مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

السؤال القديم الجديد: ما العمل؟

السؤال القديم الجديد: ما العمل؟

تاريخ النشر: 2018-09-04 | 14:44

يدلّ القرار الأميركي بوقف الدعم عن وكالة الغوث (الأونروا)، ومواصلة المطالبة بحلها وتغيير تعريف اللاجئ؛ على أن "صفقة ترامب" لم تمت كما صرح رئيسي حركتي فتح وحماس لأسباب فئوية لكليهما، رغم الرفض الفلسطيني لها، وهي جاري تطبيقها على أرض الواقع بشكل متسارع، على أمل أن يوافق الفلسطينيون عليها لاحقًا، أو يتعايشون معها على أساس عدم وجود بديل عنها، أو يتشرذمون أكثر بحيث لا يعد لموقفهم منها قيمة.

لا غرابة في هذا القول، لأن استمرار الانقسام والتقدم بشكل حثيث على طريق تحوله إلى انفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة يُعبّد الطريق أمام هذه الصفقة المسمومة، كما يظهر في تعثر الجهود المصرية لتحقيق المصالحة، فهناك حالة من التجاذب بين من يريد المصالحة أولًا كمدخل للتهدئة، وبين من يريد التهدئة أولًا.

المشكلة أن التهدئة الانفرادية أولًا فخ إسرائيلي، ومن شأنها أن تقطع الطريق على المصالحة وتفتح الطريق على كارثة أكبر،  فالرئيس محمود عباس يريد تمكين حكومته بالكامل، وهذا يعني استسلام "حماس"، وهذا لن يحدث. كما يهدد في حال توصل "حماس" إلى تهدئة منفردة بفرض عقوبات شاملة على قطاع غزة تصل إلى وقف كامل لعلاقة السلطة بالقطاع، وهذا يعني أننا ذاهبون إلى الكارثة.

إن وقف علاقة السلطة بالقطاع بالكامل - إن حصل - سيسبب كارثة أكبر من الانقسام نفسه، ولن تطال آثارها القطاع وحده، وإنما ستشمل الضفة والفلسطينيين أينما كانوا. فوقف عمل البنوك في غزة، مثلًا، سيُحدث زلزالًا اقتصاديًا للبنوك ستطال ارتداداته الاقتصاد الفلسطيني برمته.

السؤال القديم الجديد الذي يطرح نفسه: ما العمل؟

هناك حالة من التحريض المتبادل وتبادل الاتهامات بحيث يشيطن كل طرف الطرف الآخر، مترافقة مع حالة من التوهان المتفاقمة من دون أن يوضح كل طرف ما رؤيته، وما خطته، وماذا يعد لليوم التالي ولمواجهة الأخطار المتعاظمة؟

فبدلًا من التفكير في كيفية مواجهة "صفقة ترامب" وقرارات الإدارة الأميركية بتصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها، وإعطاء الأولوية لإحباط "قانون القومية" ورأس حربته استكمال تهويد الضفة وأسرلتها والاستعداد لفرض السيادة الإسرائيلية عليها، وبدلًا من إلغاء الإجراءات العقابية الذي من شأنه أن يوقف المفاوضات للتوصل إلى تهدئة منفردة؛ هناك استعدادات لإعلان قطاع غزة إقليمًا متمردًا، وقطع الصِّلة معه، وإعلان الحرب عليه.

وهناك أفكار، في المقابل، بالذهاب إلى حرب جديدة إذا لم تحصل التهدئة، لأن حصولها وفق بعض التحليلات ليس ناضجًا بعد، وبحاجة إلى حرب تحريك، أو لإعلان قيام "دولة غزة"، وكأن المسألة متوقفة على الإعلان الفلسطيني!

ألا يشبه حالنا أهل بيزنطة الذين انشغلوا بالخلاف على جنس الملائكة، وعلى هل يدخل الفيل من خرم الإبرة أم لا، بينما الأعداء على أبواب مدينتهم يستعدون لاقتحامها والقضاء عليهم.

قلنا مليون مرة ولن نكف عن القول إن الضفة والقطاع جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة (التي هي جزء من فلسطين التاريخية)، ويتعامل القانون الدولي والشرعية الدولية مع هذا الجزء كأراضٍ محتلة يجب إنهاء احتلالها، وأنّ إعادة انتشار القوات المحتلة من قطاع غزة لم تجعله أرضًا محررة، وإنما أخذ الاحتلال للقطاع شكل الحصار والعدوان.

لذلك، فإن القانون الدولي يعتبر أن القطاع محتلًا، لأن الدولة المحتلة لأي جزء تبقى محتلة إذا مارست أي نوع من أنواع التأثير على الأرض التي تحتلها، فكيف الأمر وإسرائيل تُمارس كل أنواع التأثير على القطاع.

صحيح أن المقاومة والخطر الديمغرافي من الأسباب التي أدت إلى إعادة انتشار قوات الاحتلال في قطاع غزة، إلا أن العامل الأكثر أهمية الذي أدى إلى ذلك أن أرئيل شارون أراد التراجع خطوة إلى الوراء في القطاع من أجل التقدم عشر خطوات إلى الأمام في الضفة، وقطع الطريق على قيام الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وتوفير البيئة المناسبة لحصول الفوضى والانقسام الفلسطيني.

إن الوضع الخاص الذي يعيشه القطاع بعد إعادة انتشار القوات المحتلة يجب أخذه بالحسبان عند اتخاذ السياسات والإجراءات، فما ينطبق على الضفة المحتلة مباشرة والمستهدفة بالضم والحصار والاستيطان يختلف عمّا يعيشه القطاع من حرية حركة نسبية لشعبنا داخله، لدرجة وصلت إلى حد تشكيل أجنحة مسلحة تملك الصواريخ والقدرات المتنوعة التي جعلت إقدام إسرائيل على الاحتلال المباشر للقطاع عملية مكلفة وليست نزهة سهلة على الإطلاق.

الاعتراف بالوضع الخاص للقطاع شيء واعتباره محررًا وتوهم إمكانية قيام دولة فلسطينية فيه شيء آخر مختلف جدًا. فأي خطأ بالتقدير نحو المبالغة أو النقصان سيكون مكلفًا جدًا، إلا إذا كان من يطرح الدولة في القطاع يدرك أنها ليست دولة فعلًا وأنها ستكون ضمن مقايضة يتم فيها التضحية بالضفة.

حتى لو تخلى القطاع عن الضفة (وهذا لن يحدث لأنه خزان الوطنية الفلسطينية)، كما يلمح البعض بحجة أن الضفة تحت بساطير الاحتلال والاستيطان، وحتى لو اعترفت "حماس" بإسرائيل وأوقفت المقاومة (ونأمل ألا يحدث ذلك، خاصة بعدما رأت مصير الذين اعترفوا وبدأوا يتحدثون عن سحب الاعتراف)؛ لن تسمح إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة لها جيش وسيطرة على المياه والحدود والأجواء، لسبب بسيط أن من الثوابت التي أقرت مراكز الأبحاث الإسرائيلية بوجودها لدى إسرائيل عدم السماح بقيام دولة فلسطينية (لا في الضفة والقطاع ولا في الضفة ولا في القطاع)، لأن إسرائيل ترى أن اعتراف العرب بها، الذي حدث ويمكن أن يحدث، ناتج عن ضعفهم وليس عن قناعة ولا عن إقرارهم واعترافهم بشرعية وجود إسرائيل، وبالتالي ما أن يشعروا بالقوة فسرعان ما ينقلبوا على اعترافهم ويذهبوا إلى الحرب، لذا تحرص إسرائيل على إبقائهم ضعفاء منقسمين ومشرذمين، وعلينا واجب ألا نمكنها من ذلك، لا صب المياه في طاحونتها.

الدليل على ما سبق أن التنازلات الجسيمة التي قدمتها القيادة الفلسطينية منذ أوسلو والاستمرار بالالتزام بها، كما يظهر باستمرار الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والتباهي باستمرار التنسيق الأمني وتعميقه في الوقت الذي صدرت فيه قرارات عن المؤسسات الفلسطينية بوقفه، والاستعداد لدولة كونفدرالية ثلاثية، وإقامة دولة منزوعة السلاح كليًا، كما قال الرئيس في لقائه مع "حركة السلام الآن" مؤخرًا، رغم تجاوز الحكومات المتعاقبة للالتزامات الإسرائيلية في أوسلو؛ لم تشفع لها، فتم اغتيال الشهيد ياسر عرفات، وجعل السلطة بلا سلطة، وفتحت شهية إسرائيل لضم المزيد من الأراضي، والحصول على تنازلات فلسطينية جديدة.

تريد إسرائيل ابتلاع الضفة أو معظمها وترك ما تبقى في معازل آهلة منفصلة عن بعضها البعض، ورمي القطاع في حضن مصر، وإبقاءه تحت الحصار، بين الموت والحياة، حتى يثور الناس على حكم "حماس" (كما طالب أفيغدور ليبرمان، وزير الحرب)، أو ليتكفل به الجيش الإسرائيلي مثلما يفعل بالضفة (كما طالب نيفتالي بينت، رئيس البيت اليهودي، وزير التعليم).

المطلوب إعادة التمسك بوحدة القضية والأرض والشعب التي أضاعها أوسلو، وتصرف كل فصيل على أنه فصيل فلسطيني وليس ممثلًا للبقعة الجغرافية الفلسطينية التي يسيطر عليها، وليس استمرار التعلق بركام أوسلو، أو تنفيذ "أوسلو جديد"، بما يؤدي إلى خدمة المخططات الإسرائيلية بإبقاء الانقسام وتعميقه بإعلان القطاع إقليمًا متمردًا، أو البحث عن خلاصه بمعزل عن الضفة والقضية.

يكمن الجواب عن سؤال "ما العمل؟" في وقف التدهور، وإلغاء العقوبات على قطاع غزة فورًا، ووقف المفاوضات للتوصل إلى تهدئة منفردة، والأخذ بحل الرزمة الشاملة التي تطبق بالتزامن والتوازي ويخرج منها الجميع منتصرًا، والأهم تخرج منها القضية منتصرة.

الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة ذات السيادة تقوم على جزء أو أجزاء عندما يتم تحرير هذا الجزء فعلًا وليس الوهم بتحريره، وهذا هدف قابل للتحقيق، ولكنه بحاجة إلى نضال جاد ومديد لتغيير الواقع الحالي وموازين القوى وليس اعتبار أنها تغيرت، ما يؤدي إلى حسابات خاطئة لن يدفع ثمنها أصحابها فقط، وإنما الكل الفلسطيني.

لقد دفعنا غاليًا ثمن شعار "الدولة في اليد" و"على مرمى حجر" أو "يمكن تحقيقها بالتفاوض"، ولا نريد أن نكرر الخطأ في ظروف أسوأ بكثير.

الممكن الآن إبقاء القضية حية والحفاظ على تواجد الشعب على أرض وطنه، وتعزيز عوامل صموده، وإحباط مخططات التصفية للقضية، وترتيب البيت الفلسطيني عبر تحقيق وحدة تعددية على أساس شراكة كاملة.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط