مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الإله الآتي أو "ثقافة الوعد الديمقراطي"

الإله الآتي أو "ثقافة الوعد الديمقراطي"

تاريخ النشر: 2018-11-26 | 15:16

"قد بات واضحاً أنَّ المسارات الحضارية التي أمعنت في تحقيق الخير والنعمة، قد أمعنت في إلقاء فضلاتها السوداء على وجوه الحياة، وأحياز الطبيعة، وجباه الناس".
ولئن كانت مقاربات جاك ديريدا المبثوثة في العديد من مؤلفاته الفلسفية ومحاوراته ومقالاته، ولا سيما مقالاته الموسّعة حول “آخر الدول المارقة” و”الديمقراطية القادمة”، قد أوصلته، ضمن استنتاجات وأفكار ورؤى عديدة ومتنوعة، إلى خلاصة مؤداها أن “العدالةَ” المنشودة من قبل الإنسانيين من الناس، والتي تُمَثِّلُ أُفُقَ القانون وحدّه الأسمى، غير قابلة للتَّجلي إلا في إطار ما دعاه بـ”الديمقراطية القادمة”، ثمّ أكّد أنّ هذه “الديمقراطية القادمة” هي محض ترقّب وانتظار لقدوم منقذ يستحيل قدومه؛ فإننا نقرأ في هذه الخلاصة السّاطعة دلالتين متعارضتين:

تتلخّص الدّلالة الأولى في استنتاج مؤداه أنّ وجود الإنسان سيظلّ محكوما بفكرة انتظار هذا المنقذ؛ هذا الإله الغافي في أقبية المستحيل الأسطوريّ، أو الدّيني، أو الفلسفيّ الخلاصيّ؛ أي هذا المخلِّص الأزلي الأبدي “المنتظر أبدا”، والذي “لا يأتي أبدا”!

أمّا الدّلالة الثّانية، فتتكثّف في إدراك نقيض مؤدّاه أنّ المنقذ الحقيقي، الفعليّ والممكن، والذي سيكون متأهبا للمجيء، ولمتابعة مجيء لا يكفُّ أبدا عن المجيء، إنَّما هو كامن في جوهر كينونة البشر القابضين على جمرة إنسانيتهم الخالدة، وما عليهم إلا السّعي اللَّاهب لإيقاظه من غفوته التي طال أمدها، بقدر ما طال انتظاره هو نفسه  في أغوار أعماقهم الغافية على أسرة الجهل والعجز المهيض، لحظة حدوثه.

وبالطبع، فإن هذه اللحظة التي لا تتجسّد إلا في يقظتهم المفضية إلى شروعهم في إنهاض وعيهم الواعي، لن تكون حقيقية وذات مغزى إلا بانخراطهم، من ثمّ، في حراك جمعيّ جادٍّ ومتواصل، عميق وممتد، يدشّنه، قبل كلّ شيء وأثناءه وبعده، سعيهم الحثيث لحماية أنفسهم من أسوء سوء يتجسّد في إمعانهم، بأمر أنفسهم الأمّارة بالسّوء، في انتظار منقذ غيبيّ لا يأتي!

وبعيدا عن الخوض في تفاصيل التأملات الفلسفية المتعلّقة ببحث الهوية الإنسانيّة عن كمال محتمل، والحضارة الإنسانيّة عن رقيّ أعلى، والحرية الإنسانيّة عن مدارات أوسع، فإننا لندرك أن الخلاصة التي نقرأ دلالاتها الآن، إنما تحيلنا إلى الإقرار، بصدقية وعمق، بحقيقة راسخة تتبدّى في تفاصيل حياتنا على نحو أسطع تجلّيا وأرسخ حضورا من تبدّي الحاجة إلى إقامة الدليل على رسوخها!

فما هي تلك الحقيقة الرَّاسخة والتي تزداد، في زمننا هذا، رسوخا على رسوخ؟

ليس ثمة من حقيقة في عالم اليوم أشد تجليا وأعمق رسوخا من حقيقة مضاعفة تتجلى في انشطار العالم الذي يُزعمُ أنَّ كلاً من التطور الحضاري والإرادة الإنسانية يريد له أن يكون “قرية كونية” و”عالما واحدا”، إلى عوالم متباينة، بل ومتصارعة يفضي أتونها اللاهب إلى تشظي البشر، ولا سيما منهم أولئك الذين تريد لهم إنسانيتهم الحقَّة أنْ يتماهوا جميعا في جوهر هويّة إنسانية كلية جامعة موسعة وملتحمة، إلى هويات تتأسس على ما يناقض هذه الإرادة من تماه انغلاقي متطرف، سواء أكان ذلك تماهياً بالعرق، أو الإثنية، أو القوميّة، أو الدين، أو الطائفة، أو المذهب، أو التصور الأيديولوجي، أو الحيز المكاني، أو الثراث الحضاري العرقي الموغل في القدم، أو غير ذلك من عناصر هوياتية ومكونات ثقافية وأزمنة تاريخية وحضارية ومواطن وموائل وأولويات!

تلك هي الحقيقة الرّاسخة، وذلك على الرغم من أن إنسان الحياة والعالم، قد سعى منذ قرون عديدة وعبر الفكر الفلسفي والسياسي التنويري، إلى إنفاذ إرادة الإنسانية الحقة التي تتوق إلى تجلية حضور الإنسان، حضورا حرا ووضاء في الوجود، عبر قوانين ودساتير وأنظمة حياة تستجيب لحاجاته وأشواقه وتفتح أمامه أوسع الآفاق لمتابعة سعيه اللاهب إلى إدراك كماله الإنساني المحتمل، وتوسيع حريته وتعميقها، وترسيخ وجوده الإبداعي الخلاق في مساحات الحياة ومدارات الوجود!

نعم، لقد تابعت الحضارة الإنسانية شق طرقها المتعرجة والمتشابكة حتى أدركت حداثة اعتقد بعض البشر أنها تليق بهم وبغيرهم من البشر، فشرعوا في ابتكار حداثات تتجاوز نفسها إلى ما بعدها، وإلى ما بعد بعدها وما بعدها، وكانت مبادئ الإخاء الإنساني والحرية والعدل والمساواة منابع ثرية لتوليد فكرة الديمقراطية والشروع في تجسيدها على تباين أشكالها وتعدد تجلياتها في كيانات الدول.

غير أن التأمل في المآلات، على غرار ما فعل الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا وآخرون غيره، يقول إن هذه المسارات الحضارية التي أمعنت في تحقيق الخير والنعمة، قد أمعنت، في الوقت نفسه، في إلقاء فضلاتها على وجوه الحياة، وأحياز الطبيعة، وجباه الناس، فأثقلتها جميعا: انتهاكاً للحقوق والحريات من كل نوع ولون، ظلماً وطغياناً واستبداداً، وجشعاً لا يشبع، وممارسةً متعسفةً للقوة والسلطة، باسم السيادة المعززة بالقوة والسلطة، أو باسم “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”، أو باسم الإله الذي يسكن كليهما، مثلما يسكن نقائضهما، المتجليَّة والخفية في آنٍ معاً!

عبدالرحمن بسيسو
براتسلافا

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط