مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الاتزان الاستراتيجي.. وفلسفة تعظيم المشتركات

الاتزان الاستراتيجي.. وفلسفة تعظيم المشتركات

تاريخ النشر: 2026-06-21 | 13:06

إذا كانت الدبلوماسية الهادئة قد شكلت المدخل الذى استعادت من خلاله مصر حضورها الإقليمى ومكانتها الدولية، خلال السنوات التى أعقبت 30 يونيو، فإن «الاتزان الاستراتيجى» كان الإطار الفكرى والسياسى الذى حكم حركة الدولة المصرية فى بيئة دولية وإقليمية تزداد تعقيداً واستقطاباً عاماً بعد آخر.

فالعالم الذى تشكلت ملامحه خلال العقد الماضى لم يعد ذلك العالم الذى ساد بعد نهاية الحرب الباردة، حيث تهيمن قوة واحدة على النظام الدولى وتفرض قواعده على الجميع، بل أصبح عالماً تتزاحم فيه القوى الكبرى، وتتصاعد فيه المنافسات الجيوسياسية، وتتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والأمنية بصورة غير مسبوقة.

وفى مثل هذه البيئة، لم يعد الانحياز الكامل إلى محور واحد أو الارتهان لشريك دولى بعينه خياراً عملياً للدول التى تسعى إلى حماية مصالحها وتعظيم هامش حركتها.

ومن هنا برزت أهمية المقاربة المصرية التى يمكن وصفها بـ«الاتزان الاستراتيجى»، وهى مقاربة لا تقوم على الحياد السلبى أو الوقوف فى المنطقة الرمادية، وإنما على بناء علاقات متنوعة ومتوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بما يضمن تحقيق المصالح الوطنية المصرية دون الدخول فى صراعات المحاور أو دفع أثمان الاصطفافات الحادة.

لقد أدركت القاهرة مبكراً أن التحولات الدولية المتسارعة تفرض على الدول المتوسطة والكبرى فى أقاليمها أن توسع خياراتها، وأن تتجنب حصر مصالحها فى اتجاه واحد.

ولذلك اتجهت السياسة الخارجية المصرية إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات مع أطراف متعددة، مستفيدة من موقع مصر الجغرافى وثقلها السياسى ودورها التاريخى فى محيطها الإقليمى.

وفى هذا السياق، حافظت مصر على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، باعتبارها قوة دولية رئيسية وشريكاً مهماً فى العديد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وفى الوقت نفسه عملت على تطوير علاقاتها مع روسيا فى مجالات متعددة، كما وسعت من نطاق تعاونها مع الصين، التى أصبحت أحد أهم اللاعبين الاقتصاديين على الساحة الدولية.

ولم تنظر القاهرة إلى هذه العلاقات باعتبارها بدائل متصارعة، وإنما باعتبارها دوائر متكاملة يمكن توظيفها لخدمة المصالح المصرية.

كما امتدت هذه الفلسفة إلى العلاقات الإقليمية، حيث حرصت مصر على بناء شراكات قوية مع الدول العربية الرئيسية، وتعزيز علاقاتها مع القوى المؤثرة فى محيطها الإقليمى، مع الاحتفاظ فى الوقت ذاته باستقلالية قرارها السياسى وعدم ربط مواقفها بأجندات الآخرين أو حساباتهم الخاصة.

ولم يكن الهدف من هذا النهج مجرد تنويع العلاقات الخارجية، بل تعظيم المساحات المشتركة مع مختلف الأطراف. فبدلاً من التركيز على نقاط الخلاف والتناقض، سعت القاهرة إلى البحث عن مجالات التعاون الممكنة، سواء فى ملفات الأمن الإقليمى، أو مكافحة الإرهاب، أو الطاقة، أو التجارة والاستثمار، أو قضايا التنمية والاستقرار.

ومن هنا جاءت فلسفة «تعظيم المشتركات»، التى أصبحت إحدى السمات البارزة للسياسة الخارجية المصرية خلال العقد الأخير.

فالدولة المصرية تعاملت مع العلاقات الدولية باعتبارها شبكة مصالح متداخلة، لا معارك صفرية يربح فيها طرف ويخسر الآخر.

ولذلك كان الهدف الدائم هو توسيع دوائر التوافق كلما أمكن، وتقليص مساحات الصدام كلما كان ذلك ممكناً دون الإضرار بالمصالح الوطنية أو الثوابت الاستراتيجية.

وقد انعكست هذه المقاربة على قدرة مصر على الحفاظ على علاقات مستقرة مع أطراف تتباين مواقفها تجاه العديد من القضايا الدولية والإقليمية.

ففى الوقت الذى شهدت فيه الساحة الدولية موجات متتالية من الاستقطاب السياسى والاقتصادى، نجحت القاهرة فى الاحتفاظ بهامش حركة واسع مكّنها من التواصل والتعاون مع مختلف القوى الفاعلة، دون أن تتحول إلى جزء من صراعاتها أو رهينة لخلافاتها.

كما ساعد هذا النهج مصر على التعامل بمرونة مع الأزمات المتلاحقة التى شهدتها المنطقة، سواء فى المشرق العربى أو القرن الأفريقى أو شرق المتوسط.

فالاتزان الاستراتيجى منحها القدرة على التحرك بين الأطراف المختلفة، وفتح قنوات الحوار، والحفاظ على مصالحها فى بيئات شديدة التعقيد والتقلب.

والأهم من ذلك أن هذه السياسة عززت صورة مصر كدولة تتخذ قراراتها انطلاقاً من تقديرها لمصالحها الوطنية، لا استجابة لضغوط خارجية أو استقطابات أيديولوجية.

وهو ما منحها قدراً كبيراً من المصداقية والاحترام لدى شركائها، ورسخ مكانتها كطرف قادر على بناء الجسور أكثر من بناء المتاريس.

لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الاتزان الاستراتيجى لم يكن مجرد تكتيك مرحلى فرضته ظروف معينة، بل أصبح جزءاً من فلسفة أوسع لإدارة العلاقات الخارجية المصرية. فلسفة تقوم على تنويع الخيارات، وتوسيع الشراكات، وتعظيم المشتركات، والحفاظ على استقلالية القرار الوطنى فى عالم تتزايد فيه الضغوط وتتراجع فيه المساحات المتاحة للحركة المستقلة.

ومن هذه الفلسفة انطلقت مصر إلى ملفات أكثر تعقيداً وحساسية فى محيطها الإقليمى، حيث لم تعد المهمة تقتصر على إدارة العلاقات الدولية، وإنما امتدت إلى التعامل مع أزمات وصراعات متشابكة تمس بصورة مباشرة الأمن القومى المصرى والاستقرار الإقليمى.

وهى الملفات التى ستتناولها الحلقة القادمة، والتى ستكون بعنوان: «من فلسطين إلى السودان.. فن إدارة الأزمات فى زمن مضطرب».

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط