مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

أشجار تودّع ظلالها: احتفاء بالومضة السردية في تجربة الشاعر والقاص التونسي الكبير الأستاذ عادل الجريدي الجديدة.(ج1)

أشجار تودّع ظلالها: احتفاء بالومضة السردية في تجربة الشاعر والقاص التونسي الكبير الأستاذ عادل الجريدي الجديدة.(ج1)

تاريخ النشر: 2026-04-02 | 12:22

تمهيد:

" إلى الغرباء الذين رسموا أحلامهم نجوما..على الأسقف المظلمة"

بهذه الإهداء الشذري،الذي يحمل في طيّاته نزعة وجودية عميقة،يفتتح القاص والشاعر التونسي الكبير الأستاذ عادل الجريدي مجموعته القصصية الجديدة "أشجار تودّع ظلالها".

 إنه إهداء لا يمرّ مرور الكرام،بل يشكّل عتبة نصوصية تختزل الرؤية الإبداعية للمجموعة بأكملها: فالغرباء هنا ليسوا مجرد شخصيات،بل رموز لأولئك المتمرّدين على المألوف،الذين راهنوا على المستحيل،وجعلوا من السقف المظلم لوحة للنجوم.بهذه البادرة،يستدرجنا الجريدي إلى عالمه القصصي الجديد،حيث تتهاوى اليقينيات وتتشظى الحكايات في 80 ومضة سردية.

جاءت عناوين القصص مختارة بعناية فائقة، وكأنها مفاتيح ذهبية لخزائن النصوص.إنها عناوين تعمل وفق آلية الاستدراج القسري،فبين "يقين" و"أوهام"،بين "ألفة" و"سقف"،وبين "شهوة" و"تطهير"..إلخ،يبني الجريدي معمارا دلاليا متوترا يقوم على التضاد والتناقض.هذه العناوين ليست مجرد أسماء للقصص،بل هي نصوص مصغّرة تسبق النص الأكبر،وتعمل على تهيئة القارئ لولوج عوالم تجترح من المفارقات ما يربك اليقين ويفتح الأفق للتأويل.

عناوين مثل "دندنة" و"على الريق" تحمل في طياتها إيحاءات حسية وجسدية،بينما تشير أخرى إلى منازل وجودية كبرى.هذه الثنائيات المتقابلة (اليقين/الأوهام،الشهوة/التطهير..إلخ) تمنح المجموعة بعدا دراميا داخليا،وتجعل من كل قصة وجها لعملة واحدة: هي ثنائية الروح والجسد، المقدس والمدنس،الوضوح والغموض.

ينتمي الأستاذ عادل الجريدي،في هذا الإصدار، إلى مدرسة صعبة في الكتابة،هي مدرسة القصة الومضة أو القصة القصيرة جدا.وهذا اللون الأدبي، كما أشار النقاد والباحثون، "هو قصة الحذف والتكثيف والاختزال والرمزية والإيحاء واللغة الشعرية،وهو فن سردي قائم بذاته".إنه فن يتطلب "حساسية خاصة تجاه ما يدور داخل النفس البشرية وخارجها،وتجاه اللغة"،حيث على الكاتب أن "يكتب القليل ويقصد الكثير،لأنّه يعتمد على القارئ في فهم الكثير الذي لم يكتبه،من بين سطور القليل الذي كتبه" .

والجريدي،وهو شاعر قبل أن يكون قاصا،يمتلك من الأدوات ما يخوّله خوض هذه التجربة باقتدار. فخلف كل ومضة في "أشجار تودّع ظلالها"،يقف شاعر يعرف كيف يصوغ اللغة شعرا دون أن تفقد النصوص طابعها السردي.إنها لعبة التداخل بين الأجناس الأدبية،حيث تختلط الحداثة الشعرية بالحداثة القصصية في بوتقة واحدة،دون أن يطغى أحد الجنسين على الآخر.

وما يميز منجز عادل الجريدي القصصي،وفي هذا الإصدار الجديد خصوصا،هو قدرته على خلق حالة من الإدهاش تصل حد الإرباك أحيانا.فالقصص ليست معدة للتلقّي السلبي،بل هي نصوص مفتوحة على التأويل،تستفز قارئها وتدفعه عنوة لاستنطاق النصوص وفك شيفراتها والوقوف على ما تضمنته من ترميز وتكثيف وإيحاء..

هذه الاستراتيجية الكتابية تجعل من كل قصة لغزا سرديا،حيث يختفي المعنى الأولي وراء طبقات من الرموز والإشارات.والشجرة التي تودع ظلالها في العنوان الكبير للمجموعة تحمل دلالات متعددة: ربما هي رمز للذاكرة التي تتخلص من أثقالها،أو للوجود الذي يفيض عن حاجته إلى الظل،أو للكاتب نفسه الذي يخلق عوالم ثم يغادرها لتستمر في وجدان القارئ.

لا تأتي هذه المجموعة الجديدة من فراغ،بل هي حلقة في سلسلة إبداعية متميزة،سبقها إصدار "أخطاء جليلة" الذي ضم مائة قصة قصيرة جدا. وقد حظيت المجموعة السابقة باهتمام نقدي لافت،حيث وُصفت بأنها "حفريّات في مدار الدهشة"،وأنها تمثل "رؤية سردية ذات فنية عالية وذات بعد أدبي أصيل" .

وفي هذا الإصدار الجديد،يواصل الجريدي تطوير أدواته الإبداعية،ويقدم لنا نصوصا أكثر نضجا، وأكثر جرأة في تناولها للمسكوت عنه،وأكثر قدرة على المزاوجة بين العذوبة الشعرية والعمق الفلسفي.إنها كتابة "بالحفر العميق في حقائق وظواهر تجاربنا الثقافية والإنسانية التراثية والمعاصرة" .

يمثل منجز عادل الجريدي في القصة القصيرة جدا إضافة نوعية للأدب التونسي والعربي، ويستحق أن يلقى الاهتمام الذي يستحقه من النقاد والباحثين.فهذا اللون الأدبي المذهل،الذي يجمع بين صعوبة الإنجاز وسهولة التلقّي،يحتاج إلى دراسات معمقة تتوقف عند خصائصه الفنية وإمكانياته التعبيرية.فهذه المجموعة الجديدة "أشجار تودّع ظلالها" تشكّل،بمجملها،إضافة نوعية للمكتبة العربية.ولعل من الضروري العمل على ترجمتها إلى اللغات الأجنبية،لا سيما وأن هذا الجنس الأدبي يحظى بانتشار واسع في الآداب العالمية.

إن ترجمة هذه الومضات السردية ستسهم في إثراء المكتبة العالمية،وستعرّف القارئ غير العربي على تجربة إبداعية راقية،تجترح من اللغة العربية، بتنويعاتها وإيقاعاتها،ما يثبت قدرة هذه اللغة على مسايرة مستجدات العصر،والتعبير عن أعمق تعقيدات الوجود الإنساني.

إنه احتفاء بمهرجان اللغة الإبداعية المتوهجة في أبهى حللها،وإحياء للذاكرة التراثية بلغة حداثية، ودليل على أن القصة القصيرة جدا،في يد مبدع حقيقي كعادل الجريدي،ليست مجرد كتابة عابرة، بل هي فلسفة وجود متكاملة،تُختزل في جمل قليلة،لكنها تظل تدوي في وجدان القارئ طويلا بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.

وتظل القصة القصيرة جدّا،في تجربة القاص والشاعر التونسي الأستاذ عادل الجريدي،أكثر من مجرد لعبة شكلية أو اختزال بلاغي،إنها حفر في مكمن الدهشة حيث تتكاثف الرؤى وتتوالد الدلالات من رحم الإيجاز.ففي نصوصه التي تتسع داخليّا بقدر ما تتقلص خارجيّا،يستعيد الجنس الأدبي الأكثر راهنية دربه نحو التأسيس لمنطق سردي جديد،لا يقاس فيه الإبداع بطول الامتداد،بل بقدرة النص على أن يكون عالَما كاملا في ومضة،وفلسفة متكاملة في جملة. 

بهذا المنجز المتميز،لا يثبت القاص التونسي الكبير الأستاذ عادل الجريدي حضوره فقط في خارطة القصة العربية،بل يمنح القارئ فرصة العبور إلى كتابة لا تستعرض جمالها بقدر ما تستبطن عمقها، داعية إياه إلى أن يصير شريكا في اكتشاف ما تخبئه اللغة من عوالم موازية.فلكل من يبحث عن الحكاية في أبهى تجلياتها التكثيفية،ويريد أن يلمس كيف تصبح الكلمة قادرة على احتواء الوجود بأكمله،فإن "أشجار تودّع ظلالها" تشكّل محطة إبداعية لا تُمرّ،وتستحق أن تُقرأ مرارا، وتُشاد بهذا القاص المبدع الذي جعل من الصعوبة فنّا،ومن القصّ فلسفة.

ولنا عودة إلى هذه المجموعة القصصية الرائدة عبر مقاربة مستفيضة.

 

 

 

 

 

 

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط