مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الإخوان المسلمون... من عنف الخطاب إلى عنف الممارسة

الإخوان المسلمون... من عنف الخطاب إلى عنف الممارسة

تاريخ النشر: 2013-10-07 | 05:33

أمد/ كتب د.احمد زايد: لماذا هذا التحول التاريخي في الممارسة السياسية لدى جماعة الإخوان المسلمين؟ لماذا التحول من خطاب دعوي - أو دعوي سياسي - إلى الجنوح لاستخدام العنف، ثم إلى ما هو أبعد من العنف، أي الإرهاب؟ يشغل هذا السؤال وما يحيط به من أسئلة المراقبين والمهتمين بدراسة الجماعات الدينية. ويزداد الإلحاح في البحث عن إجابة عندما نسمع أن الخطاب الاخواني- على رغم العنف الظاهر في الممارسات السياسية الاحتجاجية وغير الاحتجاجية - لا يزال خطاباً مثقلاً بادعاءات السلم واتهام الآخرين بالعنف اتهاماً ينطوي على كثير من المغالطة والعنف. تحدث هذه الادعاءات على أصداء أصوات السلاح الذي يستخدم بأيدي الإخوان ليردي القتلى من المدنيين والعسكريين مع إسراف شديد في القتل يصل إلى حد التمثيل بالجثث وعرضها على الملأ. وبصرف النظر عن بعض حوادث العنف التي قامت بها الجماعة والتي كان أشهرها حادثة اغتيال النقراشي باشا عام 1948، فإن ثمة ادعاء دائماً بالسلمية، وثمة ممارسات تعتمد على التحالفات السرية والعلنية وعلى ممارسات أدائية – وسيلية تضع مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار. ولكن ما لبث هذا الوجه أن اختفى أمام تحول تاريخي إلى استخدام العنف ليس فقط ضد الدولة وإنما ضد الشعب الأعزل أيضاً. وهذا التحول هو الذي جعل طرح السؤال أمراً ملحاً ومهماً.
وأغلب الظن أن الميل إلى العنف – وتبرير استخدامه – متجذر في الخطاب الإخواني؛ وأن الدعوة إلى استخدامه ظهرت في هذا الخطاب، على نحو ضمني في الصياغات الأولى وعلى نحو صريح في بعض الصياغات التالية. ونفترض هنا أن الممارسات السياسية الصراعية بين الإخوان والدولة قد أفرزت ميلاً نحو التشدد والتطرف، ومن ثم الجرأة على تحويل هذه الصياغات الفكرية إلى ممارسات عملية بمجرد أن أتيحت لهم أول فرصة. وقد نحتاج بداية إلى أن نتأمل بعض الصياغات الفكرية الإخوانية في ما يتصل باستخدام العنف كوسيلة جهادية.
وعلى رغم أن المؤسس الأول للجماعة (حسن البنا) لم يناد باستخدام العنف، وكتب عن ضرورة الخلاف، وأهمية التجميع من دون التفريق، وأهمية أن نتعامل مع أعداء الجماعة (أطلق عليهم المتحايلين بلغته) بالدعاء والنداء والرجاء، وأن تعتمد الجماعة في دعوتها على الأساليب الحديثة من «نشرات ومجلات وجرائد ورسالات ومسارح وحاكٍ ومذياع». نقول إن على رغم ذلك، فإنه قد تحدث في نصوص كثيرة عن الجهاد وعن أهمية استخدام السيف إذا فشلت الحجة والبرهان، وعن حراسة الحق بالقوة، مستشهداً بقول الشاعر:
«والناس إذ ظلموا البرهان واعتسفوا
فالحرب أجدى على الدنيا من السلم».
ولقد تحولت هذه الجذور العقدية، التي كانت تنسج في شكل غير مباشر وفي سياق الحديث عن الجهاد في الإسلام، تحولت إلى دعوة صريحة في الصياغات التي قدمها سيد قطب في كتابات السجن، والتي كان أهمها كتاب «معالم على الطريق». ثمة أربع نقاط جوهرية هنا أحدثت تحولاً نوعياً في الخطاب الإخواني: الأولى هي نزع الإسلام عن الحضارة الإسلامية في ما بعد دولة الراشدين، وعن الحكام المسلمين المعاصرين، بل وعن الشعوب الإسلامية، حيث يعيش العالم كله اليوم في «جاهلية... تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية». والثانية هي الدعوة الصريحة إلى القطيعة مع المسلمين؛ فأولى خطوات الطريق هي الاستعلاء على المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته وألا يتم التصالح أو المهادنة معه «إننا وإياه على مفرق الطريق وحين نسايره خطوة واحدة، فإننا نفقد الطريق». والثالثة هي منح أولئك الذين يسيرون في هذا الطريق سلطة رسوليه لتغيير المجتمع بانتزاع السلطان» من مغتصبيه من العباد وردّه إلى الله وحده» من طريق مجتمع حركي يكون «تمثيلاً صحيحاً وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي»، ويكون أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية وروابطه وعلاقاته ووشائجه من المجتمع الجاهلي القائم فعلاً. والرابعة هي تقرير استخدام القتال لتحرير الإنسان من مجتمع الجاهلية:
«وَمَنْ لَـمْ يَـذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِه

يُـهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الـنَّاسَ يُظْلَمِ».
وعلى رغم أن هذه الدعوة التي تنتصر لاستخدام العنف وتكفير المجتمع قد لاقت رفضاً من بعض قادة الإخوان (أنظر كتاب الهضيبي بعنوان «دعاة لا قضاة»)، فإنها لاقت قبولاً لدى بعض الشباب، الذين التفوا حول سيد قطب وظلوا يكافحون العزلة داخل الجماعة إلى أن تربعوا على عرشها فهم يشغلون مواقع القيادة الآن (كان منهم محمد بديع ومحمود عزت). لقد كون هؤلاء تياراً متشدداً داخل الجماعة كان له الانتصار في النهاية، وأصبح الشباب الذين آمنوا بأفكار الجاهلية والتكفير والحاكمية قادة للجماعة؛ وتحولوا من فئة معزولة داخل الجماعة إلى فئة قوية تحكم قبضتها على التنظيم. وتعد العدة للانقضاض على المجتمع والدولة (ربما يفسر لنا ذلك التسرع الشديد في القرارات والإجراءات الذي وسم فترة حكم الإخوان وعجّل في سقوطهم).
ليس غريباً إذاً أن يكون العنف وسيلة جوهرية من وسائل هذه الجماعة، وهو عنف لم يظهر فقط بعد أن فقدوا حكم مصر، ولكنه ظهر قبل ذلك وأثناء الثورة نفسها. فإذا كان لنا أن نقرأ مشهد العنف المعاصر لجماعة الإخوان، فإننا يجب أن نرجع بهذا المشهد إلى الأيام الأولى للثورة، ونتتبع مساراته حتى الآن. وأستطيع أن أرصد في هذا المشهد ثلاث استراتيجيات لاستخدام العنف، اختلفت باختلاف السياق: الأولى استخدام العنف لإحداث فوضى وإرباك مؤسسات الدولة في بدايات الثورة لكي تتحول الثورة من السلمية إلى العنف وتتمزق العلاقة بين الجيش وقوى الأمن والشعب (نستدعي في هذا السياق فتح السجون، والاعتداء على أقسام الشرطة والمؤسسات الرسمية).
وتمثلت الإستراتيجية الثانية في استخدام العنف الرمزي للدولة أو الاستقواء بها أثناء فترة حكم الإخوان «30 حزيران (يونيو) 2012- 3 تموز (يوليو) 2013» وذلك لتفكيك أواصر الدولة «الكافرة طبعاً»، والعمل على إحكام قبضة الإخوان عليها (نستدعي في هذا السياق الحصارات الشهيرة لمدينة الإنتاج الإعلامي والمحكمة الدستورية، وقتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية، وإرباك السلطة القضائية والشرطة)؛ وكانت الإستراتيجية الثالثة هي الكشف عن الوجه السافر للعنف بعد فقدان كرسي العرش. لقد كان العنف هنا طاغياً يسرف في القتل ويختلط بالإرهاب على نحو ظاهر إذ يحاول – بطريقته في القتل والتمثيل بالجثث – أن يلقي بالخوف في القلوب وأن يروع الناس؛ (ومن المعروف أن التخويف والترويع هو الخط الفاصل بين العنف والإرهاب) وهو ما يحول العنف إلى الإرهاب.
وبناءً عليه، فإن استخدام العنف في ما بعد فض الاعتصام لم يكن جديداً، بل كان استمراراً لاستراتيجيات عنف مبيتة ومستخلصة من فكر متطرف. لقد كان الجديد فيه هو السفور، أعني الكشف عن الوجه السافر للعنف. لقد كان السلاح في بداية الثورة يوجه من خلال أيادٍ خفية تضرب من وراء ستار، وكان أثناء الحكم يوجه من خلال أنصار ومؤيدين وبلطجية، أما الآن فإنه يوجه مباشرة – وفي العلن وأمام الكاميرات – إلى وجه الدولة والمجتمع. وهنا نطرح أسئلة الختام: هل يمكن القول إن الإرهاب يتخذ وجهاً جديداً؟ وهل هذا الشعور يصنع بداية النهاية؟ وما موقف التنظيم الدولي من هذا التحول؟ وهل يمكن أن يستعاد موقف الهضيبي، ويظهر من بين جماعة الإخوان من يقول لهم نحن دعاة لا قضاة؟ أم أن رفع السلاح يعني خفض الخطاب بل موته؟ وقبل هذا وذاك كيف يكون موقفهم من الوطن الذي رعاهم ومنحهم الفرصة لكي يتعلموا، ولكي يكون لهم خطاب وتنظيم، فلما شبّوا عن الطوق رفعوا في وجهه السلاح واعتبروه لا وطن؟
* استاذ في علم الاجتماع السياسي في كلية الآداب - جامعة القاهرة
عن الحياة اللندنية

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط