مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الإسلام المحارب وعسكرة المذاهب

الإسلام المحارب وعسكرة المذاهب

تاريخ النشر: 2016-01-19 | 09:56

رأى ماكس فيبر (1864-1920) أن المرحلة المدينية دشنت ما أطلق عليه «الإسلام المحارب»، ملاحظاً أن الإسلام قبل الهجرة إلى المدينة، كان مفهوماً توحيدياً نقياً، يمكن أن يكون قد أنتج زهداً دنيوياً. وفي كتابه «علم اجتماع الإسلام: دراسة نقدية لفكر ماكس فيبر» ناقش الباحث البريطاني براين تيرنر فرضية فيبر الأساسية القائلة: إن البروتستانتية ساعدت على تكوين الرأسمالية، بينما بقي الإسلام في بنيته مناهضاً لها، لأنه قائم على «دين المحاربين»، أي الأخلاق العسكرية ولا يملك قاعدة «تزهدية». واعتبر فيبر أن رغبة المقاتلين في هزيمة العالم أعطت الإسلام نظرة مميزة خاصة ومجموعة من النظم.
يساجل تيرنر في مقاله «الإصلاح الإسلامي وعلم اجتماع الدوافع» مقولة عالِم الاجتماع الألماني الذي نظر إلى تبني وحدانية محمد القرآنية للمصالح الاجتماعية والاقتصادية لأسلوب حياة المقاتلين، من زاوية إعادة تفسير طلب الخلاص في ضوء فكرة الجهاد بغية السيطرة على الأرض، فكانت النتيجة تحويل الإسلام إلى «دين قومي للمحاربين العرب» وكـ «دين مقاتلين». وقد انتقد المؤرخ التونسي هشام جعيط في الجزء الثالث من ثلاثيته «في السيرة النبوية: مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام» (ترجمة: خليل أحمد خليل، دار الطليعة، 2015) خلاصة فيبر، مشيراً إلى أن مفهوم «النبي المحارب» هو مفهوم منقوص، ربما يكون أكثر قبولاً مفهوم النبوة السياسية: مثلاً، مفهوم محمد «رجل الدولة»، مع أنه يمكن هنا أيضاً النقد على هذا النمط التمثّلي، مثلما يمكن النقد على ذلك الخلط الغامض بين الدِّين والسياسة الذي وصف به الإسلام عموماً». يأتي استخدام مصطلح «الإسلام المحارب» - هنا - بعيداً من الفهم الفيبري لبدايات التاريخ الإسلامي، وإن تطابق في بعض نتائجه مع أحوال «الجهاديين» في الأزمنة الراهنة، لا سيما حين خلص فيبر ـ كما يذكر تيرنر - إلى كيفية تعامل المحاربين مع النساء كـ «غنيمة مشروعة»، لافتاً إلى أن «موضوع الشهوانية كان سائداً في الإسلام المبكر إلى درجة أن فكرة الآخرة في الإسلام هي عبارة عن جنة شهوانية للجندي».
يبرهن السياق العام للإسلام المعاصر على حجم الصدامات المتكررة في المنظومة الإسلامية. وقد أدى التشظي الداخلي إلى بروز نتيجتين: الأولى، الممانعة القوية التي يبديها «الإسلام المحارب» - المقصود إسلام الفقهاء والإسلام التقليدي والإسلام الجهادي والإسلام السلفي الذي يرفض العصرنة - المتحصن في قلاعه إزاء أفكار وقيم الحداثة، كما لو أنه في مواجهة مع العالم كله؛ والثانية، انفجار المذهبية والعصبيات الطائفية وجنوحها نحو أنماط من العسكرة، التي ظهرت بشكلها العلني أقله منذ الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003.
أضفى تمدد «الدولة الإسلامية» في أجزاءٍ من الأراضي العراقية والسورية قوة شديدة للمذهبية المعسكرة النامية بفعل التغول الديني الذي تغذيه الدول الإقليمية في أسواق الحروب السياسية والدينية. لم تعد عسكرة المذاهب تقتصر على الأجنحة المسلحة من السلفية السنية الجهادية والشيعية، بل اتخذت طابعاً إيديولوجياً ودينياً وفقهياً يوازي السلاح تحت شعارات طهورية تشيطن الآخر وتقصيه عن الحق في الوجود، فتجعل منه مكوِّناً دينياً هجيناً لا علاقة له بالدين الحنيف.
آلت العسكرة الجهادية بأذرعها السُنيّة والشيعية إلى تفندق المذاهب الإسلامية وتقاتلها على أحقية النطق بالإسلام. ولعبت الصراعات السياسية على بؤر النفوذ في الإقليم دوراً حاشداً وتجييشياً في اصطفاف المذاهب، فترافقت مع تفكك مؤسسات الدولة وانهيارها في أكثر من دولة عربية بينها العراق وسوريا واليمن. وفي ما يتعدى مقولات الحروب الخشنة والناعمة بين المحاور الإقليمية، يكتسب الصراع على السيادة والقيادة السياسية في العالم العربي، بغضاً مذهبياً وطائفياً، لم يشهده الإسلام في تاريخه الحديث، ما من شأنه أن يساهم في تبدل خريطة المنطقة على نحو مأساوي. والحال، إن الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى آيلة إلى إعادة التشكل تحت وطأة حروب المذاهب وقلق الأقليات والانهيارات الدرامية للدولة الوطنية. ولعل الأخطر أن الناطقين باسم الدين والسياسات يعززون ثقافة الكره والتباغض بين المسلمين، وتمارس الوسائل الإعلامية دوراً تحريضياً في «حرب الجهالات» (كما يجترح إدوارد سعيد) فتكرس منابرها للاستقطاب السياسي والديني تحت شعار «إما معنا أو ضدنا». في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، انتشرت في العالم العربي الأفكار الاشتراكية والقومية، وشكلت العروبة بأبعادها كافة إطاراً جامعاً يتخطى الطوائف والمذاهب. وبرغم مما يسجله بعض المحللين والدارسين من انتقادات حول كيفية تعامل الدول التي رفعت لواء العروبة مع الأقليات الدينية والإثنية، إلاّ أنها أعطت للعرب هوية، في حين أنهم اليوم يتقاتلون تحت رايات المذاهب والطوائف في صدام مكشوف بين السُنّة والشيعة. وساهمت عوامل إقليمية بارزة في تذرير هوية العرب الحضارية، حيث اكتسبت الصحوات العصبية الدينية المسلحة التي اشتَدَّ أُوَارُهَا في ظل التعملق الشيعي والمخاوف السُنّية، صلابة، تُفتت كل من يصطدم بها. وعززت التحوّلات في المشهد العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وعولمة الجهاد، صعود الأصوليات الدينية واستشراء الحروب الدينية على الساحة الكونية بين الأصولية الجهادية والأصولية الإنجيلية، بين الإسلاميين الجدد والمحافظين الجدد، بين مجانين الله ومجانين المسيح، على حد تعبير المفكر التنويري علي حرب.
يدرج الكاتب العراقي فالح عبد الجبار ظاهرة التسييس وعسكرة الهويات المذهبية المعاصرة، الجديدة، والظرفية، أي الانتقالية، في خانة المتغيرات الكبرى لتاريخ تكوين الدولة الحديثة؛ فالطابع المركزي/الاحتكاري المفرط للدولة الحديثة واختلال بنيتها، أثمر عن فشلها في بناء الأمة ـ الدولة (راجع: فالح عبد الجبار، بناء الأمة ـ الدولة ومشكلة الانشطارات الدينية/ المذهبية من التسييس إلى العسكرة، مقاربة سوسيولوجية ـ سياسية (أنموذج العراق)، موقع الحزب الشيوعي العراقي).
ما يحدث الآن انتصارات دموية للإسلام المذهبي والمحارب، يقودها الجهاد الديني والانقسامات المذهبية واهتزاز الأنظمة السياسية العربية، وسط الفوضى والضبابية غير المسبوقتين في النظامين الإقليمي والدولي. يؤكد التمذهب والتطرف وظواهر عسكرة المذاهب، النفوذ الصلد للدين الذي يفوق سلطة الدولة والقوانين في العالم العربي.

عن السفير

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط