مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

اغتيال الحدّاد: ضربة أمنيّة مغرية في لحظة إقليميّة مربكة

اغتيال الحدّاد: ضربة أمنيّة مغرية في لحظة إقليميّة مربكة

تاريخ النشر: 2026-05-17 | 16:45

مع الاعتراف بصعوبة تحليل مشهد التّصعيد الأخير في غزّة ضمن سياق ما يدور في كامل المنطقة، إلّا أنّ ما أغراني لخوض هذه المغامرة هو اعتقادي أنّ اغتيال شخصيّة عسكريّة قياديّة بحجم عزّ الدّين الحدّاد يشكل تطوّراً يتجاوز حدود الحدث الأمنيّ في القطاع، إلى مساحة أوسع من الحسابات المرتبطة بالبنية الجيوسياسيّة في الإقليم، فضلًا عن تجاوزه حدود سياسات الانتقام التي تعمل عليها إسرائيل طيلة الوقت، إلى فضاء التفاعلات الدّاخليّة وتداعياتها في موسم الانتخابات نهاية هذا العام.

وذلك، لأنّ توقيت هذا الاستهداف لقائد كتائب القسّام في غزّة، على أهمّيّته الأمنيّة، يُعدّ توقيتاً شديد الحساسيّة، حيث تتقاطع مسارات الساحات المتفاعلة: غزّة، لبنان، وإيران حول السّياق السّياسي، وتتداخل في الخلفيّة تعقيدات المسار التفاوضيّ في باكستان مع مخرجات اللّقاء الأمريكيّ الصينيّ الّتي تشي بإمكانيّة إعادة رسم بعض أولويّات واشنطن في المرحلة القريبة المقبلة.

من هنا، يبدو لي أنّ فكرة الاغتيال نفسها جزءًا من مشهد أكبر تحاول من خلاله تلّ أبيب، إرسال المزيد من الرسائل متعدّدة الاتّجاهات، لا ترتبط فقط بمستقبل قطاع غزّة، قدر ما تجتهد لربطها بحدود الدّور الأمريكيّ، وبشكل الإقليم الّذي يجب - بوجهة النظر الإسرائيليّة - أن يُعاد ترتيبه تحت مستوى النار لا تحت سقوف التسويات، وكأنّها تقول إنّ إسرائيل قادرة على الحضور المؤثّر عبر القوّة، وإن ذهبت أمريكا بعيداً عبر مسار التفاهمات السّياسيّة؛ وهو ما يُعدّ محاولة إسرائيليّة جادّة لتثبيت موقعها قبل الدّخول في أيّ تسويات أو تفاهمات جديدة.

ففي غزّة، تحمل العمليّة رسالة واضحة باتّجاهين، عنوانهما العريض أنّ إسرائيل تسعى إلى إعادة تعريف شروطها لليوم التالي. أمّا الاتّجاه الأوّل فيقول إنّ استهداف شخصيّة بوزن الحدّاد، يعني توجيه ضربة مؤلمة للبنية القياديّة والتنظيميّة لحركة حماس الرّافضة حتّى الآن لشرط تسليم السلاح، على الرّغم من كونها مرهقة عسكريّاً ومتراجعة سياسيّاً لأسباب مختلفة ومتداخلة؛ فيما يشير الاتّجاه الثاني إلى ارتباط الحدث برفع الكلفة السّياسيّة لأيّة ترتيبات محتملة يمكن أن تخرج بها الاجتماعات الفلسطينيّة في القاهرة أو عبر الوسطاء.

إلّا أنّ هذه الرسالة بتقديري، تكتسب أهمّيّة إضافيّة إذا ما وضعناها في سياق الحديث عن تطبيق خطّة ترامب للسّلام، حيث تتحرّك تلّ أبيب بهذا المعنى لتفرض دخولها لأيّ مسار سياسيّ من موقع المنتصر، مستندة إلى موازين القوّة الّتي حاولت إعادة تشكيلها تحت سقف النار؛ وهي رسالة للاستهلاك المحلّيّ في المقام الأوّل.

في الأثناء، تظهر الساحة اللبنانيّة بوصفها جزءاً من معادلة أوسع؛ فالتصعيد المتبادل على الجبهة الشماليّة مع حزب الله، يفتح الباب أمام قراءة تعتبر أنّ الضغط العسكريّ على غزّة، يمكنه أن يمتدّ تلقائيّاً إلى الجبهة الشماليّة، وأنّ أيّ تراجع في واحدة من الساحتين يمنح الأخرى هامش حركة أوسع. أي أنّ العمليّة في قطاع غزّة تحمل رسالة مهمّة وضروريّة للساحة اللبنانيّة، تؤكّد من خلالها إسرائيل أنّها لا تلتزم بأيّ اتفاق لا يلبّي شروطها، قدر استعدادها الكامل للمضيّ قدماً في الحلول العسكريّة.

أميل إلى هذه القراءة مع إدراكي أنّها قابلة للدّحض، ببساطة لأنّ توقيت عمليّة الاغتيال يأتي في لحظة تتقاطع فيها المسارات العسكريّة مع السّياسيّة، في ظلّ احتضان واشنطن لمحادثات لبنانيّة إسرائيليّة قابلة للتوسّع في المسار السّياسيّ وصولاً لتفاهم ينزع فتيل التصعيد وفق المصالح الأمريكيّة، وتقاطعها مع مصالح العديد من قوى الإقليم.

غير أنّ مثل هكذا عمليّة في هذا الوقت تحمل بين طيّاتها أيضاً رسائل تضع كامل المنطقة أمام معادلة صعبة تقوم على اختبار حدود التصعيد وتداعياته على الفاعلين من القوى الإقليميّة، مصر، تركيا، السّعوديّة على وجهة التحديد، فضلًا عن تقدير قدرة كلّ طرف على التحكّم بمستوى التصعيد. وفي هذا الإطار، تبدو الساحة اللبنانيّة مرشّحة للبقاء في حالة استنفار سياسيّ وعسكريّ، مع قابليّة للانزلاق إذا ما قرّرت إسرائيل توسيع نطاق الضغط العسكريّ، لتعميق مستوى الضغط السّياسيّ.

أمّا الساحة الإيرانيّة، فهي الأكثر حساسيّة في هذه اللحظة؛ فالمفاوضات بين واشنطن وطهران تدخل مرحلة ضبابيّة تجمع بين إمكانيّات التفاهم السّياسيّ واحتمالات العودة إلى التصعيد العسكريّ. وعليه، يندرج اغتيال الحدّاد ضمن محاولة إسرائيل تثبيت معادلة إقليميّة تؤكّد بُعداً إضافيّاً مفاده أنّ الضغط الإسرائيليّ على غزّة يوازي الضغط الأمريكيّ على إيران وحلفائها، وأنّ أيّ تفاهم محتمل مع إيران يجب أن يمرّ عبر البوّابة الإسرائيليّة.

في الخلفيّة أيضاً، تبرز النتائج الأوليّة للقاء الأمريكيّ الصينيّ بوصفها عناصر مؤثّرة في قراءة المشهد، وتحديد تفاعلاته. فكلّ تقارب أو تفاهم بين واشنطن وبكين يمنح الإدارة الأمريكيّة مساحة أوسع لإعادة ترتيب هذه الأولويّات، ويجعل الشرق الأوسط جزءاً من إدارة التوازنات الدوليّة الكبرى لا ساحة منفصلة عنها، وإن جاء ذلك على حساب الأهداف الإسرائيليّة الاستراتيجيّة في المنطقة.

وهو ما يفسّر لماذا تعمل إسرائيل على فرض وقائع ميدانيّة جديدة قبل أن تستقرّ مخرجات أيّة ترتيبات سياسيّة محتملة. وعليه، يصبح اغتيال الحدّاد أيضاً رسالة إلى البيت الأبيض مفادها أنّ تلّ أبيب لا تنتظر اكتمال التفاهمات الدوليّة كي تعيد صياغة الواقع على الأرض بما يخدم مصالحها.

الخلاصة وفق فهمي لتطوّر الأحداث، أنّ المنطقة تدخل خطوة تلو أخرى في مرحلة شديدة التعقيد، عنوانها الأكبر إعادة هندسة المشهد السّياسيّ والأمنيّ، من دون الخضوع بالضرورة للأهداف الاستراتيجيّة الإسرائيليّة وحدها. ففي غزّة، يجري اختبار مسار التهدئة تحت النار في مقابل خطّة السّلام. أمّا لبنان فيقف على الحافة بين التصعيد والردع بالتوازي مع المسار التفاوضيّ، بينما تبقى إيران العقدة الأكثر حساسيّة كونها محاطة بإمكانيّة عودة الانفجار.

وبين هذه وتلك، أعتقد أنّ واشنطن وبكين يتحرّكان باتّجاه مسار يبدو للوهلة الأولى واحداً، ولكنّه سيفضي، عاجلًا أم آجلاً، إلى إعادة تشكيل التوازنات السّياسيّة وحدود النفوذ الدّوليّ. لذلك، يبدو اغتيال الحدّاد ضربة أمنيّة مغرية، ولكنّها جاءت في لحظة إقليميّة مربكة لم تُحسم بعد الأسئلة الأكثر أهمّيّة وأبرزها، من يملك حقّ رسم اليوم التالي في غزّة وبالتبعيّة في الملفّ الفلسطينيّ؟ ومن يملك التأثير على توازنات المنطقة بأسرها؟

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط