مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

إشكالية الثقافة والمثقفين في فلسطين (3)

في غزة إبداع يتحدى الحصار و ثقافة الخوف

القول بعالمية الثقافة أو الثقافة المعولمة ،لا يُسقط الخصوصية عن العمل الثقافي والإبداعي. فوطنية ومحلية الثقافة والإبداع مدخل ضرورة لعالمية أي مثقف ومبدع ،لذا فالمثقف والمبدع بشكل عام ابن بيئته ،والمثقف الذي لا يتمثل ثقافة وطنه ويعبر عنها ويتفاعل معها لا يمكنه أن يكون مثقفا عالميا أو يصل للعالمية ،والتفاعل ليس بالضرورة التماهي معها والخضوع لاستحقاقاتها ،فالدفاع عن الهوية والثقافة قد يأخذ طابعا نقديا يتضمن إرادة التغيير . كل ما نسميه بالأدب العالمي هو في الأصل أدب وإبداع محلي وصل للعالمية .

للمحلية وضع خاص عند الفلسطينيين وخصوصا في موضوع بحثنا حول حال الثقافة والمثقفين ، فإذا كانت المحلية في كل بلدان العالم تُحيل إلى الأرض والوطن والمجتمع الذي يعيش فيه المثقف والمبدع ويمثل البيئة الموحية والحاضنة لإبداعه ، ففي الحالة الفلسطينية فإن العلاقة بين المحلي والعالمي علاقة ملتبسة ومُتَداخلة . الفلسطينيون وإن كانوا ينتمون لفلسطين هوية وثقافة إلا أن الارتباط بالوطن لا يعني الإقامة والعيش علي أرض فلسطين ، بل إن الغربة والبُعد القسري عن الوطن من أهم محفزات إلهام المبدعين .

المحلي عند الفلسطينيين ينقسم لمحليات تتعدد بتعدد دول العالم ، وفي كل منها تكون فلسطين حاضرة ما دامت فلسطين الذاكرة حاضرة دوما في العقل والوجدان . إن تتحدث عن المجتمع

الفلسطيني أو المحلي بعد النكبة كبيئة مُنتجة أو ولَّادة للفعل الثقافي فنحن نتحدث عن المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة ،المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية ،المجتمع الفلسطيني داخل الخط الاخضر ،المجتمع الفلسطيني في الأردن ،المجتمع الفلسطيني في سوريا ، المجتمع الفلسطيني في لبنان ، والمجتمع الفلسطيني في الشتات أي في كل دول العالم .

مفهوم المحلية في الحالة الفلسطينية لا يتطابق مع مفهوم الوطنية ولا يخضع لاستحقاقات الإقامة في دولة أو مجتمع كلي ، وفي كثير من الأحايين يتم إضفاء طابع وطني على إبداعات المثقفين والمبدعين في كل صناعاتهم الإبداعية ليس من منطلق أن المبدع أبن بيئته وعمله يعكس معايشته للواقع ، بل من منطلق أن إبداعه يعكس ويعبر عن الانتماء الوجداني الوطني والانتماء لهوية وثقافة وطنية واحدة صنعها تاريخ ممتد لستة آلاف عام للآباء والأجداد على نفس الأرض ،كما صنعها وحدة المعاناة بسبب الاحتلال وفقدان الأرض ، فنصف الشعب الفلسطيني يحملون فلسطين معهم ،حيث لا يعيشون فيها حتى لم يولدوا فيها .

بالرغم من أن وحدة الهوية والانتماء للوطن ، بالإضافة للاحتلال والغربة والشتات والإحساس بمرارة العجز عن مواجهة ما تتعرض له فلسطين من استيطان وتهويد ... يعتبر قاسما وهمَّا مشترك لكل المثقفين والمبدعين الفلسطينيين ،إلا أن لحال الثقافة والمثقفين في قطاع غزة خصوصية طبعت إبداع المبدعين في قطاع غزة بطابع خاص ، إبداع مخضب بالدم والمعاناة . وكلما طال الانقسام كلما تولدت في قطاع غزة محلية ثقافية داخل المحلية الثقافية الوطنية .

خصوصية الحالة الثقافية في قطاع غزة مستمدة من المُكَوِّن البشري لأهالي القطاع حيث ساكنته يشكلون فسيفساء تعبر عن كل مدن وقرى فلسطين ،ولأن التجربة النضالية في قطاع غزة ،وإلى ما قبل سيطرة حركة حماس ،كانت عنوانا للهوية والثقافة الوطنية الجامعة التي كانت وما زالت تقلق إسرائيل . أيضا لأن قطاع غزة وما بعد سيطرة حركة حماس على القطاع 2007 يتعرض لعدوان عسكري إسرائيلي متواصل وحصار شامل ،وسلطة سياسية تخفي فشلها السياسي برداء الدين ،وبعض مكوناتها يدفعون الأمور نحو مزيد من الانغلاق وفرض حالة تديّن شكلانية تُدرِج كل إبداع في خانة البدعة (وكل بدعة ضلالة ) والضلال يجب تقويمه بسلطة السلطان الحاكم .

المثقفون والمبدعون في غزة ،والتي يصفها هشام عبد العال أحد شعراء غزة الشباب بأنها (مَحمُولّةٌ علَى نعشِ آخر الليل/ غافَيةٌ غزَة في تابوتِ الطين والرملِ تُغني/ ومِن عينيها يسقُطُ المدى كالنَدَى /فينسجُ عنكبوتُ الموت/ شِباكَ النجاة) مسحوقون تحت وطأة الاحتلال والحصار والانقسام ،ومسحوقون تحت وطأة ثقافة الخوف ،وعندما تسود ثقافة الخوف يتخضب الإبداع بلون الدم وبشحوب وجوه الجوعى ،ويغرق العمل الإبداعي بالرمزية ويصبح ما بين الكلمات والخطوط أكثر أهمية من العلني والواضح .

يستحق مثقفو ومبدعو غزة والحالة الثقافية بشكل عام مزيدا من الاهتمام والنظر للموضوع من زاوية مختلفة عن الساحات الأخرى وذلك بسبب قسوة الظروف وضيق الحال . استهداف قطاع غزة بهذا الشكل المدمر ليس استهدافا للأرض والمنازل والمنشآت فقط ، وليس فقط للبشر ، بل للهوية والثقافة الوطنية ،قطاع غزة مُستهدف بتاريخه النضالي وبثقافته الوطنية المتميزة ، وليست إسرائيل وحدها مَن يستهدف خصوصية الثقافة والهوية الوطنية لقطاع غزة .

بالرغم من قسوة الحياة في غزة إلا أن ذلك لا يَحُّول بين القدرات الإبداعية والانطلاق وإنتاج حالة ثقافية متفردة . في غزة إبداعات متنوعة ومتميزة وقد تكون أكثر أهمية من إبداعات في مناطق الشتات الاخرى ، ولكن المشكلة تكمن في أن الحصار يُعيق انتشار الإبداعات إلى العالم الخارجي ، وهنا تصبح خصوصية المحلية حائلا أمام العالمية كهدف يسعى له كل مبدع ،وليس أمام الإبداع بحد ذاته .

كثيرون مبدعو ومثقفو غزة من شعراء وأدباء وفنانين تشكيليين ،بعضهم من الجيل المُخضرم وبعضهم الآخر من الجيل الجديد جيل ما بعد قيام السلطة الوطنية ، بعضهم استطاع كسر حواجز الحصار ولامست إبداعاتهم تخوم العالمية وآخرون لا يقلون أهمية ما زالوا محاصرين وإن تسللت بعض إبداعاتهم خارج حدود الوطن ، بعضهم صمد في القطاع طوعا وعشقا بما هو متاح من ارض الوطن بالرغم من قسوة العيش ورهاب ثقافة الخوف والسلطة الراعية لها ،وآخرون استقروا في المنافي نشدانا للحرية أو بحثا عن لقمة العيش .

كثيرون كثيرون أدباء وفنانو قطاع غزة ومن لا تسعفني الذاكرة لذِكرهم أو ممن ينتمون لجيل الشباب الذين لم اتعرف عليهم قد لا يقلون أهمية من الذين اتذكرهم وأذكر اسماءهم . فللجميع كل ود واحترام : غريب عسقلاني ،فايز السرساوي ،باسم النبريص، عثمان حسين ، عبدالله تايه، خالد جمعة،عمر خليل عمر ، عاطف أبو سيف ،هشام عبد العال ،سليم النفار ، سمية السوسي ،الهام أبو ظاهر ،كفاح الغصين ،رقية اللولو، ، خضر محجز ،توفيق الحاج ،ناهض الريس ،خليل المزين ، جمال أبو القمصان ، يسري الغول ،علي عوده .

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط