خلق مناخ عمالي آمن. 2. البيئة الاجتماعية الخارجية: استقرار العامل الأسري، وشعوره بالأمان الاجتماعي والاقتصادي تجاه عائلته عبر ضمان الحقوق العادلة مثل الأجور والتأمين الصحي. معادلة التوازن: كيف يقود الاستقرار الاجتماعي إلى السلامة النفسية؟ إن الربط بين الجانبين وثيق وحتمي؛ فعندما تحيط بالعامل بيئة اجتماعية مستقرة وداعمة داخل العمل وخارجه، ينعكس ذلك فوراً على سلامته النفسية في صورة انخفاض لمستويات القلق والتوتر، وارتفاع في تقدير الذات والثقة بالنفس. هذا التضافر ينتج توازناً ديناميكياً يمنح العامل المرونة النفسية لامتصاص الأزمات والفصل الإيجابي بين ضغوط الحياة ومتطلبات المهنة دون أن ينكسر أو يتراجع أداؤه. والاستقرار الاجتماعي هو الحاضنة التي تنمو فيها السلامة النفسية، ومن تلاحمهما يولد العامل المتوازن والمبدع. ثانياً: معايير السلامة النفسية والاجتماعية كمكمل للصحة المهنية: لكي تتكامل منظومة السلامة المهنية الشاملة، يجب أن تتوفر في بيئة العمل معايير نفسية واجتماعية واضحة، تُقاس وتُراقب تماماً كما تُقاس مخاطر الآلات، ومن أبرزها: • الأمان النفسي: البيئة التي يشعر فيها الموظف بالقدرة على التعبير عن رأيه، وطرح أفكاره الإبداعية، دون خوف من العقاب أو التهميش. • التوازن بين العمل والحياة الشخصية: صياغة سياسات مرنة تحترم وقت العامل خارج المؤسسة وتمنع استنزافه، مما يقي من حدوث "الاحتراق الوظيفي". • العدالة والشفافية: وضوح معايير التقييم، والأجور، والترقية؛ حيث إن غياب العدالة يعد من أبرز مسببات الإحباط والتوتر الاجتماعي. • الدعم الاجتماعي والتواصل الفعّال: تشجيع ثقافة العمل الجماعي الإيجابي، وبناء قنوات تواصل مفتوحة وأفقية بدلاً من العلاقات العمودية الجامدة. ثالثاً: واقع عمال قطاع غزة.. ألف يوم من الصدمات والنزوح المركب لا يمكن الحديث عن السلامة النفسية والاجتماعية في بيئة العمل العربية دون التوقف إجلالاً وتفكيكاً لواقع العامل الفلسطيني. ففي قطاع غزة، تهاوت وسقطت كل النظريات الإدارية التقليدية أمام واقع مرير يعيشه العمال والموظفون منذ ما يزيد عن ألف يوم من الحرب المستمرة، والصدمات المركبة، والنزوح المتكرر، والفقد الكلي للأحبة، والبيوت، ومنشآت العمل، ووسائل كسب العيش. تتجلى الخصوصية النفسية والاجتماعية لبيئة العمل في غزة بعد هذه الألف يوم عبر ثلاثة مستويات قاسية: 1. التهجير والنزوح وتفتيت الحاضنة الاجتماعية: على مدار ألف يوم، اضطر العامل في غزة للنزوح مرات ومرات متنقلاً من خيمة إلى أخرى. إن دمار المنازل والمنشآت الاقتصادية والورش يعني أن العامل لم يفقد وظيفته ومصدر رزقه فحسب، بل تشتتت عائلته وحاضنته الاجتماعية بالكامل، ليتحول من معيل منتج إلى باحث مثقل بمتطلبات البقاء الأساسية في طوابير المساعدات. 2. متلازمة الصدمة المستمرة: تجاوز العامل في غزة مفهوم "اضطراب ما بعد الصدمة"؛ فالصدمة هنا لم تنتهِ بعد لتبدأ عملية التعافي، بل هي متصلة وتتراكم يوماً بعد يوم على مدار ألف يوم كاملة. إن الخوف، والترقب الحياتي اليومي، وأخبار الفقدان المتكررة للزملاء والأقارب، استنزفت الجهاز العصبي والنفسي للعمال، ودمرت أي أساس للاستقرار الداخلي. 3. تداخل الهم الشخصي بالمهني (الضحية والمُسعف في آن واحد): فالطبيب والممرض في المستشفى الميداني، والصحفي في الميدان، وعامل الإغاثة، والمهندس؛ كلهم ضحايا لآلة الدمار والنزوح، ومع ذلك يقع على عاتقهم واجب الاستمرار في العمل. يضطر هؤلاء لتقديم الخدمات الإنسانية الشاقة وهم مثقلون بمشاعر الفقد لبيوتهم وأسرهم، مما يجعل التوازن النفسي والاجتماعي لديهم معجزة حقيقية يصنعها الصمود اليومي. رابعاً: دور الأخصائي النفسي الاجتماعي وأهمية وجوده في بيئة العمل: إذا كانت السلامة الجسدية تتطلب وجود مشرف سلامة وصحة مهنية لمراقبة الآلات والمخاطر الفيزيائية، فإن السلامة النفسية والاجتماعية تتطلب خبيراً موازياً يمكن تسميته "الأخصائي النفسي الاجتماعي العمالي"، وفي البيئات المنكوبة كقطاع غزة، يتحول دور هذا الأخصائي إلى مهمة إنقاذ وطوارئ لإعادة بناء توازن العامل وصيانة ما تبقى من إنسانيته وقدرته على العطاء، ويتلخص دوره في: • المرشد والموجه (الدور الوقائي والعلاجي): التعامل مع الضغوط الحياتية التي تؤثر مباشرة على تركيز العمال. وفي غزة، يتسع هذا الدور ليشمل "الإسعاف النفسي الأولي" للتعامل الفوري مع حالات الانهيار والفقد المفاجئ أثناء ساعات العمل. • المراقب والمشخص للبيئة النفسية والاجتماعية: إجراء مسح دوري للمناخ النفسي داخل المؤسسة، وخلق مساحات آمنة ومجموعات دعم ومشاركة يتبادل فيها العمال تجارب النزوح والفقد، لتخفيف وطأة العزلة وإعادة بناء نسيج الدعم المشترك. • معزز الانتماء ومُعيد صناعة الأمل: مساعدة العمال على استعادة توازنهم تدريجياً، والنظر إلى عملهم (خاصة الإنساني والخدمي منه) باعتباره شكلاً من أشكال الصمود والتحدي وإعادة الإعمار. خامساً: أطراف الإنتاج الثلاثة وتطوير البنية المؤسساتية والتشريعية: لتتحول السلامة النفسية والاجتماعية من تنظير إلى واقع ملموس يحمي عمالنا ويحقق توازنهم، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير التشريعات والأنظمة، وتحديث بنية أطراف الإنتاج الثلاثة، ورفدها بمختصين مؤهلين وفق رؤية وطنية متكاملة؛ لذا فالمطلوب هو التالي: 1. وزارة العمل (المشرّع والمراقب): يتطلع المجتمع العمالي والخبراء إلى قيام وزارة العمل بتحديث قوانين وتشريعات السلامة والصحة المهنية لتتضمن بنوداً صريحة تلزم المنشآت بمعايير السلامة النفسية والاجتماعية، وتوفير "مفتشي عمل" متخصصين في تقييم هذه المخاطر النوعية داخل المنشآت. 2. الاتحادات والنقابات العمالية: كجهات لحماية الحقوق والدفاع عنها، يجب أن تتبنى قضايا السلامة النفسية والاجتماعية كحق أساسي للعامل لا يقل أهمية عن الأجر والإجازات. إن تطوير بنية الاتحادات لتضم دوائر أو وحدات متمتخصصة بالدعم النفسي والاجتماعي سيمكنها من تقديم الاستشارات للعمال، وحمايتهم من الاحتراق الوظيفي، وتوعيتهم بآليات تحقيق التوازن. 3. منظمات أرباب العمل والغرف التجارية: كمستثمرين، من واجبهم الإيمان والاستيعاب بأن رعاية الاستقرار الاجتماعي والنفسي للعمال هي "استثمار ذكي" يقلل من نسب غياب الموظفين ويرفع جودة الإنتاج. ومن هنا، يقع على عاتقها تدريب الإدارات التنفيذية ورفد أقسام الموارد البشرية بأخصائيين نفسيين واجتماعيين قادرين على إدارة الأزمات وصناعة التوازن. خلاصة القول: إن السلامة النفسية والاجتماعية ليست ترفاً، بل هي الركيزة المكملة والمحور الحقيقي لمنظومة الصحة المهنية التي تحمي الإنسان كلياً وتضمن توازنه واستقراره. وفي فلسطين وغزة تحديداً، بعد انقضاء أكثر من ألف يوم على هذه المعاناة الإنسانية والمهنية غير المسبوقة، فإن مأسسة هذا الدور وتطوير بنية وزارة العمل والاتحادات ومنظمات أرباب العمل لتشمل مختصين نفسيين واجتماعيين، يعد خط الدفاع الأول والأهم لصيانة صمود العامل وحماية روحه وعلاقاته من الانكسار المطلق، تمهيداً للنهوض من وسط الركام وبناء الغد بكفاءة وثبات وثقة.
×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط