مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الحرب على إيران واحتمالات الصفقة الوظيفية

الحرب على إيران واحتمالات الصفقة الوظيفية

تاريخ النشر: 2026-04-28 | 14:49

▪️حين تتحول التوقعات إلى مسلّمات
ليس من المبالغة القول: إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد الهدنة الممنوحة لإيران، دون سقف زمني واضح، جاء نتيجة تضافر عوامل اقتصادية وجيوسياسية ضاغطة على النظام الدولي عمومًا، وعلى الداخل الأمريكي خصوصًا. وهي العوامل التي أحسنت طهران توظيفها، لترجّح كفة الإعلانات المتتالية عن الهدن والتمديدات، لا للوصول إلى حل دائم وشامل، وإنما لجر الخصوم إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

ما يؤكد أن منهج الاستنتاجات الحاسمة، كما الاستنتاج القائل بأن المنطقة مقبلة على الانفجار، وبأن الجغرافيا لا يرسمها ويحددها إلا الميدان، هو منهج بحاجة لإعادة النظر، من حيث هو انزلاق في شرك "الهندسة الإدراكية" التي تُعيد تشكيل الوعي العربي، إما لتعطيله أو لتشويشه في الحد الأدنى.

ذلك لأن هذا التصور بكل ما يحمله من وجاهة، يختزل لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ويتجاهل أدوار اللاعبين المنخرطين في خضم الصراع وطبيعة التوازنات التي تحكمه.

فالمشهد لا يتحرك بالضرورة وفق خط مستقيم يقود إلى نتائج نهائية، وإنما ضمن شبكة متداخلة من المصالح، حيث تتجاور احتمالات الحرب مع آليات احتوائها، ويتقاطع منطق القوة مع حسابات إدارتها. ويمكن فهم ذلك عبر سبع محددات أساسية:

▪️أولًا: وهم الحتمية… وتعدد المسارات

إن القول بحتمية الحرب يفترض أن الحشد العسكري مقدمة تلقائية للاشتباك، غير أن تجارب الصراعات، القريبة والبعيدة، لا تسلم بالصدام الكامل كخيار وحيد، فالتراكم العسكري، في كثير من الأحيان، جاء كأداة ضغط لرفع سقف التفاوض، أو لإعادة تثبيت قواعد ردع جديدة، وليس شرطاً للذهاب نحو مواجهة شاملة ومفتوحة بالضرورة، قدر ما هي محاولة لصياغة مقاربة يُمكنها العثور على مخارج ممكنة ومقبولة.

وإذا ما نظرنا إلى حقيقة أن الأهداف المعلنة للحرب - من تدمير البرنامج النووي، إلى وقف دعم الحلفاء، ونزع القدرات الصاروخية، وصولًا إلى تغيير النظام - لم يتحقق أيا منها حتى الآن. بل إن دخول مضيق هرمز إلى معادلة الصراع منح طهران ورقة استراتيجية أثّرت ولا تزال في الاقتصاد العالمي، وجعلت من كلفة الحرب عاملًا رادعًا بحد ذاته. ما يشير إلى أن ما يجري في كامل جبهات وساحات الصراع، متكامل ومتصل بالضرورة والاحتمال، ولا يمكن قراءته إلا بوصفه لحظة تتقاطع فيها ثلاث مسارات محتملة:

- حرب ممكنة، لكنها مكلفة وغير مضمونة النتائج.

- ردع متبادل يمنع الانزلاق الشامل.

- إدارة توتر طويل الأمد تتيح إعادة ترتيب موازين القوى.

بهذا المعنى، نحن لا نقف على حافة حرب مؤكدة، ولكننا على الأغلب ندور داخل هندسة معقدة لاحتمالات مفتوحة بلا سقوف واضحة.

▪️ثانيًا: الجغرافيا كحالة سيادية مركّبة

صحيح أن الميدان يفرض الكثير من الوقائع، ولكن تحويل هذه الوقائع إلى مخرجات سياسية مستقرة يتطلب أكثر من القوة العسكرية. فالجغرافيا السياسية لا تُرسم بالسلاح وحده، وإنما عبر العديد من العوامل، منها ما هو مرتبط بالفعل العسكري، ومنها ما يقارب الترتيبات السياسية، ومحاولات الشرعنة الدولية، حتى وإن كانت شكلية.

في هذا السياق، تبدو المحاولات الإسرائيلية واضحة لاستثمار اللحظة السياسية الراهنة، خصوصًا في ظل وجود إدارة أمريكية أكثر انسجامًا مع رؤيتها. غير أن السيطرة على الأرض، في التجربة الصهيونية، لا تُعد نهاية الصراع، وإنما مدخله الأهم لتحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض، أو إلى واقع قابل للاستدامة، وهو ما لم يتحقق بصورته الكاملة حتى الآن، ما يؤكد أن الجغرافيا لا تزال في طور التشكل، لا في طور الحسم.

▪️ثالثًا: الهدن بوصفها أدوات إدارة لا مجرد استراحة

قد تبدو الهدن، في ظاهرها، توقفًا مؤقتًا للقتال، ولكنها في جوهرها أداة مركبة، تعيد حسابات الانزلاق إلى حرب واسعة، وتعمل على إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين من كلا الجانبين، كما أنها تتيح اختبار موازين القوة من دون الاضطرار إلى دفع كلفة المواجهة الشاملة.

ما يعني أن اختزال الهدنة في كونها “استراحة لإعادة التسلح” يغفل بُعدها الأهم، أنها آلية لضبط الإيقاع في صراع لا يريد أي من أطرافه، حتى الآن على الأقل، خروجه عن السيطرة. وحين نتحدث عن أطراف الصراع، فمن التبسيط المخل النظر إلى الفاعلين المباشرين فيه وحسب، ففي الظلال والمتن من مثل هكذا صراعات، يوجد لاعبين مؤثرين آخرين كما الصيني والروسي والهندي والتركي والعديد من دول الإقليم.

▪️رابعًا: حدود القوة…

ثمة افتراض بأن القوة الأمريكية - الإسرائيلية قادرة على فرض ما تريد، ولكن تاريخ الصراعات يكشف لنا حدوداً واضحة بين القوة والقدرة، فالولايات المتحدة محكومة باعتبارات الاقتصاد العالمي، وضغوط الداخل السياسي، وحسابات كلفة الانخراط في حرب مفتوحة بلا نتائج سياسية واضحة.

أما إسرائيل، فرغم تفوقها العسكري، فهي تواجه استنزافًا متعدد المستويات، تحديداً على مستوى تآكل سرديتها على المستوى الدولي، واهتزاز صورتها الردعية، فضلا عن تزايد تعقيدات جبهاتها الداخلية والخارجية.

ما يعني أننا أمام قوة كبيرة بلا شك، لكنها ليست مطلقة، بل مقيّدة بشبكة معقدة من الحسابات والتوازنات. ومع ذلك، تواصل الحكومة الإسرائيلية الدفع نحو استمرار الحرب، لما توفره من غطاء لإدارة أزماتها الداخلية، وتأجيل استحقاقاتها السياسية، والسعي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

▪️خامسًا: من الضغط إلى الردع… موقع إيران

في المقابل، لا يمكن اختزال إيران في موقع الطرف المستهدف وحسب، فهي تدير شبكة نفوذ إقليمي مرنة، وتتحرك ضمن استراتيجية تقوم على رفع كلفة المواجهة، لتجنب الحرب الشاملة، وتحسين شروطها التفاوضية. وهو ما يدفعها لتعتمد على عناصر جيوسياسية فعالة وحاسمة، مثل مضيق هرمز، والجغرافيا الإيرانية المعقدة، إلى جانب أوراق أخرى لم تُستخدم بالكامل بعد كما ورقة باب المندب. ما يجعلها طرفًا فاعلًا في صياغة معادلة الصراع، لا مجرد متلقٍ للضغط، ما يدفعنا لملاحظة أن ما يتشكل لا يكمن فقط في معادلة الإخضاع، وإنما في دائرة توازن الردع المتحرك، وهو ما يحدّ من قدرة أي طرف على فرض سيناريو نهائي وشامل.

▪️سادسًا: فلسطين… من ساحة إلى عامل إعادة تشكيل

وسط هذا التشابك، تبدو فلسطين في ظاهرها ساحة من ساحات الصراع، لكنها في جوهرها أحد محدداته الرئيسية. فما يجري فيها لا يندرج فقط ضمن سياق إقليمي أوسع، وإنما يعيد صياغة السياق نفسه. فالتصعيد أو التهدئة في فلسطين لا ينعكسان محليًا فحسب، بل يؤثران في أولويات الإقليم، وفي مسارات التفاوض والحرب على حد سواء. غير أن ما يقوم به الاحتلال يتجاوز إدارة الصراع، ليصل إلى محاولة إعادة تعريف القضية جغرافيًا وسياسيًا. ما يؤكد أن فلسطين ليست نتيجة للصراع، ولكنها أحد أهم محركاته الأساسية.

▪️سابعًا: من منطق القوة إلى إدارة الفوضى

الحديث عن غياب المنطق في سلوك القوى الكبرى يتجاهل تحولًا أعمق يكمن في الانتقال من منطق القانون الدولي إلى منطق قانون القوة. إذ لم يعد الهدف تحقيق تسويات شاملة، قدر ما هي محاولة ضبط للفوضى، وصولا لإبقاء الصراعات ضمن حدود يمكن التحكم بها في محاولة جادة لمنع الانهيار الكامل للقوة العظمى؛ ما يعني أن المنطق المعمول به، هو منطق الفوضى المنضبطة في حقيقته، وإن بدا غير ذلك، حيث لا يُراد حلّ الأزمات بقدر ما يُراد توظيفها والاستفادة منها على المستويين السياسي والاقتصادي، ضمن سياقات الهيمنة وإعادة تشكيل موازين القوى.

▪️ختامًا: ما بين الانفجار والإدارة

بات من الواضح أن النظام الدولي يتجه نحو إعادة تشكيل تدريجي، ولكنّ الحالة الرمادية التي تدفع بها أطراف الصراع تشير إلى أننا لسنا بالضرورة أمام صدام حتمي، وإنما أمام سيناريوهات مفتوحة، تتحرك بين حافة الانفجار وإدارة التوتر.

في هذا السياق، تبرز إمكانية ما يمكن تسميته بـ “الصفقة الوظيفية”، بوصفها إطارًا يعيد توزيع الأدوار في المنطقة، ويمنح كل طرف فرصة إعلان "انتصاره" الخاص، دون أن يكون هناك منتصر بالمعني الحرفي للكلمة. وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل ستندلع الحرب؟ وإنما كيف ستُدار سياسات حافة الهاوية؟
 

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط