مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الحرب ضد الإرهاب: الإباحة والإبادة

الحرب ضد الإرهاب: الإباحة والإبادة

تاريخ النشر: 2017-07-07 | 08:53

ليست «الحرب ضد الإرهاب» هي كل السياسة الأميركية في سورية فقط، وإنما الميل الغالب هو أن كل سياسة صحيحة في البلد المنكوب تابعة للحرب ضد الإرهاب، على نحو وفر مظلة واسعة من محاربي الإرهاب لم يبق أحد خارجها غير... «الإرهابيين» أنفسهم، وهم بالتحديد «داعش» و «القاعدة». أميركا ليست بالضرورة على وفاق مع كل محاربي الإرهاب الآخرين في سورية، لكنها هي من «وضعت الأجندة» على نحو تفاخر به باراك أوباما قبل ثلاث سنوات باعتباره دليلاً على الدور الأميركي القيادي في العالم. والأجندة المشتركة التي تقسم العالم إلى إرهابيين ومحاربي إرهاب تُقرِّب بين نادي المحاربين هؤلاء أكثر مما تفرقهم احتكاكات وصراعات على النفوذ وحماية الأتباع.

ثم إنه لا يجرى تضييق تعريف الإرهاب في طوره الجديد على نحو يحابي الدول كلها فيستبعد من المبدأ أن يوصف أي منها بالإرهاب، ولا حتى على نحو يستبعد منظمات ما دون الدولة التي كانت ولا تزال على قوائم الإرهاب قبل طور محاربته الحالي («حزب الله»، حزب العمال الكردستاني)، ولا حتى على نحو يقصر الإرهاب على السلفية الجهادية السنية فقط، بل يجرى فوق ذلك تضييق تعريف ضحايا هذا الإرهاب السلفي الجهادي، فيُخرَج منه العرب السنيون في مناطق مثل الرقة ودير الزور... وعموم سورية، ممن وقعوا تحت سيطرة «داعش». قد توصف هذه البيئة بأنها حاضنة «داعش» (و «القاعدة») أو لا توصف، لكن لم يعرض محاربو الإرهاب أي اهتمام بالضحايا منهم، ولا يبدو لمخطوفي «داعش» ومقتوليه قيمة سياسية أو حقوقية في أجندة محاربي الإرهاب.

السياسة هنا ليست استمراراً للحرب على ما رأى ميشيل فوكو قالباً قضية كلاوسفتز الأقدم، بل هي استمرار للحرب ضد الإرهاب التي هي حرب متحررة من قوانين الحرب بين الدول (قلما روعيت هذه القوانين في الشرق الأوسط)، وتستهدف إبادة الإرهابيين المفترضين. هذا يُسهّله تضييق مفهوم الإرهاب ونزع صفة الضحية عن صنف بعينه من هؤلاء الضحايا. جرائم الحرب ضد الإرهاب التي يرتكبها محاربو الإرهاب ليست جرائم حرب، والأميركيون قبل حين غيروا قواعد الاشتباك في سورية على نحو يتساهل أكثر مع إيقاع ضحايا مدنيين، أي على نحو ينزع عن جرائمهم المحتملة صفة الجرائم، ويحيلها إلى «أضرار جانبية»، قد تكون مؤسفة لكنها محتومة، ولا يلام أحد في شأن وقوعها. هذا الاستثناء الذاتي يفتح الباب أيضاً لنزع صفة الجريمة عما ترتكب الدولة الأسدية وأية أطراف مضادة لـ «داعش» والسلفية الجهادية من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. الإرهاب بتعريفه الضيق فوق هو وحده الجريمة التي يُعاقب عليها سياسياً.

وبما أن الحرب ضد الإرهاب مكونة أساساً وحصراً من أفعال إبادة وتدمير، منفصلة عن أي رؤية قانونية أو سياسية أو أخلاقية لما بعد، فليس هناك مدخل على أرضيتها لاستبعاد الدولة الأسدية، بالعكس كانت الحرب ضد الإرهاب مدخلاً لإعادة تأهيل نظام متمرس بالإبادة وله فيها تاريخ. واتساع محاربي الإرهاب ضمن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة (وخارجه إيران وموسكو والنظام الأسدي، والدول العربية كلها وتركيا) يظهر ميل الدول كلها إلى اغتنام فرص القتل أو ما يتيحه رد السياسة إلى الحرب ضد الإرهاب لتحقيق أهداف متنوعة: احتلال أراض، تعزيز حكم عميل، تصفية حسابات مع طرف آخر على أرض أخرى، السيطرة الطائفية، الاستيلاء على موارد وأخذها غنائم...، مما كان يظنه المرء ممارسات انطوت منذ زمن التوسع الامبريالي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

الدولة الأسدية قامت تكوينياً على إلحاق مجال السياسة التعددي بحيز السيادة الواحدي، بحث يصير كل عمل سياسي مستقل تمرداً على الدولة. لكن هذا ما تتجه إليه السياسة في كل مكان عبر الحرب ضد الإرهاب. ونمو الصفة الأمنية للسياسة في البلدان «الديموقراطية»، وعودة سياسات الحدود، فضلاً عن الإسلاموفوبيا المترسخة، تشير إلى سير العالم في اتجاه سوري بفعلٍ، جزئي على الأقل، من تعثر سير سورية في ما كان يبدو اتجاهاً عالمياً نحو الديموقراطية. منذ الآن يبدو هذا زمناً غابراً.

وما يخيف ليس فرض أجندة خارجية على السوريين، «الحرب ضد الإرهاب»، تجعل كفاحهم غير مرئي، بل ما يبدو من أن دماء الضحايا ذهبت هدراً، لا قيمة لموتهم، وهو لا يفتدي غيرهم. هو أن كل ما حصل خلال ست سنوات وأربعة أشهر خسائر لا معنى لها ولا يبنى عليها شيء، ولا يُستند إليها لحماية من لا يزالون أحياء. إعادة التأهيل الصاعدة للنظام لا تقول إلا أن كل آلامنا لا قيمة لها، وأن من يعطيها القيمة هم أناس في واشنطن وموسكو وغيرها، وأنه قر قرارهم على أنه لا قيمة لها. هذا مفزع. وهو بمثابة تعميم نموذج «الإنسان المباح» الذي تكلم عليه جيورجيو أغامبن، الشخص الذي لا حماية قانونية له ولا يعاقب من يقتله، ولا يحوز موته قيمة قربانية، فلا يكون فداء لغيره. نصف مليون لا يفتدون الباقين، فلا يتغير شيء من الأوضاع التي تسببت بقتلهم، ولا يعاب أحد على القتل، ولا يتغير شيء من أقدار الأحياء. بالعكس، يجرى فرض النظام ذاته الذي هيأ ظروف قتلهم. قد يكون هذا أسوأ حتى من الإبادة من حيث إنه إذ يحرم موت السوريين من المعنى يحرم حياتهم أيضاً من المعنى، ويبقي النزف مفتوحاً إلى أن يقرر محاربو الإرهاب الاكتفاء.

وعلى كل حال ما كانت الإبادة الجارية منذ 76 شهراً، وبرعاية دولية منذ الصفقة الكمياوية المشينة قبل نحو اربع سنوات، ما كان لهذه الإبادة أن تدخل حيز الوقع لولا الإباحة التي تتجاوز الإطار السوري إلى اللاجئين في البلدان المجاورة، ولبنان بخاصة. مشهد لاجئين سوريين مباحين لعسكر الجيش اللباني قبل أيام يصلح صورة رمزية للإباحة التامة.

وعلى أية حال، تصمد المذبحة السورية المستمرة، كماً ونوعاً وأمداً، للمقارنة بكبريات عمليات الإبادة في القرن العشرين. وتتفوق عليها من حيث إنها تجرى برعاية دولية (وهو ما سأتناوله في مقالة مستقلة).

لكن إن صح أن سورية تؤشر على اتجاه عالمي، فإن تآكل مجال السياسة لمصلحة مجال السيادة بفضل «الحرب ضد الإرهاب» قد يأخذ شكلاً جديداً، تبدو سورية طليعية فيه أيضاً: أمننة شاملة، لكن من دون مركز سياسي، أو بمركز سياسي لا يعدو كونه مظلة وعنواناً عاماً. نحصل على تعددية أمنية وواحدية سياسية. السيادة العائدة عالمياً بقوة لا تأخذ بالضرورة شكل دول قومية مركزية أقل ديموقراطية من ذي قبل، بل ربما شكل خصخصة الأمن وتفتيت الحقل السياسي على نحو يبقيه تحت سيطرة مقدمي الخدمات الأمنية من أجهزة شبه حكومية وشركات خاصة ومرتزقة. لكن، ما هذه السيادة الجديدة؟ عرف أشيل ممبه، الفيلسوف السياسي الكاميروني، هذه السيادة بأنها سلطة إملاء من يمكن أن يعيش ومن يجب أن يموت.

لكن، ألم يكن هذا تعريف السيد الإقطاعي؟ ومالك العبيد؟

 عن الحياة اللندنية

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط