مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

اعادة هيكلة الجيش العربي رؤية ملكية استراتيجية تستشرف المستقبل وتواكب التحولات الامنية المتسارعة

اعادة هيكلة الجيش العربي رؤية ملكية استراتيجية تستشرف المستقبل وتواكب التحولات الامنية المتسارعة

تاريخ النشر: 2026-01-25 | 11:28

منذ تأسيسه لم يكن الجيش العربي الأردني مجرد قوة مسلحة تقليدية بل كان نتاج عقيدة وطنية وسياسية وأمنية تشكلت في قلب الإقليم الأكثر اضطرابًا في العالم عقيدة وارتكزت على ثلاث ثوابت حماية الدولة واستقرار الداخل والقدرة على التكيّف مع بيئة إقليمية متغيرة دون الانجرار إلى مغامرات عسكرية غير محسوبة كما لم يكن في أي مرحلة من تاريخه جيشًا طارئًا على الدولة أو ملحقًا بالسلطة السياسية بل كان منذ تأسيسه أحد أعمدتها البنيوية وأداة ضبط استراتيجي في إقليم يتغير أسرع مما تستطيع كثير من الدول استيعابه

العقيدة التي صاغها الهاشميون منذ نشأة الإمارة جعلت من الجيش العربي جيشًا دفاعيًا محترفًا عالي الانضباط ومنخفض الضجيج ومرتفع التأثير لكنه اليوم كما كل جيوش العالم يقف أمام لحظة فاصلة وضرورية للانتقال من جيش تقليدي مُحسن إلى جيش مُعاد التشكيل بنيوي ومن هنا تأتي دعوة جلالة الملك عبد الله الثاني لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية لا كإجراء إداري بل كـتحول استراتيجي عميق في فلسفة القوة العسكرية للدولة بعيدا عن أوهام التفوق العددي والخطاب الشعبوي عن الجيوش العقائدية بالاعتماد على فهم عميق لحدود القوة ولخطورة الجغرافيا السياسية ولحقيقة أن بقاء الدولة في هذا الإقليم لا تحسمه المعارك الكبرى بقدر ما تحسمه القدرة على تجنبها أو احتوائها في مهدها وهذا الوعي هو ما ميّز الجيش الأردني تاريخيًا عن جيوش إقليمية تورطت في صراعات استنزاف طويلة دفعت فيها أثمانًا سياسية واقتصادية وبشرية أنهكت الدولة نفسها

الحقيقة ان كل هذا التميّز التاريخي للقوات المسلحة الأردنية لا يعفي من مواجهة الحقيقة القاسية بان العقائد التي لا تتجدد تتحول إلى عبء والجيوش التي لا تعيد هيكلة نفسها تصبح أسرى نجاحاتها السابقة من هنا، فإن الدعوة الملكية لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية تمثل إعلانًا سياسيًا غير مباشر عن نهاية مرحلة وبداية أخرى وعن إدراك رسمي بأن بيئة التهديد المحيطة بالأردن لم تعد تُدار بذات الأدوات التي نجحت في العقود الماضية والتهديد لم يعد جيشًا نظاميًا على الحدود فقط بل منظومة مركبة من فواعل غير دولية وتكنولوجيا منخفضة الكلفة عالية التأثير وحروب ظل تُدار دون إعلان وتوازنات إقليمية هشة قد تنهار فجأة

إعادة الهيكلة في هذا السياق ليست ترفًا تنظيميًا بل ضرورة وجودية وهي تعني بالمعنى الأكاديمي الدقيق إعادة تعريف الوظيفة العسكرية للدولة أي الانتقال من جيش يُصمم على أساس سيناريوهات الحرب التقليدية إلى جيش يُبنى على أساس إدارة الصراع طويل الأمد وحماية مراكز الثقل ومنع الانزلاق إلى حروب لا يمكن حسمها وهذا التحول يضع الأردن في مسار مشابه لمسارات دول نجحت في إعادة صياغة جيوشها بعد صدمات استراتيجية كبرى مثل التجربة البريطانية بعد حرب الفوكلاند أو التجربة الألمانية بعد الحرب الباردة أو التجربة الإسرائيلية بعد حرب تموز 2006 حيث أدركت هذه الجيوش أن الحجم لا يعوّض الخلل البنيوي وأن التكنولوجيا لا تنقذ عقيدة فاشلة

في التجربة البريطانية مثلا لم يكن تقليص الجيش بعد الحرب الباردة دليل ضعف بل نتيجة مراجعة استراتيجية أدت إلى بناء قوة أصغر وأكثر احترافًا وقابلية للانتشار وقادرة على العمل ضمن تحالفات معقدة وبكفاءة عالية وفي ألمانيا تحولت البوندسفير من جيش تعبئة جماهيرية إلى قوة نوعية تركز على القيادة والسيطرة والجاهزية التقنية والعمل المشترك متعدد الجنسيات أما في الحالة الإسرائيلية فقد أظهرت حرب 2006 أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يكفي دون إعادة هيكلة عميقة للقوات البرية والعقيدة العملياتية ما دفع لاحقًا إلى مراجعات جذرية في التدريب والقيادة والاحتياط

هذه النماذج لا تُستحضر هنا للمقارنة الشكلية بل لتوضيح أن الجيوش التي نجت وتطورت هي تلك التي امتلكت الشجاعة السياسية للاعتراف بحدود قوتها وأعادت تعريف نفسها قبل أن تُفرض عليها الهزيمة بإعادة تعريف قسرية في المقابل فإن كثيرًا من الجيوش الإقليمية العربية بقيت أسيرة نماذج قديمة محتفظة بتشكيلات ضخمة وهياكل ثقيلة وعقائد قتالية لم تعد صالحة مع تطورات الزمن حيث تحولت إلى عبء على الدولة بدل أن تكون أداة حماية لها أو إلى فاعل داخلي في السياسة بدل أن تبقى مؤسسة وطنية مهنية

 تركيز الهيكلة الأردنية في هذا السياق على بناء قوات رشيقة ومرنة ونوعية يعتبر قطيعة واعية مع منطق الجيش الضخم الذي أثبت فشله في أكثر من ساحة عربية خاصة وان التجربة الإقليمية أثبتت أن الجيوش الكبيرة عندما تفتقر إلى القيادة المرنة والتكنولوجيا والجاهزية تتحول تدريجيا إلى أهداف سهلة في الحروب الهجينة وتصبح عاجزة عن حماية الدولة أو حتى نفسها والجيش الرشيق بالمقابل يبقى قادر على المناورة وإعادة التموضع وإدارة المعركة بدل الانجرار إليها وهو ما يتناسب مع موقع الأردن ودوره ووظيفته الإقليمية

التحول نحو حماية مراكز الثقل الاستراتيجية يعكس أيضًا قراءة نقدية لتجارب دول فقدت السيطرة على قرارها السياسي دون أن تُحتل عسكريًا فالدول لا تسقط اليوم فقط باجتياح الجيوش بل بتعطيل أنظمتها وشل بنيتها التحتية واختراق فضائها السيبراني وضرب ثقة مواطنيها بدولتهم ومن هنا فإن بناء منظومة قيادة وسيطرة واتصالات آمنة ليس مسألة تقنية بل سيادة والدولة التي لا تحمي مراكز ثقلها تصبح مكشوفة مهما بلغ عدد جنودها

من حيث توقيت هذا القرار فهو بحد ذاته رسالة سياسية استراتيجية لا تقل أهمية عن مضمون القرار بان الأردن يتحرك في لحظة إقليمية بالغة الحساسية تتآكل فيها مفاهيم الردع التقليدي وتتراجع فيها قدرة الجيوش الكلاسيكية على حسم الصراعات بينما تتقدم أنماط جديدة من الحروب الهجينة التي تمزج بين القوة العسكرية المحدودة والتكنولوجيا الحديثة والحرب السيبرانية وحروب الوكالة والضغط الاقتصادي والتأثير النفسي والإعلامي في ظل محيط إقليمي يعاني من تفكك بعض الدول وتآكل سيادة أخرى وصعود فواعل غير دولية مسلحة ولهذا فإن الانتظار كان سيعني دفع كلفة أعلى في المستقبل ولهذا جاء القرار الملكي استباقيًا لا كرد فعل وهو ما يميزه عن كثير من قرارات الإصلاح العسكري في المنطقة.

أما عن إعادة تعريف دور قوات الاحتياط فهي تمثل درسًا مستخلصًا من تجارب دول نجحت في تحقيق التوازن بين الأمن والاقتصاد فالاحتياط الفاعل كما في النماذج الاسكندنافية أو السويسرية أو حتى الإسرائيلية وليس قوة هامشية بل جزء من العمق الاستراتيجي للدولة وفي الحالة الأردنية فإن تطوير الاحتياط يفتح المجال لتقليص الأعباء المالية للجيش الدائم دون المساس بالقدرة على التعبئة السريعة ويمنح الدولة مرونة استراتيجية في إدارة الأزمات الممتدة ويسمح للدولة بالحفاظ على جيش دائم أكثر رشاقة مع القدرة على التوسع السريع عند الحاجة وتحقيق توازن دقيق بين الجاهزية العسكرية والاستدامة الاقتصادية وهو أمر بالغ الحساسية في دولة محدودة الموارد كالأردن

ان إدراج الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة في صلب الهيكلة الجديدة يعكس وعيًا بأن الحروب القادمة لن تُخاض على الأرض فقط بل في الشبكات والخوارزميات والبيانات وكثير من الجيوش الإقليمية ما زالت تنظر إلى هذه المجالات بوصفها كماليات أو إضافات تقنية بينما الحقيقة أنها أصبحت ساحات قتال قائمة بذاتها والدولة التي لا تبني قدراتها السيبرانية الدفاعية والهجومية اليوم ستجد نفسها غدًا عاجزة عن حماية قرارها السياسي أو اقتصادها أو حتى تماسكها الاجتماعي

في البعد الصناعي فإن التركيز على تطوير الصناعات الدفاعية المحلية ليس مجرد طموح اقتصادي بل ضرورة استراتيجية أثبتتها التجارب الدولية والدول التي تعتمد كليًا على استيراد السلاح تظل رهينة للقرار السياسي للدول المصدّرة وتفقد هامش المناورة في الأزمات وان بناء قاعدة صناعية دفاعية حتى وإن كانت محدودة في بدايتها يخلق استقلالية نسبية ويحول الجيش من مستهلك إلى شريك في إنتاج القوة وهو ما ينعكس إيجابًا على الأمن والاقتصاد معًا

أما على مستوى التحالفات فإن إعادة الهيكلة لا تعني انسحاب الأردن من محيطه الدولي بل إعادة تموضعه داخله والجيش المعاد هيكلته سيكون أكثر قابلية للعمل المشترك وأكثر قدرة على تقديم قيمة مضافة في أي إطار تحالفي بدل أن يكون مجرد متلقٍ للدعم وهذا يعزز من وزن الأردن السياسي ويمنحه قدرة أكبر على حماية مصالحه دون الارتهان الكامل لأي طرف

خارطة السنوات الثلاث القادمة كما يمكن قراءتها استشرافيًا بانها تشير إلى مسار متدرج يبدأ بإعادة تعريف الهياكل والعقائد ويمر بدمج التكنولوجيا وإعادة تدريب الوحدات واختبار منظومات القيادة والسيطرة وصولًا إلى جيش يمتلك جاهزية كاملة وقادر على الردع والاحتواء وحماية الدولة بأدوات القرن الحادي والعشرين وهذه ليست عملية سريعة ولا سهلة لكنها عملية ضرورية في عالم لم يعد ينتظر المترددين

قرار إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية لا يمكن قراءته كإصلاح عسكري تقني بل كجزء من مشروع دولة تسعى إلى تحصين نفسها في إقليم يعاقب التردد ويكافئ الاستباق وهو قرار حكيم يضع الأردن في مسار مختلف عن مسارات الانهيار أو العسكرة الشعبوية التي سلكتها دول أخرى ويؤسس لجيش لا يُبنى على أوهام القوة بل على إدارتها بعقل بارد وحسابات دقيقة في عالم تتآكل فيه الجيوش الثقيلة وتنهض فيه القوى الذكية

الخلاصة : اليوم يختار الأردن برؤية ملكية استراتيجية شاملة تستشرف المستقبل وتواكب التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات والتحديات الأمنية أن يكون في صف الدول التي تعلّمت من تجارب غيرها قبل أن تدفع ثمن الخطأ وهو ما يمنح هذا القرار بعدًا إقليميًا ودوليًا يتجاوز حدود الإصلاح العسكري ليصل إلى جوهر الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بما يعزز من مكانة الأردن كدولة تعرف ماذا تريد ومتى تتحرك وكيف توظف قوتها بعقل واع وحسابات دقيقة في إقليم تتهاوى فيه جيوش كبيرة تحت ثقل أعدادها وعقائدها القديمة يعلن الاردن بداية التحول النوعي الذي قد يكون من الأكثر تأثيرًا في معادلات الأمن الإقليمي خلال السنوات القادمة

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط