مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

التحوط الإستراتيجي الصيني: حدود الانخراط الصيني في الحرب الأمريكية على إيران

التحوط الإستراتيجي الصيني: حدود الانخراط الصيني في الحرب الأمريكية على إيران

تاريخ النشر: 2026-03-28 | 12:23

تطرح تطورات الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ، وإيران وحزب الله اللبناني من جهةٍ أخرى، سؤالًا جوهريًا: لماذا لم تنخرط الصين في هذه الحرب إلى جانب إيران بشكلٍ صريح؟ مع قناعتي أن المستهدف من الحرب بالدرجة الأولى هي الصين، وأن الحرب أمريكية- صينية، وإن كانت رحاها تدور على الأراضي الإيرانية، فهي حرب بالوكالة وفق تصوري.
إن فهم الموقف الصيني؛ يتطلب القفز عن القراءة والتحليل الاختزالي الذي يفترض أن الشراكات الاقتصادية تؤدي بالضرورة إلى تحالفات عسكرية؛ كونها مرتبطة ببعض أنشطة المنظمات. والتكتلات الإقليمية التي ساهمت الصين في تشكيلها مثل: شنغهاي، وبريكس، وآسيان، وغيرها. فالصين، بوصفها قوة كبرى تتطلع لأن تصبح قوة عظمى، وهي لا تزال تعمل ضمن إطار عقلاني، واستراتيجية القوة الناعمة، وعبر سياسة تعظيم المكاسب بأقل تكلفة ممكنة، وتجنب الدخول في صراعاتٍ مفتوحةٍ قد تستنزف مواردها، وتعيق مشروعها الاستراتيجي الضخم بشقيه البري والبحري (الحزام والطريق). وبالتالي، فإن السلوك الصيني يكشف عن أسلوب متأني، يقوم على تقدير دقيق بين المصالح والمخاطر، ضمن رؤية استراتيجية أوسع تتجاوز منطق التحالفات التقليدية.
في المقابل، لا يمكن إغفال العامل البراغماتي في العلاقات الصينية- الإيرانية. فهذه العلاقة، رغم توصيفها بـ"الاستراتيجية"، إلا أنها تبقى محكومة بسقف المصالح المتبادلة، وليس بالروابط الأيديولوجية أو التزامات الأمنية. فالصين تنظر إلى إيران بوصفها شريكًا مهمًا في تأمين احتياجاتها من النفط والطاقة، إذ تستورد نحو 43 مليون برميل من النفط الإيراني شهريًا، أي ما يعادل قرابة 90% من صادرات إيران النفطية، ويُشكّل حوالي 13.6% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام. ووفقًا لبيانات شحن شركة "فورتيكسا"، فإن نحو 65% من النفط الخام والمكثفات المنقولة عبر مضيق هرمز تتجه إلى الصين. كما تمثل إيران عنصرًا جيوسياسيًا ضمن شبكة أوسع من العلاقات التي تمتد عبر الشرق الأوسط. غير أن هذا الإدراك لا يرقى إلى مستوى الاستعداد لتحمل كلفة الدفاع العسكري عنها، خصوصًا في ظل غياب معاهدة دفاع مشترك ملزمة للطرفين. ويكفي أن نأخذ مثالاً على حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة، وبين الصين وإيران، لنعرف حدود التدخل الصيني، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين عام 2024م نحو 658.9 مليار دولار. لذلك، تعُد الصين أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في العالم، في حين بلغ حجم التبادل التجاري بين إيران والصين في العام نفسه نحو 21 مليار دولار. باعتقادي أن هذا الفرق الشاسع، لن يدفع الصين تحت أي ظرف للتضحية بمصالحها مع الولايات المتحدة الغرب لصالح إيران.
بتصوري، إن انخراط الصين في الحرب إلى جانب إيران من شأنه أن يضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو تحاول الصين تفاديه بكل الوسائل. فالتنافس بين القوتين، وإن كان محموماً في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ، إلا أنه لا يزال محكومًا بسقف من الانضباط الاستراتيجي "الحكمة السياسية" الذي يمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. أول ما يلفت الانتباه في السياسة الخارجية الصينية ارتكازها على مبدأ "التعاظم السلمي الناعم"، أو "الدبلوماسية التعاونية" حسب أدبيات العلاقات الدولية، وهو سلوك يتماشى مع القناعات التاريخية، والتجارب السياسية الصينية، بهدف تجنب التورط في صراعاتٍ خارجيةٍ قد تبدو مكلفة.
هذا المبدأ ليس مجرد خطاب دعائي، بل هو أداة وظيفية، تسعى من خلالها الصين إلى بناء صورة دولية مختلفة عن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي ارتبط حضورها العالمي بالتدخل العسكري المباشر. وتسعى إلى منافسة الولايات المتحدة على مستويات أعمق، أبرزها: وضع قواعد النظام الدولي، تحديد المفاهيم والمعايير التي تُدار من خلالها القضايا العالمية؛ كالأمن والطاقة والمناخ والتنمية، لا سيما أن العالم سئم الحروب والغطرسة الأمريكية القائمة على استخدام القوة في تحقيق المصالح. وكذلك، امتلاك القدرة على صياغة الخطاب السياسي والأكاديمي المقنع والأكثر واقعية وشرعية وجاذبية. بمعنى آخر، أن الصين لا تحاول كسر الهيمنة الأمريكية بالقوة العسكرية، بل بإعادة تعريف ما تعنيه الهيمنة نفسها. فالصين ليس لها تحالفات عسكرية أو أمنية مع غالبية الدول، لأن المنظومة الأمنية الصينية ليست تحالفًا عسكريًا كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، بل هي عبارة عن خطاب أمني بديل يقوم على مفاهيم مثل: الأمن المشترك، وعدم التدخل، والتنمية مقابل الأمن، والشراكات لا الأحلاف. هذا الخطاب تستخدمه الصين كأداة لبناء عالم متعدد الأقطاب، تصبح فيه القواعد والمعايير غير حصرية على الولايات المتحدة والغرب.
وعليه، فإن أي انخراط إو تدخل عسكري صيني في أي صراع إقليمي، خاصة في منطقة ملتهبة، مثل: الشرق الأوسط، سيشكل انقلابًا على هذا النهج، ويفقدها أحد أهم مصادر قوتها الناعمة. وبالتالي، فإن فتح جبهة صراع في الشرق الأوسط سيعني توسيع نطاق هذا التنافس إلى المجال العسكري، وهو ما تعتبره الصين لا يخدم مصالحها، توجهاتها في هذه المرحلة من صعودها.
ناهيك عن ذلك البعد الجيوسياسي المرتبط بأولويات الصين الإقليمية. فالمنافسة الأمريكية- الصينية لم تعد مجرد صراع اقتصادي أو تكنولوجي أو حتى عسكري تقليدي يمكن احتواؤه داخل حدود الحرب الباردة القديمة، بل تحولت إلى حرب وجودية شاملة متعددة الأبعاد على ثلاثة محاور مترابطة ترتبط ببعضها ارتباطاً عضوياً لا يمكن فصله أو تجزئته تحت أي ظرف من الظروف. هذه المحاور الثلاثة هي: الممرات البحرية التي تمثل شرايين الطاقة والتجارة والإمداد العسكري للعالم بأسره، والمعادن النادرة والحرجة التي أصبحت النفط الجديد للثورة الصناعية الرابعة والخامسة والسادسة القادمة، والبنية الرقمية التي صارت العصب المركزي الذي يتحكم في كل شيء بدءاً من توجيه الصواريخ الباليستية العابرة للقارات وانتهاءً بالثلاجات الذكية والسيارات ذاتية القيادة والمدن الذكية والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي العسكري. كما تركز الصين بشكلٍ متزايد على محيطها الآسيوي، حيث تتقاطع مصالحها مع قضايا حساسة، مثل: وضع تايوان، والتوازنات في بحر الصين الجنوبي، والإندو- باسيفيك. هذه الملفات تمثل، من منظور صانع القرار الصيني، جوهر الأمن القومي، وبالتالي فإن تخصيص موارد عسكرية كبيرة لصراع بعيد جغرافيًا، مثل الشرق الأوسط، قد يضعف قدرتها على التعامل مع هذه التحديات المباشرة.
ومن هنا، يمكن القول: أن الموقف الصيني لا يعكس ضعفًا أو ترددًا، بقدر ما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة التي يمر بها النظام الدولي. فالصين تدرك أن التحول إلى قوة عظمى لا يقتضي بالضرورة تكرار أنماط السلوك التقليدية للقوى المهيمنة، بل قد يتطلب ابتكار نماذج جديدة تقوم على النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي بدل القوة العسكرية المباشرة.
وعليه، فإن "التحوط الاستراتيجي" الذي تتبناه الصين لا يتمثل في قرار ثنائي بين الحرب والحياد، بل في كيفية إدارة شبكة معقدة من العلاقات والمصالح دون الانزلاق إلى صراعاتٍ مكلفة. إنها معادلة دقيقة بين دعم الشركاء، والحفاظ على الاستقرار، وتجنب المواجهة مع القوى الكبرى. وبالتالي، يبدو أن الصين ستستمر في تبني استراتيجية "الانتشار المحدود الموجه" التي تسمح لها بتعزيز حضورها الدولي دون تحمل أعباء المواجهة العسكرية المباشرة.
أختم بالقول: إن غياب الصين عن ساحة الحرب لا ينبغي تفسيره غياب عن التأثير، بل هو إعادة تعريف لأدوات القوة في عالم يتغير، حيث لم تعد الجيوش وحدها هي المحدد الرئيسي لمكانة الدوله أو ترتيبها في من حيث القوة، بل باتت القدرة على إدارة الأزمات وتجنبها، معيارًا أساسيًا في قياس قوة ونفوذ ومكانة الدولة.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط