مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الأصوليون الإسلاميون واللجوء للدول العلمانية

اللجوء السياسى ظاهرة عرفتها المجتمعات البشرية منذ زمن بعيد؛ واتخذت فى العصر الحديث اللجوء من دولة يراها اللاجئون ممثلة للقهر والظلم إلى دولة

يرون فيها النموذج من حيث العدل والحرية، هكذا رأينا مواطنى ألمانيا الشرقية يفرون عبر السور الشهير إلى ألمانيا الغربية مخلفين وراءهم ما يرونه قهرا وظلما مولين وجوههم إلى ما حيث الحرية والعدل، ورأينا أفرادا من الأمريكيين يلجأون إلى الاتحاد السوفييتى معقل العدل الاشتراكى كما رأينا العكس أفرادا سوفييت يفرون إلى الولايات المتحدة واحة الديمقراطية، وفى كافة تلك الحالات كان اللاجئون فرارا من الظلم يتوقون إلى أن تصبح نظم بلادهم على غرار نظم البلاد التى لجأوا إليها، وهو الأمر المنطقى تماما.

الاستثناء المدهش والملفت هو ما نراه لدى أبنائنا من المسلمين الأصوليين المتشددين الذين يجدون تضييقا وعنتا فى بلدانهم التى تعتنق غالبيتها السكانية الديانة الإسلامية وتعلن دولها أنها تلتزم بدرجة أو بأخرى بمرجعية الشريعة الإسلامية؛ فإذا بهم يتجهون لاجئين إلى دول غربية علمانية.

إن تيارات الإسلام السياسى جميعا على اختلاف تصنيفاتها تتفق على عدد من القضايا الأساسية لعل على رأسها إدانة الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة؛ واعتبار الهوية الدينية للدولة ضرورة عقائدية، وأن إقامة الخلافة الإسلامية يعد فريضة دينية إسلامية، ووسم جميع من ينادون بذلك الفصل بين الدين والدولة بالكفر والخروج على ثوابت العقيدة، وقد لاقت تلك الدعوات ومازالت تلاقى رفضا حادا من العلمانيين على مختلف ألوانهم فهم يدعون إلى الفصل بين الدين والدولة فصلا تاما ويعتبرون أنه من السخف إكساب الدولة وهى كيان مجرد صفة دينية؛ وينظرون إلى كافة أنصار تيارات الإسلام السياسى باعتبارهم أصوليين متطرفين.

صحيح أن ثمة العديد من الدول ذات الأغلبية السكانية المسلمة؛ تتخذ موقفا متشددا تجاه أنصار الدعوة لدولة دينية إسلامية يستظل بها المسلمون جميعا وتضيع معها الحدود بين تلك الدول؛ ولكن الأمر اللافت والجدير بالتأمل هو أن هؤلاء «الأصوليون المتشددون» حين تضيق بهم أوطانهم ذات الأكثرية المسلمة؛ يتجهون إلى دول «علمانية» لا تخفى التزامها الصارم بالفصل بين الدين والدولة. دول يستظل جميع من على أرضها، بمظلتها العلمانية، حيث يجد الملحدون متسعا للدعوة للكفر كما يجد الأصوليون متسعا للدعوة للإسلام شريطة أن يلتزم الجميع بعدم تحويل الكلمات إلى أفعال وعدم التدخل لمنع أحد من الدعوة إلى أفكاره مهما كانت شاذة فى نظر البعض.

واللافت للنظر أن هؤلاء الإسلاميين يلتزمون تماما بقوانين الدولة العلمانية الملحدة التى يستظلون بها والتى تضمن لهم ولغيرهم حرية التعبير عن آرائهم؛ وهو مالا يقبلون به قط فى نموذجهم الإسلامي، بل وكانوا لا يكفون فى بلدانهم الأصلية عن العمل باللسان واليد لمنع الدعوات للإلحاد والفجور. إنهم يقبلون فى تلك الدول العلمانية الملحدة عدم رفع الأذان للصلاة فى مكبرات الصوت و حظر الانقطاع عن العمل يوم الجمعة و عدم فرش سجاجيد الصلاة فى الشوارع لأداء الفريضة؛ وهو مالم يكونوا يطيقون فى دولهم الأصلية مجرد التلميح إلى شيء من ذلك. إنهم فى بلاد تتيح جهارا نهارا حرية الإلحاد والممارسات الجنسية المثلية والغيرية مادامت تتم بالتراضي؛ بقدر إتاحة تلك البلاد لحرية الإيمان بأى دين، وهو أمر لا تجرؤ السلطة فى أى بلد من بلدانهم الأصلية على مجرد الاقتراب منه؛ بل ولا يطيقون هم وهم فى بلادهم مجرد التفكير فيه أو السماح لغيرهم بتناوله.

والسؤال هو كيف يستقيم فى وعى هؤلاء الاحتماء بالدول العلمانية الديمقراطية فى حين تعلو أصواتهم فى بلدانهم الأصلية بإدانة تلك الديمقراطية العلمانية باعتبارها كفرا بواحا وتأليها للبشر؛ وخروجا على كل شرائع السماء.

الحل الذى ارتضته غالبية هؤلاء «الأصوليين» فى البلاد العلمانية التى هاجروا إليها أن يتقوقعوا فى تجمعات «إسلامية» مغلقة يمارسون داخلها معتقداتهم ملتزمين فى نفس الوقت التزاما صارما بما تقضى به قوانين تلك الدول العلمانية من تحريم التعرض للآخرين بما يمس معتقداتهم أو ممارساتهم الشخصية. ولذلك نجدهم مضطرين للقيام بتنقية معتقداتهم أو على الأقل حجب وإخفاء كل ما له علاقة بوجوب محاربة الكفر والفسوق والعرى والشذوذ وبإباحة تغيير المنكر باليد واللسان ووجوب قتل المرتد؛ وقبل كل ذلك وجوب إخضاع العلاقة مع «النصارى عبدة الصليب» و «اليهود أحفاد القردة والخنازير» للضوابط الشرعية المعروفة.

وفضلا عن ذلك فإنهم فى غمرة إدانتهم لما يتعرضون له من قمع فى بلادهم الأصلية لا يجدون غضاضة فى الإشادة بما تكفله قوانين تلك البلدان العلمانية من نزاهة فى القضاء وعدالة بين المواطنين؛ بل إنهم لا يكتفون بالوقوف عند حد الإشادة، بل يناشدون مؤسسات تلك الدول العلمانية التدخل للضغط على دولهم الأصلية وإدانة قادتها ليس لأنهم يخرجون على ثوابت الدين؛ بل لأنهم يخرجون على «ثوابت» الديمقراطية جوهر النظام الغربى العلماني.

والسؤال هو: هل يدرك شبابنا ممن يجتذبهم الفكر الأصولى حجم التناقض بين ما يدعوهم إليه قادتهم؛ واتخاذهم من دول الغرب العلمانى نموذجا وسندا؟ ولماذا والأمر كذلك لا يسعى أولئك الشبان إلى تبنى إقامة ذلك المجتمع العلمانى فى دولهم؛ ما داموا يعتبرونه النموذج الذى يجسد العدل والعدالة؟

عن الاهرام

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط