مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الأجهزة الأمنية… والمشروع الوطني الغائب

الأجهزة الأمنية… والمشروع الوطني الغائب

تاريخ النشر: 2026-08-18 | 11:59

فراس الطيراوي
فراس الطيراوي

ليست أزمة الفلسطينيين اليوم في نقص الشجاعة أو الاستعداد للتضحية؛ فقد دفع شعبنا من الدم والحرية والأرض ما يكفي لإثبات ذلك. الأزمة الأعمق هي غياب مشروع وطني جامع، قادر على تحويل هذه التضحيات إلى قوة سياسية، وعلى تحديد الأولويات والأدوار وأدوات المواجهة في واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية.

في اللحظات المصيرية، لا تكفي الشعارات، ولا تُدار معارك الشعوب بردود الفعل. فالشجاعة، مهما بلغت، تحتاج إلى رؤية، والتضحية تحتاج إلى هدف سياسي، والغضب المشروع يحتاج إلى من يستطيع تحويله إلى فعل منظم يحمي الناس والأرض بدل أن يضيف خسائر جديدة إلى سجل طويل من الألم.

ومنذ اندلاع الحرب على غزة، وما رافقها من توسع استيطاني متسارع وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، عاد النقاش الفلسطيني بقوة حول شكل المواجهة المطلوبة، وحول دور المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

هذا النقاش مشروع وضروري. فلا مؤسسة فوق النقد، ولا سياسة محصنة من المساءلة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى تخوين، والنقاش إلى محاكمة للوطنية، وتُختزل قضية معقدة في سؤال واحد: لماذا لا تقاتل الأجهزة الأمنية جيش الاحتلال؟

قبل الإجابة، علينا أن نسأل سؤالًا أبسط: هل نتعامل مع الواقع كما هو، أم كما نتمنى أن يكون؟

الأجهزة الأمنية الفلسطينية ليست جيشًا نظاميًا، ولا تملك دبابات ولا طائرات ولا دفاعا جويا ولا منظومات تسليح تسمح لها بالدخول في مواجهة مفتوحة مع جيش يمتلك تفوقا هائلا في القوة النارية والتكنولوجيا والاستخبارات.

يمكن، بل يجب، نقد أداء هذه الأجهزة حيث تخطئ، ومساءلتها عن سياساتها وممارساتها، والمطالبة بإصلاحها وتطوير عقيدتها بما يخدم المجتمع ويحفظ كرامة المواطن. لكن مطالبتها في الوقت نفسه بخوض حرب لا تملك أدواتها، ثم اعتبار عدم فعل ذلك دليلاً على الخيانة، ليست قراءة واقعية لموازين القوى ولا لطبيعة هذه المؤسسات.

وقد ظهر هذا التناقض بوضوح في الحادثة التي وقعت في بيت لحم، عندما تعرض أفراد من الشرطة الفلسطينية للاحتجاز من قبل قوات الاحتلال، بينما كانوا في مهمة لحفظ الأمن وفض اشتباك عائلي.

المؤلم في المشهد لم يكن سلوك الاحتلال وحده، فهذا جيش احتلال يتصرف بمنطق القوة ويفرض سيطرته حيث يستطيع، وإنما ما أعقب الحادثة من تندر وسخرية لدى بعض الفلسطينيين من أفراد الشرطة أنفسهم.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا كان يُنتظر من هؤلاء أن يفعلوا؟

هل كان المطلوب من رجال شرطة، بإمكاناتهم وتسليحهم المحدود، أن يفتحوا النار على قوة عسكرية مدججة بالسلاح؟ وأن يدخلوا في مواجهة غير متكافئة يعرف الجميع نتائجها مسبقا؟ وهل كان سقوطهم شهداء سيجعلهم أكثر وطنية في نظر الذين سخروا منهم؟

السخرية من شرطي فلسطيني يحتجزه جيش الاحتلال لا تغير حقيقة المشهد: هناك قوة احتلال تستطيع دخول مدينة فلسطينية واحتجاز أفراد شرطة فلسطينيين وهم يؤدون مهمة داخلية. هذه هي المشكلة التي تستحق أن نتوقف أمامها، بدل أن نحول الإهانة التي يفرضها الاحتلال إلى مناسبة للسخرية من الفلسطيني الواقع تحت سلطته.

وهؤلاء الذين يعملون في الأجهزة الأمنية ليسوا جسما غريبا عن المجتمع الفلسطيني. هم أبناء المدن والقرى والمخيمات، ومن عائلات عرفت الشهداء والأسرى والجرحى، ويعيشون تحت الاحتلال نفسه الذي يعيشه بقية أبناء شعبهم. قد نختلف معهم، وقد ننتقد أداء مؤسساتهم، وهذا حق لا جدال فيه، لكن تعميم تهم العمالة والخيانة على آلاف الفلسطينيين لا يصلح مؤسسة ولا يغير سياسة، وإنما يضيف شرخا جديدا  إلى مجتمع أنهكته الانقسامات.

وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول الحديث عن الواقعية إلى ذريعة للصمت أمام ما يجري في الضفة الغربية.

فالاستيطان يتقدم، واعتداءات المستوطنين على القرى والمزارعين والممتلكات تتصاعد، والتجمعات الفلسطينية، ولا سيما في المناطق المهددة، تواجه ضغوطا متزايدة هدفها دفع السكان إلى الرحيل وفرض وقائع جديدة على الأرض. وما يجري ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل جزء من مشروع سياسي يسعى إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وتحويل الوجود الفلسطيني إلى جزر معزولة ومحاصرة.

ومن هنا يجب أن ينتقل النقاش من السؤال السهل: لماذا لم تطلق الأجهزة الأمنية النار؟ إلى السؤال الأصعب والأهم: ما خطتنا الوطنية لمواجهة هذا المشروع؟

كيف نحمي القرى المهددة؟ كيف ندعم المزارعين وأصحاب الأراضي؟ كيف نعزز بقاء الفلسطيني على أرضه؟ وكيف نجمع العمل الشعبي والسياسي والقانوني والدبلوماسي في استراتيجية واحدة، بدل أن تبقى الجهود مبعثرة وردود الفعل موسمية؟

هذه، في تقديري، هي المعضلة الحقيقية.

القضية الفلسطينية لا تعاني نقصا في الشعارات ولا في الاستعداد للتضحية. ما ينقصها اليوم هو مشروع وطني واضح يحدد الهدف وأدوات الوصول إليه، ويوزع المسؤوليات، ويعيد جمع الطاقات الفلسطينية التي استنزفتها سنوات الانقسام والصراع الداخلي.

ولا يمكن الحديث عن ذلك من دون التوقف عند ظاهرة باتت ثقيلة على النقاش الفلسطيني: المزايدة من مسافة آمنة.

من السهل أن يجلس أحدنا خلف شاشة هاتف، أو على بعد آلاف الأميال، ويطالب الآخرين بخوض مواجهة مفتوحة. ومن السهل أيضا توزيع شهادات البطولة والخيانة عندما يكون شخص آخر هو الذي سيدفع الثمن.

لكن الوطنية ليست منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا مسابقة في رفع سقف الكلمات. ومن يدعو الناس إلى خيار يدفعون ثمنه من حياتهم وبيوتهم وأبنائهم، عليه أن يقدم أكثر من شعار: عليه أن يشرح أين يقود هذا الخيار، وما هدفه، وما أدواته، وما فرص نجاحه، وما الثمن المتوقع منه.

وهذا الكلام لا يعني الاستسلام للاحتلال، ولا القبول بالاستيطان أو اعتداءات المستوطنين، ولا إسقاط حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال والدفاع عن حقوقه. لكنه يعني التمييز بين المقاومة بوصفها فعلا وطنيا له هدف واستراتيجية، وبين رد الفعل الذي قد يكون صادقا وشجاعا، لكنه يستهلك الناس من دون أن يغير الواقع السياسي.

لقد دفع الفلسطينيون أثمانًا باهظة، ولذلك يستحقون قيادة تحسب أثمان قراراتها قبل أن تطلب منهم دفع المزيد.

المطلوب اليوم ليس أن نبحث عمن نعلّق عليه مسؤولية المأزق الفلسطيني كله، سواء كان جهازًا أمنيًا أو فصيلًا أو مؤسسة. المطلوب أن نسأل عن المشروع الذي يجمع هذه المؤسسات والقوى ضمن هدف وطني واحد.

أين القيادة القادرة على إعادة بناء هذا المشروع؟ أين البرنامج الذي يحمي الأرض ويعزز صمود الناس؟ وأين توزيع الأدوار بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمع المدني والفعاليات الشعبية، بحيث يعرف كل طرف ما الذي يستطيع فعله وما الذي يُطلب منه؟

مواجهة المشروع الاستيطاني ليست مهمة جهاز أمني وحده، كما أنها ليست مسؤولية فصيل بعينه. إنها مسؤولية وطنية تحتاج إلى قرار وقيادة وبرنامج طويل النفس، يستثمر ما لدى الفلسطينيين من عناصر قوة سياسية وقانونية ودبلوماسية وشعبية، بدل استنزافها في الصراعات الداخلية.

ولعل أحد أخطر نجاحات الاحتلال أن يتحول غضب الفلسطيني من الاحتلال إلى غضب على الفلسطيني الآخر؛ وأن تنشغل الضحية بمحاكمة ضحية أخرى، بينما يستمر المشروع الذي يهدد الأرض والمستقبل.

لذلك يجب أن نفرق بين النقد والتخوين، وبين الإصلاح وهدم المؤسسات، وبين الاختلاف السياسي وإلغاء الآخر. من حق كل فلسطيني أن ينتقد أي مسؤول أو مؤسسة، وأن يطالب بالمحاسبة والشفافية والإصلاح. لكن لا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا توزيع شهاداتها، ولا نزعها عمن يختلف معه.

نحن بحاجة إلى خطاب يعيد البوصلة إلى مكانها: حماية الإنسان الفلسطيني، وتثبيته على أرضه، ومواجهة الاستيطان، واستعادة الوحدة الوطنية، وبناء استراتيجية تعرف ما تريد قبل أن تقرر كيف تقاتل من أجله.

فالسؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس: لماذا لم يطلق الشرطي الفلسطيني الرصاصة الأولى؟

السؤال هو: أين المشروع الوطني الذي يعرف متى تُطلق الرصاصة، ومتى تتحرك السياسة، ومتى يُستخدم القانون، وكيف تتحول كل هذه الأدوات إلى فعل واحد يخدم هدفا وطنيا واضحا ؟

الوطن لا يُدار بالشعارات، والانتصارات لا تصنعها المزايدات. ما يصنع الفارق هو وضوح الهدف، ووحدة الإرادة، وحسن إدارة عناصر القوة، والقدرة على تحويل الغضب والتضحية إلى إنجاز سياسي.

وعندما نستعيد مشروعا وطنيا يجمع الفلسطينيين حول هدف واضح، لن نحتاج إلى توزيع شهادات الوطنية أو صكوك التخوين على بعضنا البعض. عندها فقط تعود البوصلة إلى الاتجاه الذي يجب ألا تغادره: الاحتلال والاستيطان، وحماية الإنسان الفلسطيني وأرضه ومستقبله.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط