مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

إعادة إنتاج السلطويّة في فلسطين

إعادة إنتاج السلطويّة في فلسطين

تاريخ النشر: 2016-08-15 | 09:12

أمد/ رام الله - كتب بلال الشوبكي*: خطّت الأحزاب والفصائل الفلسطينية الشهر الماضي 24 بنداً، وزعمت أنّها تشكّل ميثاق الشرف الخاص بإجراء الانتخابات. توقيع هذه البنود دفع البعض ليجادل بأنّ الانتخابات ستكون، برغم صعوبتها، العنق الذي سنعبره خروجاً من الزجاجة. هذا النوع من المجادلة يستدعي نقاشاً لازماً للعديد من النقاط، منها ما هو سابق للميثاق وللإعلان عن إجراء الانتخابات المحلية، ومنها ما هو لاحقٌ لذلك.

البداية من البيئة الحاضنة للانتخابات. إنّ الالتزام بقيم النزاهة والشفافية وضمان الحقوق والحرّيات التي ينادي بها الميثاق، والنّاطقون باسم الفصائل، خاضعة للاختبار في كلّ ثانية، على الأقل بالنسبة لحركتي «فتح» و «حماس»، فالأولى نافذة في الضفة والثانية في القطاع. وبمراجعة سريعة لآخر تقارير الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان، يمكن الاستنتاج أنّ التوقيع على الميثاق تضليل للجمهور. يشير ذلك التقرير إلى رصد الهيئة ما يزيد عن ثمانين حالة انتهاك لحقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال حزيران 2016 شملت حالات وفاة غير طبيعية، اعتقالات، تعذيب، اعتداءات على التجمّعات السلمية، وعدم الإلتزام بالإجراءات القانونية. هذا بالإضافة الى احتلال فلسطين المرتبة الـ 132 على مقياس حرّية الصحافة العالمي، الذي تعدّه مؤسسة «صحافيون بلا حدود»، علماً بأنّ التقييم شمل 180 دولة.

هذه المؤشرات، وربما غيرها الكثير غير المرصود، تعني أنّ القبول بالاحتكام إلى الصندوق من دون الالتفات إليها تجميلٌ للسلطوية وشرعنة لها. إنّ القول بأنّ هذه الخطوة قد تخفّف من حالة الاحتقان القائمة، هو استنتاجٌ لا تدعمه حجّة. فحتّى تكون الانتخابات خطوة حقيقية في طريق التحوّل الديموقراطي، لا بدّ أن تترافق مع إصلاحاتٍ حقيقية على مستوى السياسات لا على مستوى الخطاب فقط، علماً أن الأخير يعاني أيضاً من تشوّهات.

حركتا «فتح» و «حماس» تدركان هذه الحقيقة، وهو ما يفسّر سلوكهما جزئياً في الآونة الأخيرة، وفيما يخصّ الانتخابات المحلية تحديداً. قرار «حماس» الواضح بشأن مشاركتها، وغير الواضح بشأن شكل هذه المشاركة، يكشف مخاوفها على مستويين، الأول متعلّق ببيئة الضفة الغربية المقيّدة لـ «حماس»، وهي بيئة تجعل من مشاركة عناصر الحركة في الانتخابات خطوة باهظة الثمن، وتكلفتها ستُلقى على كاهل العناصر بشكل فردي بحكم تفكيك التنظيم أمنياً. والثاني في غزّة، إذ تدرك الحركة أنّ ضنك العيش قد يجعل من النتائج مفتاحاً لقلب الطاولة عليها.

حركة «فتح» بدورها بدت مرتبكة، تحديداً بعد قرار «حماس» المشاركة في الانتخابات، وهي الآن في مأزق حقيقي يؤكّد أنّ البيئة الحالية ليست مثالية للحديث عن انتخابات. مأزقها متعدّد الأركان، الأوّل أنّها وعلى مدار سنوات عديدة ماضية جعلت من الخصومة مع «حماس» نقطة الإجماع المركزية، فيما لم تعط أي أهمية للتنشئة والتجنيد على أسس ذاتية بعيدة عن استعداء الآخرين. بعد أيّام قليلة من الإعلان عن الانتخابات، بدت نقطة الاجماع هذه غير كافية لتوحيد الحركة خلف قوائم محدّدة، وظهرت الخلافات الداخلية على شكل اشتباك في أكثر من منطقة.

الجانب الثاني من المأزق، أنّه وفي الجهة المقابلة لتخوّف «حماس» من استخدام النتائج لسحب البساط من تحتها، تتخوّف «فتح» بشأن قطاع غزّة من أن تُستخدم النتائج لتكريس حكم «حماس»، نتاجاً لسيطرة الأخيرة على غزة، والانقسام الفتحاوي - الفتحاوي في أكثر من منطقة. ما يعزّز هذا التخوف تلك التقديرات الصادرة عن الاحتلال والتي ترجّح تفوّق «حماس». وما زاد من إرباك «فتح» أنّ قرار «حماس» عدم الدخول بقوائم تحت اسمها يجعل من النتيجة بالنسبة لـ «فتح» مشكلة في مطلق الأحوال. فإن هي فازت في الانتخابات لا يمكن الادّعاء بأنّ فوزها ذو قيمة كبيرة على الصعيد السياسي بحكم غياب المنافسة، وإن هي لم تفز ستكون خسارتها مضاعفة في ظل غياب المنافس التقليدي.

هذا المأزق هو ما يدفع «فتح» حالياً لتطعيم قوائمها بشخصيات من خارجها، تارةً بتجنيد الكفاءات، وتارةً أخرى باسترضاء العشائر واستثمار نفوذها. بالنسبة للكفاءات المهنية، تبدو الاستعانة بها جزءاً من الدعاية الانتخابية أكثر من كونها خطوة نحو إشراكها في السياسات، فقد تم تهميشها لفترة طويلة، ولا يتم اللجوء إليهم إلا لتوسيع القاعدة الجماهيرية المساندة لقائمة ما، خصوصاً في ظل فقدان الثقة بالكثير من النخب السياسية.

أمّا بالنسبة للعشائر، فإنّ إدخالها بقوّة في المشهد الانتخابي تتحمّل وزره حركتا «فتح» و «حماس». فالتخوّف من المشاركة بقوائم حزبية خالصة يجب ألّا يدفع باتجاه فتح الباب للقوى العشائرية، بحيث تتسيّد المؤسسات بشكل بدائي ومن دون أيّ معيار مهنيّ، بل ومصحوباً بمغامرة سياسية خطيرة. إذ بإمكان الاحتلال أن يعزّز هذا التوجّه ليخاطب العشائر في مرحلة لاحقة، بدلاً من القوى السياسية. وبرغم أنّ إحياء العشائرية بدأ بعد تأسيس السلطة كخطوة لإضعاف الأطر السياسية، إلّا أنّ حضورها اليوم يبدو أكثر إثارة للريبة من ذي قبل. ففي بعض البلدات والمدن الفلسطينية، تبدو نتائج الانتخابات محسومة سلفاً بناءً على اتفاقات عشائرية معيارها الوزن الديمغرافي للعشيرة لا البعد المهني. هذا النهج يتناقض مع الدعوة للتحوّل الديموقراطي ويحمل مخاطرة سياسية بشأن التواصل مع الاحتلال مستقبلاً، ولا يتماشى مع ما ورد في ميثاق الشرف.

التناقض مع ميثاق الشرف لا يظهر فقط في إحياء العشائرية، بل في التمييز بين المواطنين على أساس دينيّ. فتخصيص «كوتا» للمسيحيين في بعض المدن والقرى، وإن جادل البعض باعتباره تمييزاً إيجابياً، إلا أنّه يحمل تهديداً بإمكانية إحياء نعرات فئوية على أساس ديني، خصوصاً أنّ المنطقة العربية يتم شحنها بخطاب الكراهية على أساس دينيّ. كما أنّ هذه الخطوة تتناقض مع التوجهات العلمانية المعلنة من قيادة السلطة.

تأسيساً على ذلك، تبدو المزاعم بأنّ هذه الانتخابات هي بداية النهاية للانقسام الفلسطيني مفتقرةً للمنطق، ومتجاوزةً للحقائق على الأرض. إذ إنّ الدعوة لإجرائها والقبول بها من الفصائل كافة من دون تقويم المشهد الفلسطيني الكلّي أو البدء في تقويمه على أقلّ تقدير، قد يدفع بالمجتمع نحو إشكاليات أعمق، تصبح البُنى الاجتماعية كلّها جزءاً منها، ويصبح الانقسام حاضراً في أضيق دوائرها، ومن ثم تتشكّل في المجتمع نخبٌ محلّية جديدة قد تُستحضر للانقضاض على الحركات الوطنية. هذا لا يعني المطالبة بوقف الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، إنّما يعني ضرورة احتكام جميع القوى والأفراد للقانون واحترام الحقوق والحرّيات، والانتباه إلى علاقة السياسي بالخدماتي في ظلّ الاحتلال وفي ظل التمويل الأجنبي، من ثمّ يمكن مناقشة موضوع الانتخابات.

عن السفير

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط