مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

إسرائيل بين قدرة العرب وفقدان الغرب

بات الكيان الصهيوني محتاراً قلقاً، لا يعرف كيف يتصرف، ولا يعرف كيف يواجه المتغيرات الخارجية المحيطة به، رغم أنه يحاول دوماً توظيف الظروف لصالحه، واستخدامها لمنفعته، وتسخيرها لنفسه، ولو أساءت للآخرين، وتسببت لهم بأضرار ومخاسر، طالما أنها تعود عليه بالنفع وحده.

وقد كان التوفيق دائماً حليفه، والنجاح رفيقه ولا يفارقه، ولم تخنه الظروف يوماً، ولم تتخل عنه المصادفات أحياناً، إذ استفادت الحكومات الإسرائيلية من كل المتغيرات الدولية السابقة في تثبيت كيانها، وترسيخ وجودها، وتحقيق أمنها، وإرهاب خصومها، وتأديب جيرانها، وإنعاش اقتصادها، والنهوض بشؤون شعبها، وتطوير سبل حياتهم، وتحسين مستوى معيشتهم.

وقد استبشر الإسرائيليون خيراً بتحولات الربيع العربي، وانقلاب نتائجه، وتبدل توقعاته، فبعد أن كان بالنسبة لهم مقلقاً ومخيفاً، وينذر بقدوم سلطاتٍ عربية شعبية ثائرة ومنتفضة، متوقعاً منها أنها ستنقلب على الإتفاقيات، وستواجه التحديات، وستتجاوز العقبات والصعاب، وسيكون لها موقفٌ مغاير منهم، ومعارضٌ لهم، منكرٌ لوجودهم، ومقاتلٌ لهم، ومساندٌ لكل القوى الفلسطينية المقاومة، التي استبشرت بدورها بالنتائج الأولية للربيع العربي، واعتقدت أن هذا العصر لها، وأن هذا زمانها، وأنها باتت تهدد الكيان الصهيوني، وقد اقتربت من حسم المعركة معه، بعد أن أصبحت شعوب المنطقة هي القائدة والحاكمة.

ولهذا كانت الحكومة الإسرائيلية قلقة وخائفة، فعملت على تحصين نفسها، وتطوير قدراتها، وابتزت دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لتزويدها بما يمكنها من مواجهة التحديات الجديدة، والصمود أمام بركان العرب الثائر، وربيعهم الناهض، الذي بات يهدد بزوال دولتهم، وشطب وجودهم، وطردهم من كيانهم، فكانت زيارات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين إلى الكيان الصهيوني، تطميناً لهم وتضامناً معهم.

ولكن خوف الإسرائيليين لم يطل، ونارهم لم تتقد طويلاً، إذ سرعان ما هدأت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم، بعد أن تأكد لهم أن الربيع العربي قد استحال خريفاً لا يخيف ولا يهدد، بل إنه أصبح وبالاً على أهله.

فرح الإسرائيليون كثيراً بذهاب همهم، وانشغال عدوهم، وشتات شعوبهم، وذهاب قوتهم، واستبشروا كثيراً بالفرقة التي دبت بينهم، وبالخصومة التي استعرت بين فئاتهم، وبالحقد الذي تأصل في نفوسهم على بعضهم، وبالمقتلة العظيمة التي وقعت بينهم، وبالمجازر الدموية التي حدثت لهم، بسلاحهم وعلى أيدي جيوش بلادهم، الذين استبدلوا الجبهات بالميادين والساحات.

ظن الإسرائيليون أن هذا الوقت هو الأنسب لهم، ليمضوا قدماً في تنفيذ سياساتهم، وتحقيق أهدافهم، إذ لن يجود عليهم الزمان بعصرٍ يكون فيه العرب، وهم أعداؤهم وخصومهم، بهذه الدرجة من الضعف والإنكسار، والانشغال والسقوط، فمضوا في إعلاء أسوار كيانهم، وتحصين جيشهم، وتطوير قدراتهم الدفاعية والقتالية.

وتمسكوا بالجدار الاسمنتي الأمني الفاصل، وأعلنوا حتمية الإعتراف بدولتهم اليهودية، وتعاهدوا على أن القدس مدينتهم وعاصمتهم الأبدية الموحدة، فلا تقسيم لها، ولا شريك لهم فيها، ولا قبول أبداً أن تكون بعض أحيائها جزءاً من عاصمة الدولة الفلسطينية.

وبدأوا في تنفيذ أحلامهم القديمة، في الاستيلاء على الحرم القدسي الشريف، وعلى المسجد الأقصى المبارك، مدعين أنه مشادٌ فوق هيكلهم الثالث المهدم، وأنه ينبغي استعادة المكان، لإعادة بناء الهيكل، وأعلنوا نيتهم فتح باحات الحرم لمصليهم، وتقسيمه مكانياً وزمانياً بينهم وبين الفلسطينيين، ولكن عيونهم تتطلع إلى السيطرة الكلية عليه، ليكون حاله كالحرم الإبراهيمي، الذي فقد فيه الفلسطينيون مكانهم، ولم يعد من حقهم دخوله أو الصلاة فيه في أي وقتٍ يشاؤون.

وأعلنوا أنه لا دولة فلسطينية ذات سيادة، ولا سماء لهم ولا أرض، ولا مطار ولا ميناء، وإنما كيانٌ يلحق بالأردن، ويكون جزءاً منه، يلتزم بقوانينه، وينضبط داخل حدوده، ويفي بالتزاماته الأمنية مع كيانهم، وتتعهد الحكومة الأردنية بدوام الحال بما يضمن أمن إسرائيل، ويحقق مصالحهم، وهم على يقينٍ من ذلك، فالعرب ضعافٌ لا حول لهم ولا قوة، وهم ممزقين بلا إطار يجمعهم، ولا رجل يلتفون حوله، ولا مشروع يتفقون عليه، ولا إرادة عندهم على قتال غيرهم، أو الإنشغال بغير همومهم.

ولكن الحكومة الإسرائيلية تفاجئت بمتغيراتٍ أمريكية وأوروبية، وإن بدا للبعض أنها شكلية وزائفة، وأنها لا تغير من حقيقة ولائها وتحالفها مع الكيان الصهيوني، وأن الغرب لن يقف مؤازراً للعرب ضد إسرائيل مهما كانت الأسباب، ولن يساندهم في مواقفهم وطلباتهم، في الوقت الذي يتخلى فيه عن الحاجات الإسرائيلية، التي هي في أصلها يهودية، والتي تشكل التزاماً غربياً تجاههم، انطلاقاً من الإحساس بعقدة الذنب والمسؤولية.

إلا أن الإسرائيليين يدركون أن التغيير الأوروبي والأمريكي الأخير جديٌ، وقد يكون خطيراً، وقد يلحق بالكيان الصهيوني نتائجَ وآثاراً غير متوقعة، ولا تتمنى الحكومة الإسرائيلية أن تمضي أوروبا والولايات الأمريكية في تنفيذ تهديداتها، التي بدت ككرة الثلح، تكبر يوماً بعد آخر، وتزداد ساعةً بعد أخرى، ويلتحق بقطار المقاطعة مؤسساتٌ اقتصادية، صناعية وتجارية وزراعية، ومؤسسات تعليمية، بحثية ودراسية، وهيئاتٌ قضائية وقانونية، ولم يعد الأمر مقتصراً على مقاطعة المؤسسات الاستيطانية، ورفض التعامل معها، أو مبادلتها التجارية، أو تقديم الدعم والعون لتنميتها، والنهوض بمشاريعها.

هل خسر الإسرائيليون الفرصة، وفاتهم ما كانوا يحلمون به، وباتوا يدركون أن الغرب قد يتعامل معهم تعامله مع تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الأولى، وكما أنهم كانوا موحدين تجاهها، وصارمين في التعامل معها، فإن إسرائيل قد تكون مثلها، وقد يصيبها ما أصابها، تحقيقاً للنفع العام، وصداً لأي ضرر متوقع، وستكون أوروبا معهم واضحةً وقاسية، وصريحةً وجافة، وقاصدةً ومتعمدة، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تقرر بنفسها، أيها أجدى لها وأنفع، أن تتعامل مع العرب بضعفهم وتخسر حليفها الغربي، أم تستغل الضعف العربي لتكسب الحليف الغربي، لتحقق من خلاله إتفاقاً لصالحها، بما يحقق طموحاتها، ويلبي أهدافها.

 

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected] بيروت في 9/2/2014

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط