مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الإعلام الرقمي… من منبرٍ للمعرفة إلى ساحةٍ للفوضى

الإعلام الرقمي… من منبرٍ للمعرفة إلى ساحةٍ للفوضى

تاريخ النشر: 2025-10-12 | 10:44

مع اتساع فضاء الإعلام الرقمي، لم يعد الجهل حبيس المجالس الضيقة أو النقاشات العابرة، بل وجد طريقه إلى الملايين بلمسة إصبع. صارت المنصات منابر مفتوحة لكل من يملك صوتًا، لا لكل من يملك علمًا. في البداية، بدا ذلك فتحًا حضاريًا يوسّع دائرة التعبير، لكنه سرعان ما تحوّل إلى فوضى فكرية تُكافئ الأكثر ضجيجًا لا الأصدق برهانًا.

نشأت بيئة رقمية تشبه السوق الصاخبة: يختلط فيها العالم بالمدّعي، والمجرِّب بالعابث، والعقلاني بالمهووس. اختلطت الحقائق بالظنون، وتبدلت معايير الصدق من الدليل إلى عدد الإعجابات والمشاهدات. ومن هذا الهذيان الجماعي خرجت أفكار تنافي المنطق والعلم، تتحدّى التجربة وتستهزئ بالبرهان، ثم تجد جمهورًا يصفق لها، لا لأنها صحيحة، بل لأنها مثيرة ومريحة نفسيًا.

أخطر ما في هذا المشهد أنّه لا يكتفي بتزييف المعرفة، بل يُقوّض ثقة الناس بالعلم نفسه، فيزرع الشك في المنهج، ويُقدّس الشعور مكان العقل. فصار من السهل أن نسمع من ينكر الطب الحديث، أو يهاجم الفيزياء، أو يروّج لوصفاتٍ سحرية، أو يعبث بالكهرباء والنار أمام الكاميرا وكأنها ألعاب. كل ذلك باسم “الحرية” و”حق التعبير”، بينما الحقيقة أن ما يُمارَس هو اعتداءٌ صريحٌ على الوعي العام وسلامة المجتمع.


جائحة فكرية تمسّ كل مجالات الحياة:

هذه الجائحة الفكرية لم تتوقف عند حدود العلم وحده، بل امتدّت إلى كل مجالات الحياة دون استثناء. أصابت السياسة، فاختلط الرأي بالمؤامرة حتى ضاعت الحقيقة بين التضليل والدعاية. وسرَت في الاقتصاد، فامتلأت المنصات بخرافات “الثراء السريع” وعمليات الاحتيال المقنّعة بثوب الاستثمار. أما في الطب والعلاج، فقد صار كل صاحب هاتف “خبيرًا” يدّعي وصفةً سحريةً أو علاجًا بديلًا بلا علمٍ ولا ترخيص. وحتى الثقافة والزراعة لم تسلما من العدوى؛ فانتشرت نصائح زراعية مدمّرة، ومقولات ثقافية تُزيّف التاريخ وتشوّه القيم، تُقدَّم جميعها بوثوقٍ مدهش، وكأن الجهل صار مصدرًا للثقة.

لقد تحوّل الإعلام الرقمي إلى مسرحٍ واسعٍ يُمثَّل عليه كل ما يمكن للعقل أن يصدّقه أو يرفضه، بلا حارسٍ من المنطق ولا رقيبٍ من الضمير. وما لم يُدرك صُنّاع القرار أن هذه العدوى المعرفية تخرّب بنية التفكير قبل أن تُخرّب مؤسسات الدولة، فإننا نقترب من زمنٍ يصبح فيه التضليل رأيًا محترمًا، والحقيقة وجهة نظر.


ضرورة التشريع والمسؤولية الدولية:

أمام هذا الانفلات المعرفي، لم يعد الصمت خيارًا مسؤولًا. فكما تضع الدول قوانين لحماية البيئة من التلوث، يجب أن تُسن تشريعات تحمي العقول من التسمم الفكري. الحرية لا تكون مطلقة حين تمسّ حياة الناس أو سلامتهم، ولا يمكن أن تُترك المنصات الرقمية ساحةً بلا ضابطٍ تُبثّ فيها الوصفات الزائفة والتجارب الخطرة والنظريات المسمومة تحت شعار “الرأي الآخر”. فحين تتحوّل الكلمة إلى فعلٍ قابلٍ للتقليد يعرّض الآخرين للأذى، تصبح المسألة شأنًا عامًا لا رأيًا شخصيًا.

إن الحاجة باتت ملحّة لوضع إطارٍ قانونيٍّ واضحٍ يفرّق بين حرية التفكير وحرية التضليل. قوانين تُحمّل المنصات والمحتوى مسؤولية ما يُنشر فيها، وتُلزمها بحذف أو حظر أي مادةٍ تُخالف المسلمات العلمية الثابتة أو تُشجّع على ممارساتٍ تهدّد السلامة العامة. تلك ليست رقابةً على الفكر، بل حمايةً للعقل من العبث. فالمجتمعات التي تترك جهلها يتكلم بحريةٍ مطلقة، تُصادر وعيها دون أن تشعر.

ولأن الخطر عابرٌ للحدود، فالمسؤولية يجب أن تكون دوليةً مشتركة، تتبناها المنظمات الأممية والهيئات العلمية والإعلامية، لتضع ميثاقًا يوازن بين حرية النشر وواجب الصدق العلمي. إن صيانة الوعي الإنساني لم تعد شأنًا ثقافيًا فحسب، بل قضيةَ أمنٍ معرفيٍّ عالميٍّ لا تقل أهميةً عن الأمن الغذائي أو المناخي.



الخاتمة والتوصيات:

إن مواجهة هذا الانحدار المعرفي لا تكون بالمنع وحده، ولا بالصمت انتظارًا لصحوةٍ جماعيةٍ لن تأتي من تلقاء نفسها، بل بعملٍ متكاملٍ يجمع بين التشريع، والتعليم، والمساءلة.
فالتشريع هو السور الذي يحمي المجتمع من العبث المقصود، فيضع حدًّا لمن يستغل المنصات لبثّ الجهل باسم الحرية. والتعليم هو الجذر الذي يزرع في الأجيال مناعةً فكريةً تجعلهم يفرّقون بين العلم والخرافة، وبين الحقيقة والدعاية. أمّا المساءلة المجتمعية، فهي صوت الوعي الحيّ الذي يرفض السكوت على التضليل ويُطالب بالمسؤولية في القول كما في الفعل.

إن الحفاظ على سلامة العقول اليوم لا يقلّ أهميةً عن حماية الحدود أو الموارد، لأن الأمم لا تسقط حين تضعف جيوشها فقط، بل حين يختل وعيها الجمعي وتُصاب بالعمى الفكري.
لهذا، فإن صون الحقيقة لم يعد ترفًا فكريًا، بل واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا.
فمن يترك الجهل يتكلم باسم الحرية، سيجد نفسه ذات يومٍ يُحاكم الحقيقة بتهمة الإساءة إلى الوهم.

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط