مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الانتخابات وسؤال المرجعية

الانتخابات وسؤال المرجعية

تاريخ النشر: 2026-06-21 | 09:25

في ضَوْء ما يُتداول سياسيًا وإعلاميًا بشأن الحوارات الفصائلية المرتبطة بمسار تنفيذ المرحلة الثانية من قرار مجلس الأمن 2803 وخطط وقف الحرب في غزة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود الترتيبات الإجرائية الآنية إلى جوهر المأزق الفلسطيني نفسه: ما مدى قدرة هذه الجولات على الإسهام في إعادة بناء الوحدة السياسية الفلسطينية، أو في مواجهة المساعي الرامية إلى تقويض حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؟
وفي قلب هذا الجدل، يتجدد في الخطاب السياسي الفلسطيني، كلما تفاقم الانقسام وتعمّقت الأزمة داخليًا وخارجيًا، رهانٌ متكرر على الانتخابات بوصفها المدخل السحري لإعادة ترميم النظام السياسي واستعادة وحدته. ويُقدَّم هذا الطرح بوصفه مسارًا طبيعيًا لإنهاء التشظي، وإعادة إنتاج الشرعية، وتجديد المؤسسات على أسس ديمقراطية.

غير أنّ هذا التصور، رغم وجاهته المبدئية، يغفل أنّ الأزمة الفلسطينية الحالية لم تعد أزمة إجراءات انتخابية بحتة، بل أزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وانقسام المرجعيات، واختلاف الرؤى حول المشروع الوطني. ومِن ثَم، فإنّ اختزال الحل في الانتخابات وحدها ينطوي على قدر من التبسيط المُخلّ؛ ذلك أنّ ما هو بنيوي لا يُختزل في أدواته، ولا تُعالج أزماته بالإجراءات وحدها.

في لحظات التحوّلات الكبرى، لا تُقاس أزمة الأنظمة السياسية بحدة التوترات الظاهرة، بل بقدرتها على إنتاج أو فقدان الإطار التمثيلي الجامع الذي يمنحها معنى وجودها. وعندما يتعرض هذا الإطار للانقسام، تتحوّل الأزمة من خلاف حول إدارة السلطة إلى خلاف حول تعريف الشرعية ذاتها: مَن يُمثل الشعب الفلسطيني؟ وعلى أي أساس يُعاد بناء هذا التمثيل؟

في الحالة الفلسطينية، شَكّل الانقسام الذي أعقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007 نقطة تحوّل بنيوية، حوّلت الخلاف من تنافس على السلطة إلى انقسام في جوهر المشروع الوطني. لم يعد السؤال يقتصر على آليات إدارة النظام أو مواعيد الانتخابات، بل امتد إلى طبيعة هذا النظام: أي مشروع سياسي يُراد بناؤه، ومَن يحدد مرجعياته وحدود شرعيته؟
وقد ترتب على هذا الانقسام كلفة مباشرة على المستوى الوطني، تمثلت في إضعاف وحدة القرار السياسي، وتراجع القدرة التفاوضية، وتفاقم الأعباء الإنسانية والمعيشية، خاصة في قطاع غزة، بما عمّق الفجوة بين بنية النظام السياسي واحتياجات المجتمع الفلسطيني اليومية. وهكذا لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل أصبح واقعًا ينعكس مباشرة على حياة الناس وموقعهم في معادلات الصراع.

من جهة، يستند النظام السياسي الرسمي المتمثل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية إلى مرجعية تاريخية فلسطينية ودولية كإطار تمثيلي جامع. ومن جهة أخرى، برزت حركة حماس كقوة سياسية تحمل رؤية مغايرة في تعريف السلطة والمقاومة والعلاقة بين الوطني والأيديولوجي. وقد تحوّل هذا التنازع إلى ازدواجية في المرجعية الوطنية، حيث باتت الساحة الفلسطينية تعيش بين إطار تاريخي معترف به، ومشروع يسعى إلى إنتاج مرجعية موازية، ما عمّق التحوّل من خلاف سياسي عادي إلى تنازع حول تعريف الشرعية الوطنية وآليات التمثيل.

لم يكن هذا الانقسام معزولًا عن السياق الإقليمي والدولي. فقد ساهمت عوامل خارجية متعددة في ترسيخه، منها السياسات الإسرائيلية التي عززت الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والتوسع الاستيطاني، وحجز أموال المقاصة، ورفض إجراء الانتخابات في القدس عام 2021، الأمر الذي أدى إلى إلغائها وأسهم في إطالة أمد الأزمة الداخلية. كما لعبت الولايات المتحدة والدول الإقليمية أدوارًا مؤثرة في إدارة الصراع، غالبًا من منطلق الاحتواء والتوازنات الأمنية أكثر من السعي إلى تسوية شاملة. وفي المقابل، برز الدور الإيراني ضمن معادلة إقليمية أوسع ارتبطت بإعادة تشكيل موازين الردع والنفوذ في الإقليم، بما انعكس بصورة غير مباشرة على توازنات الساحة الفلسطينية وتعدد مرجعيات الفعل السياسي فيها، دون أنْ يؤدي ذلك إلى بلورة أفق فلسطيني موحد، ما عمّق التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية.

وقد انعكس هذا التشابك بوضوح في مسار الحرب على قطاع غزة وما تبعها من محاولات لوقفها بعد أحداث أكتوبر 2023، حيث أظهرت مسارات التهدئة أنّ القرار لم يعد محصورًا في ثنائية فلسطينية–إسرائيلية، بل أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التفاهمات والضغوط المتقاطعة بين واشنطن، والقوى الإقليمية الفاعلة، بما فيها إيران، إلى جانب الحسابات الداخلية الإسرائيلية المتعلقة بأهداف الحرب وحدودها وإمكانيات استمرارها أو إنهائها. وهكذا تحوّلت التهدئة من قرار سياسي إلى معادلة توازنات متعددة الطبقات.

أمّا على المستوى الداخلي، فقد ساهم الخلاف بين الفصائل وغياب الانتخابات منذ سنوات ليس فقط في إطالة أمد الأزمة، بل في خفض الرافعة الوطنية، وإعلاء الرافعة العصبية والفئوية. إلا أنّ المشكلة الأعمق لم تكن في غياب التوافقات بحد ذاتها، بل في عجز النظام السياسي عن تحويلها إلى بنى مؤسسية ملزمة. فوثيقة الأسرى عام 2006، وما تلاها من اتفاقات وحوارات وطنية، نجحت في إنتاج نصوص تفاهمية، لكنها أخفقت في التحوّل إلى قواعد مستقرة تنظم الحياة السياسية وتحتمل اختبار القوة والاختلاف، ما جعل معظمها رهينًا للحظة السياسية التي أُنتجت فيها؛ بوصفها حدثًا تفاوضيًا قابلًا للانقطاع.

في المقابل، فإنّ إعادة التفكير في بنية التمثيل السياسي الفلسطيني لا يمكن أنْ تظل محصورة داخل ثنائية الفاعلين الفصائليين بوصفهم المصدر الحصري للشرعية وصناعة القرار. فإلى جانب هذا الحقل المُمَأسس، يبرز دور أوسع للقوى الاجتماعية والمدنية خارج الإطار الفصائلي التقليدي بكونها تمثل هامشًا نقديًا داخل النظام السياسي. صحيح أنّ بعض هذه المكونات لم تكن بمنأى عن تأثيرات الاستقطاب السياسي أو شروط التمويل الخارجي، شأنها شأن قطاعات أخرى في الحياة الفلسطينية، إلا أنّ ذلك لا ينفي قدرتها على المساهمة في إنتاج نقاش وطني أوسع يتجاوز الحسابات الفصائلية المباشرة، ويعيد طرح أسئلة الشرعية والتمثيل والمشروع الوطني على أسس أكثر شمولًا.

لذلك، فإنّ أي مسار للإصلاح أو الانتخابات أو الحوار الوطني ينبغي ألّا يقتصر على إعادة ترتيب المؤسسات القائمة، بل يجب أنْ يتجه نحو إعادة تعريف الأساس السياسي للمرحلة المقبلة. فالأزمة الراهنة لا تتعلق فقط بمن يدير النظام السياسي، بل بماهية المشروع الوطني نفسه واتجاهه الاستراتيجي. ويشمل ذلك فتح نقاش وطني شامل حول الخيارات الاستراتيجية الكبرى، سواء كانت دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، أو الدولة الواحدة، أو صيغًا اتحادية أو كونفدرالية، عبر آليات توافقية أو استفتائية تعكس إرادة شعبية واسعة، لا بقرارات انقسامية فصائلية.

ولعل المخرج لا يكمن في استفتاء مفتوح على الخيارات المتنازعة بقدر ما يكمن في التوافق أولًا على الحد الأدنى الجامع للمشروع الوطني الفلسطيني. فقبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ثمة حاجة إلى حوار وطني شامل يفضي إلى وثيقة مبادئ تأسيسية تحدد المرجعيات المشتركة والقواعد الناظمة للعمل الوطني، وتحسم القضايا الكبرى المتعلقة بالتمثيل والبرنامج السياسي وأشكال النضال المشروع. غير أنّ قيمة هذه الوثيقة لن تُقاس بما تتضمنه من مبادئ فحسب، بل بقدرتها على التحوّل إلى إطار ملزم ومستدام. إذ إنّ التوافق السياسي، ما لم يُصَغ في بنية مؤسسية قادرة على ضبط الالتزام به، يبقى في مستوى التفاهم السياسي العابر، ويصبح عرضة للتآكل.

كما يُفترض أنْ تُصاغ هذه الوثيقة بلغة قانونية واضحة تُحدّد آليات التنفيذ وأدوات الرقابة على الالتزام؛ فبدون ذلك ستظل عرضة للعودة إلى منطق "اللحظة السياسية" الذي حكم معظم التوافقات السابقة، بدل أنْ تتحوّل إلى أرضية صلبة يعيد الفلسطينيون من خلالها تأسيس علاقتهم السياسية بوطنهم وقضيتهم ومستقبلهم المشترك. وعندها فقط يمكن الاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر استفتاء عام يمنح العقد الوطني شرعية واسعة، بوصفه أداة لتثبيت التوافق الوطني لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام، وبما يضمن أنْ تتحوّل نتائجه إلى التزام سياسي وأخلاقي ملزم للجميع، لا إلى محطة جديدة في دورة الخلاف الفلسطيني المفتوحة.

وفي كل الأحوال، يبقى التحدي الأساسي هو إعادة بناء الالتفاف الوطني حول منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار التمثيلي الجامع للشعب الفلسطيني والقادر على استيعاب التعددية السياسية والفكرية ضمن مرجعية وطنية واحدة. فالمعضلة لا تكمن في تعدد البرامج أو تباين الرؤى، بل في غياب المرجعية الجامعة القادرة على تحويل هذا التعدد إلى إرادة سياسية موحدة في القضايا المصيرية، وتمكينه من مواجهة التحديات الوجودية التي تعصف بالقضية الفلسطينية.
ومن دون استعادة هذا الإطار، ستظل الانتخابات والتوافقات والاستفتاءات مجرد آليات تبحث عن شرعية مفقودة، لا أدوات لإنتاجها. فالاختلاف في البرامج والسياسات أمر طبيعي في حياة الشعوب، أما ازدواجية المرجعية الوطنية والتنازع على تمثيل الشعب الفلسطيني فلا ينتجان إلا مزيدًا من التشظي والاضطراب واستدامة الأزمة؛ إذ لا يجتمع سيفان في غمد واحد.

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط