مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

أسير ضد الموت

اللوحة بريشة الفنان خليل غيث

تاريخ النشر: 2017-05-21 | 08:06

اللوحة بريشة الفنان خليل غيث

هو شخصيا لا يحب الملح ويأكل طعامه حلوا. ضغط دمه دائم الارتفاع يصيبه بالصداع ويهدد صحته وراحة باله. معظم الأطباء حذروه من الإفراط في الفرح او الحزن والابتعاد عن المشاكل ومصادر الهموم.. واليوم قرر الانخراط في الإضراب مهما كانت النتائج. لن يتخلى عن زملائه ولو فقد حياته. الاعتماد على الملح والماء فقط لن يكون في صالحه.
لا ينكر أنهم نصحوه بل توسلوا إليه محاولين إقناعه بالعدول عن موقفه قائلين:
- نحن نقوم بالمهمة على أكمل وجه، أما انت فلست مطالبا بشيء أبدا، انت مريض وليس عليك حرج، ارحم نفسك وارأف بأولادك وزوجتك. قد يأتي يوم قريب تخرج فيه بصفقة وتفوز بحريتك ولعله يكون قريبا. دورك ان تشحذ همم الأسرى خاصة صغار السن منهم ممن لم يخوضوا الإضراب قبل ذلك. نحن نعتمد عليك كثيرا كونك أسير قديم ولك الخبرة والحنكة . وأنت مثل يحتذى به ولك ماض مشرّف داخل السجون والمعتقلات .
لم يبد على ابو صمود انه اقتنع وازداد عنادا وهو يقول :
- لن اقبل ان أكون قوقعة محشورة في الزاوية ولن أتنازل عن المشاركة ولو كلفني الأمر حياتي.
لم يجد مسئولو التنظيمات داخل المعتقل سبيلا لإقناعه، فتوزعوا على جميع الأقسام ليقوموا بواجباتهم التنظيمية يشرحون لبقية زملائهم ما هم مقبلين عليه.
- سنقوم بعملية احتجاج واسعة وسنستخدم سلاح الأمعاء الخاوية في موقعة حياة او موت: حياة أفضل او موت مشرّف .
التحضير للإضراب احتاج ثلاثة أشهر على الأقل وهم يهيئون الأسرى معنويا ويزرعون في عقولهم القناعة ثم التصميم.
- سنربح المعركة رافعي الرؤوس ... ولن ننكس أعلام الرفض والتحدي.
آلاف الأسرى يخوضون إضرابا طويلا كما هو متوقع من اجل تحسين ظروف معيشتهم ومن اجل الحفاظ على كرامتهم وعزتهم.
بدأ اليوم الأول .. الإعلان والإمساك عن الطعام والشراب باستثناء الماء والملح. وعند العصر نظر قائد الإضراب ابو مريم الى جسد ابو صمود المسجى على البرش .. عيناه مغلقتان .. تنفسه بطيء ويبدو على وجهه التعب. عند أذان المغرب بدأ لغط وأحاديث متفرقة بين الأسرى .. يتذكرون رمضان
- حان وقت الإفطار .. ولكن هنا إفطار متأخر قد يأتي وبعضنا قد فارق الحياة.
حاول ابو صمود القيام من برشه والذهاب الى دورة المياه. ارتعشت قدماه تحته ورجع جسده الى الخلف، فأمسك بعمود الخيمة وهو يتأوه. أسرع إليه احدهم وامسك بخصره.
- لا تنهض مرة واحدة يا زميلي .. والتزم بالإرشادات.
- الظاهر ان الضغط عندي ارتفع .. اشعر بالغثيان.
كانت الخيام تحترق بلهيب الصيف القاسي.. صيفا لم يمر مثله كما تقول الأرصاد الجوية، كانت دورة المياه بعيدة في طرف القسم الشمالي.. ترتفع عن مستوى الخيام ويصعد لها بسبع درجات. تبدو مسافة طويلة ومضنية لمن لم يتناول الطعام منذ الصباح الا قليلا من الملح كي لا تفسد المعدة وتتعفن. والماء حار في براميل بلاستيكية تغطيها أكياس الخيش.
بدا ابو صمود متهالكا وهو يسير ببطء شديد يتكأ على اثنين من زملائه. كانت التعليمات تقضي بعدم المشي كثيرا والسير ببطء شديد لقضاء الحاجة فقط.
- يجب ان نظهر الإنهاك والتعب حتى لا يتم تصويرنا وتسجيل نقطة علينا يتم استغلالها في المفاوضات ونقلها لمندوبي الصليب الأحمر كما حصل في المرة السابقة.
سارت الأيام بطيئة تحمل حر الشمس على ظهرها وتسلطه على أجسام الأسرى، وفي صباح اليوم الرابع أعلن الأسرى أنهم سيقومون بالعد الصباحي والمسائي وهم نيام لأن العد في وضع الجلوس أصبح صعبا وستقتصر حركتهم على الذهاب للحمامات فقط .
الحرارة الشديدة قلبت الخيام الى أفران في النهار والليل وهبت رياح خماسينية جافة زادت من معاناتهم وسحبت السوائل من أجسادهم عادلتها المياه الساخنة التي يشربونها .
حوالي الساعة الحادية عشرة صباح اليوم السابع انتبه الأسرى على صفارات الإنذار التي صمّت آذانهم وارتجت لها قلوبهم، فانطلقوا الى خارج الخيام وعمّ الإرباك وهو يشاهدون أعداد كبيرة من الجنود في كامل عدتهم يرتدون الأقنعة ويحملون بنادق إطلاق الغاز يتبخترون بمشية عسكرية ويطلقون أناشيد القتال . أحس جميع الأسرى بقوة شملتهم بغتة وانسل الإرهاق من أجسادهم وكأن
شيئا لم يكن وخرجوا الى الساحة. كان ابو صمود يقف شامخا ويصرخ بأعلى صوته :
- تورانيم .. استعدوا للقتال .
كان اصغر أسير في القسم يقف بجانب ابو مريم فأمسك بيده وهو يسأله :
- ما هي التورانيم؟
أجابه ابو تغريد بسرعة: "هم مساجين يهود جنائيين في أقسام خاصة بهم، يتم استخدامهم للقمع عندما يتعلق الأمر بنا. جهز نفسك لتتقي خطر الغاز كما تعلمت".
شعر كل الأسرى بقوة خارقة تجتاحهم وبأن لديهم طاقة لا متناهية في أجسامهم التي ألقت عنها الوهن والضعف وتحولت الى كتل من العزيمة تجري فيها دماء حارة صلبة.
استمر العرض العسكري العنجهي ساعة من الزمن قبل ان يصدر أمر بالانسحاب، وجميع الأسرى يقفون خارج خيامهم يتشربون أشعة الشمس الحارقة . وعندما اختفى آخر جندي من جنود القمع بدأ الأسرى في كل الأقسام يكبرون ويهتفون لفلسطين وأصواتهم تصل خارج الأسوار والبوابات التي يحيط بها مئات من أهاليهم ومن المتضامنين معهم، الذين اشتركوا معهم بهتافاتهم وهم يرفعون الأعلام وصور الأسرى المضربين. وفجأة ألقيت قنبلة دخان داخل القسم والقي غيرها على جميع أقسام المعتقل السبعة، فحدث إرباك وتدافع، وزاد الأمر تعقيدا حين أطلق جنود أبراج المراقبة الرصاص في الهواء. دخل الجميع الى الخيام واختبئوا تحت الحرامات والملابس كي يتقوا سحب الغاز، ومنهم من حاول إغلاق الخيام منعا لتسرب الغاز. تناثرت بعض الأجساد في الساحة، فاندفع البعض وهم يغطون أنوفهم بملابسهم وجروهم الى داخل الخيام القريبة. وفي خارج الأسوار تفرقت الجماهير المحتشدة وابتعدوا عن تأثير عشرات قنابل الغاز التي ألقيت باتجاههم. بعد حوالي نصف الساعة انقشعت سحب الغاز، فخرج الأسرى من خيامهم وتقدمهم ابو مريم وهو يبحث عن ابو صمود هاتفا باسمه. اقترب ممثلو القسم من البوابة الرئيسية اتجاه مدير المعتقل الذي وقف وهو يحيط وجهه بقناع يحميه من الغاز يحيط به عدد من الضباط والجنود. فصرخ به ابو عذاب طالبا منه إحضار طواقم الإسعاف وإخراج المصابين .
كان ابو صمود مستلقيا على ظهره داخل إحدى الخيام جاحظ العينين، فحمله أسيران بسرعة وادخلوه عربة الإسعاف التي وصلت باب القسم مع ثلاثة أسرى آخرين.
تحدث مدير المعتقل مع ابو عذاب ممثل المعتقل الرئيسي وحذره من تكرار ما حدث . الا ان ابو عذاب اخبره ان جميع الأسرى مستعدون للموت ان تكرر الاستفزاز وضايقوا الأسرى المضربين مرة أخرى. وشدد على ان الإضراب هو احتجاج سلمي من اجل تحسين أوضاعهم .
استمرت الأحداث كما هي: الأسرى يطالبون الادارة بالحديث معهم من اجل إنهاء الإضراب والإدارة تطالبهم بحل الإضراب وتناول الطعام أولا ثم التفاوض.
حاول ممثلو القسم معرفة مصير ابو صمود الا ان الادارة تكتمت ورفضت الإدلاء بأي تصريح حوله
في اليوم الحادي عشر للإضراب انتشرت إشاعة تقول ان ابو صمود استشهد، الا ان الخبر لم يؤكد وتسرب خبر من مستشفى السجن يقول انه يعيش ولكن على الأجهزة.
في اليوم العشرين سمح لممثلي الصليب الأحمر بدخول المعتقل، وبعد ان اجتمعوا مع إدارة السجن طلبوا ممثلي الأقسام . فاجتمعوا معهم واخبروهم ان إدارة المعتقل قد تفاوضهم خلال يومان بحضور مندوبيهم. وعندما سألوهم عن أبي صمود جاء جوابهم ضبابيا دون تفاصيل او تأكيد لحالته.
في اليوم الثالث والعشرين ادخل المستشفى عشرة أسرى تدهورت حالتهم الصحية . وفي مساء نفس اليوم ابلغ الصليب الأحمر الأسرى بأن إدارة المعتقل تراجعت عن مواقفها في الحديث مع الأسرى قبل ان يحلوا الإضراب بالكامل.
في اليوم الثامن والعشرين دخل عدة ضباط مخابرات كبار على غرفة العناية المركزة داخل مستشفى عسكري خاص ملحق بالمعتقل يرافقهم طبيب اقترب من جسد النزيل الوحيد الذي تربطه أسلاك وأجهزة طبية تحيط بسريره. فتح الطبيب ملفا يحمل اسمه وصورته. وأشار إليه وهو يقول:
- حالتك الصحية تحسنت عن ذي قبل، لهذا سنبدأ الآن تغذيتك حتى تعيش وتمضي بقية محكوميتك.
الأمر صعب للغاية وعليك ان تحتمل.
ارتجف جسد ابو صمود وترددت صرخة في أعماقه والطبيب يباشر عمله. ما كان يخشاه في اسوأ كوابيسه يحصل الآن وهو في اضعف حالاته، لم يقتله الأسر او الماء والملح او الغاز ولكن سخرية القدر قد ترخي جدائلها وتقضي على ابسط حاجاته من الغذاء الذي سيتناوله قسريا والذي سيقتله حتما.

 

×
أخبار
«ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط