مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

التضليل السياسي المولّد بالذكاء الاصطناعي ... من صناعة الأكاذيب إلى هندسة الوعي الجماعي !

التضليل السياسي المولّد بالذكاء الاصطناعي ... من صناعة الأكاذيب إلى هندسة الوعي الجماعي !

تاريخ النشر: 2026-07-11 | 12:15

د. مهدي مبارك عبد الله
د. مهدي مبارك عبد الله

 لم يعد الصراع السياسي في القرن الحادي والعشرين يدور فقط حول السيطرة على الأرض أو الموارد أو موازين القوة العسكرية بل انتقل بصورة متسارعة إلى ميدان جديد يتمثل في السيطرة على الوعي البشري وإدارة الإدراك الجمعي للجماهير وفي قلب هذا التحول برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أكثر الابتكارات التقنية تأثيرًا في العصر الحديث حيث فتح آفاقًا واسعة أمام التطور العلمي والاقتصادي لكنه في الوقت نفسه أوجد تحديات غير مسبوقة تتعلق بالحقيقة والمصداقية والأمن المعلوماتي ومع التطور الهائل في قدرات النماذج التوليدية أصبح بالإمكان إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية ومرئية يصعب على الإنسان العادي وأحيانًا حتى على الخبراء التمييز بينها وبين المواد الحقيقية الأمر الذي جعل التضليل السياسي يدخل مرحلة جديدة أكثر خطورة وتعقيدًا

 لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة انتقالًا نوعيًا من ظاهرة الأخبار الكاذبة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بالواقع المصطنع حيث لم تعد الجهات الساعية إلى التأثير في الرأي العام بحاجة إلى مؤسسات دعائية ضخمة أو ميزانيات هائلة لإنتاج حملات التضليل فبضغطة زر واحدة يمكن إنشاء مقطع مصور لزعيم سياسي وهو يدلي بتصريحات لم يقلها قط أو تركيب خطاب صوتي لمسؤول حكومي يدعو إلى مواقف لم يتبنها يومًا أو إنتاج آلاف المقالات والتعليقات والمنشورات المصممة خصيصًا لاستهداف شرائح اجتماعية بعينها بناءً على ميولها النفسية والسياسية والثقافية

 وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتزييف المعلومات بل يعمل على محاكاة الواقع نفسه فالتزييف العميق لم يعد مجرد تعديل بدائي للصور أو المقاطع المصورة بل أصبح عملية متقنة قادرة على استنساخ تعابير الوجه ونبرات الصوت وحركات الجسد بدرجة عالية من الواقعية ومع كل جيل جديد من النماذج التوليدية تتراجع قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والاختلاق بينما تتزايد قدرة الجهات الفاعلة على صناعة روايات بديلة تبدو أكثر إقناعًا من الوقائع ذاتها

 وقد ظهرت آثار هذا التحول بوضوح في العديد من الاستحقاقات الانتخابية حول العالم ففي الهند التي تمثل أكبر ديمقراطية من حيث عدد الناخبين استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج خطابات انتخابية بلغات محلية متعددة عبر استنساخ أصوات المرشحين وترجمتها آليًا كما جرى توظيف نسخ رقمية من شخصيات سياسية للتواصل مع الناخبين بصورة غير مسبوقة أما في الولايات المتحدة فقد أثارت مكالمات هاتفية مولدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي صوت الرئيس السابق جو بايدن جدلًا واسعًا بعدما استهدفت التأثير في سلوك الناخبين ومشاركتهم السياسية وهذه النماذج تعكس كيف أصبحت التكنولوجيا جزءًا مباشرًا من المعركة على أصوات المواطنين واتجاهاتهم السياسية

 ولم يعد الأمر مقتصرًا على العمليات الانتخابية بل امتد إلى ساحات النزاعات المسلحة والحروب الدولية فقد شهدت الحرب الروسية الأوكرانية تداول مقاطع مزيفة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تدعو الجنود إلى الاستسلام كما انتشرت مواد إعلامية ملفقة استهدفت تشويه صورة شخصيات سياسية وعسكرية بهدف إرباك الرأي العام وإضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية وفي أوقات الحروب والأزمات تزداد فعالية هذه الأدوات لأن الحاجة الملحة للمعلومات تدفع الجماهير إلى تداول الأخبار بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية على التحقق منها

 وفي منطقة الشرق الأوسط حيث تتداخل الصراعات السياسية والعسكرية والإعلامية بصورة كثيفة أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا في معارك السرديات المتنافسة فالحروب الحديثة لا تُخاض فقط في الميدان العسكري بل أيضًا على منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث وأنظمة التوصية الرقمية وهنا يبرز دور المحتوى المولد آليًا في التأثير على التصورات الجماهيرية وتشكيل الانطباعات السياسية وتوجيه النقاشات العامة سواء من خلال الحسابات الوهمية أو الحملات المنظمة أو المواد المرئية والمسموعة المصممة لاستثارة العواطف وتعزيز الانقسامات

 واللافت أن الخطر الأكبر لا يكمن في قدرة هذه التقنيات على جعل الناس يصدقون الأكاذيب فحسب بل في قدرتها على دفعهم إلى التشكيك في الحقائق نفسها فحين يصبح كل شيء قابلًا للتزييف يفقد الدليل البصري والسمعي قيمته التقليدية كمصدر للإثبات ومن هنا ظهر ما يسميه بعض الباحثين أزمة الثقة الرقمية حيث لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان المحتوى حقيقيًا أم مزيفًا بل ما إذا كان بالإمكان الوثوق بأي محتوى من الأساس وهذه الحالة تمثل بيئة مثالية لازدهار الشعبوية السياسية ونظريات المؤامرة وحملات التشكيك المنهجي بالمؤسسات والإعلام والحقائق الموثقة

 كما أوجد الذكاء الاصطناعي ظاهرة جديدة تتمثل فيما يعرف بالإنكار المعقول حيث يستطيع السياسي أو المسؤول المتهم بسلوك أو تصريح موثق أن يدعي ببساطة أن المادة المنشورة ضده مزيفة ومولدة بالذكاء الاصطناعي وبهذا المعنى يصبح وجود التزييف العميق تهديدًا للحقيقة حتى عندما تكون الأدلة أصلية وصحيحة لأن مجرد إمكانية التزييف تمنح مساحة واسعة للتشكيك والإنكار

 وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة بفعل طبيعة منصات التواصل الاجتماعي التي تكافئ المحتوى المثير للجدل والانفعال أكثر مما تكافئ الدقة والموضوعية فخوارزميات الانتشار لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن التفاعل وكلما كان المحتوى أكثر قدرة على إثارة الغضب أو الخوف أو الحماس ازدادت فرص وصوله إلى جمهور أوسع وفي هذا السياق يجد المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي بيئة مثالية للانتشار السريع خاصة عندما يتوافق مع الانحيازات السياسية المسبقة للمستخدمين

 وقد أظهرت دراسات عديدة أن الانتماء السياسي أو الأيديولوجي غالبًا ما يكون أقوى من معايير التحقق الموضوعي للمعلومات فالأفراد يميلون إلى تصديق ما يؤكد قناعاتهم المسبقة حتى عندما تكون الأدلة ضعيفة أو مشكوكًا فيها وهنا تتجلى القوة الحقيقية للذكاء الاصطناعي ليس فقط في قدرته على إنتاج الأكاذيب بل في قدرته على تخصيص هذه الأكاذيب وتكييفها مع التوقعات النفسية لكل فئة مستهدفة

 وفي مواجهة هذا الواقع المتغير تتحرك الحكومات والمؤسسات الدولية وشركات التكنولوجيا عبر مسارات متعددة تشمل تطوير أدوات لكشف التزييف العميق واعتماد العلامات المائية الرقمية وإنشاء معايير تقنية لتوثيق مصادر المحتوى الرقمي إضافة إلى سن تشريعات تلزم المنصات بالإفصاح عن المواد المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي كما تتزايد الدعوات إلى تصنيف بعض تطبيقات التزييف العميق الخبيثة ضمن فئات الذكاء الاصطناعي عالية الخطورة نظرًا لما يمكن أن تسببه من أضرار تمس الديمقراطية والأمن المجتمعي والاستقرار السياسي

غير أن الحلول التقنية والقانونية وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع بناء وعي رقمي جديد لدى المواطنين فالمعركة الأساسية في نهاية المطاف ليست بين الإنسان والآلة بل بين التفكير النقدي والتلقي السلبي وكلما امتلكت المجتمعات مهارات التحقق والتحليل وفهم آليات التضليل تراجعت قدرة الجهات المختلفة على توظيف التكنولوجيا لتوجيه العقول والتلاعب بالإدراك الجماعي

 إذا كان القرن العشرون قد شهد سباقًا على امتلاك الجيوش والأسلحة التقليدية فإن القرن الحادي والعشرين يشهد سباقًا من نوع مختلف يتمحور حول السيطرة على البيانات والعقول والإدراك الجمعي فمع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تصبح الحروب المعرفية أكثر تأثيرًا من الحروب العسكرية نفسها وقد يتحول التلاعب بالمعلومات إلى أداة استراتيجية قادرة على إسقاط الثقة بالمؤسسات وإعادة تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية دون إطلاق رصاصة واحدة ومن هنا فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الدول والمجتمعات لا يقتصر على امتلاك التكنولوجيا أو تنظيمها قانونيًا بل يمتد إلى بناء مواطن قادر على التفكير النقدي والتمييز بين الحقيقة والزيف في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الواقع والمحاكاة فالمستقبل لن يكون للأطراف التي تمتلك أقوى الخوارزميات فحسب بل للأمم التي تنجح في حماية وعي مواطنيها من الاستغلال والتضليل لأن معركة العصر القادمة قد لا تدور حول من يملك الحقيقة بل حول من ينجح في إقناع الآخرين بأنه يملكها

 ختاما : الذكاء الاصطناعي شأنه شأن معظم الابتكارات الكبرى في التاريخ ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا وإنما أداة تتحدد آثارها وفق كيفية استخدامها غير أن التحدي الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم يتمثل في ضمان ألا تتحول هذه الأداة إلى وسيلة لتقويض الحقيقة نفسها فالديمقراطيات لا تقوم فقط على صناديق الاقتراع بل على وجود حد أدنى من الثقة المشتركة بالوقائع والحقائق وإذا فقدت المجتمعات قدرتها على التمييز بين الحقيقة والتزييف فإن الخطر لن يهدد نزاهة الانتخابات فحسب بل سيطال الأسس الفكرية والأخلاقية التي يقوم عليها النظام السياسي الحديث بأسره

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط