مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

إسبانيا بطلة العالم… عندما تهزم الجماعية أسطورة النجم

إسبانيا بطلة العالم… عندما تهزم الجماعية أسطورة النجم

تاريخ النشر: 2026-07-20 | 09:04

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

لم يحتج نهائي كأس العالم 2026 إلى مهرجان استعراضي، ولا إلى أسطورة كروية جديدة، ليحفر اسمه في الذاكرة. فقد حسمته فكرة قديمة بقدمين حديثتين: الفريق الذي يعمل كوحدة واحدة يهزم الفريق الذي ينتظر لحظة إلهام من نجمه. كان ذلك انتصاراً لإسبانيا، لكنه كان أيضاً انتصاراً لفلسفة في كرة القدم، أعادت الاعتبار إلى جوهر اللعبة بعد سنوات من هيمنة ثقافة النجم.

رغم كل ما شهدته بطولة كأس العالم 2026 من جدل، وانتقادات طالت الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بدءاً من التوسع في عدد المنتخبات، مروراً بالاستعراضات التجارية التي غلبت أحياناً على جوهر اللعبة، وإطالة الفقرة الفنية في نهائي البطولة، ووصولاً إلى قرارات تحكيمية أثارت نقاشاً واسعاً في أكثر من مباراة، وتساؤلات حول العدالة التحكيمية في بعض المواجهات، فإن النهائي بين إسبانيا والأرجنتين أعاد التذكير بحقيقة قديمة كادت كرة القدم الحديثة أن تنساها: البطولات الكبرى لا يحسمها النجم، بل تحسمها المنظومة.

وربما أراد فيفا أن يقدم بطولة أكثر اتساعاً واستعراضاً وتسويقاً، وأن يجعل النجوم الواجهة الأولى للحدث، لكن المباراة النهائية نفسها قاومت هذا الاتجاه. فلم تحسم الكأس بعرض فني في استراحة الشوطين، ولا بصورة تسويقية للاعب بعينه، بل بفريق جعل من الانضباط والعمل الجماعي ثقافة، ومن المؤسسة أساساً للنجاح.

في زمن أصبحت فيه المنتخبات تختزل في أسماء لاعبيها، وتتحول اللعبة إلى صناعة تسويق للأفراد أكثر منها احتفاءً بالفريق، جاء المنتخب الإسباني ليعيد الاعتبار للفكرة الأولى التي قامت عليها كرة القدم. أحد عشر لاعباً، لكل منهم وظيفة، ولكل خط دوره، يعملون بتناغم يجعل الفريق أكبر من مجموع أفراده.

لم يكن هذا انتصاراً على ليونيل ميسي، ولا على لامين يامال، ولا على أي نجم آخر. لقد كان انتصاراً لفكرة. فحتى أعظم لاعب في العالم يحتاج إلى منظومة تمنحه المساحة ليبدع، وتمنحه الدعم عندما يتراجع مستواه، وتمنع انهيار الفريق إذا غاب أو حُيِّد.

هذه هي الفلسفة التي صنعت المنتخب الإسباني. فهو ليس نتاج جيل موهوب فحسب، بل ثمرة مشروع طويل بدأ في مدارس الكرة والأكاديميات، وامتد إلى المنتخبات السنية، ثم إلى المنتخب الأول. ولذلك لم يكن غريباً أن يتراجع تأثير لامين يامال في النهائي، دون أن يتراجع أداء إسبانيا. ولم يكن مفاجئاً أن يحصل رودري على جائزة أفضل لاعب في البطولة، لأنه كان يمثل عقل المنظومة أكثر مما كان يمثل نجمها.

وليست التجربة الإسبانية استثناءً في تاريخ اللعبة. فقد سبقها المنتخب الإسباني المتوج بكأس العالم عام 2010، ثم المنتخب الألماني بطل مونديال 2014، وكلاهما لم يكن قائماً على لاعب واحد، بل على مشروع طويل في بناء اللاعبين، وتطوير الأكاديميات، وترسيخ هوية لعب واضحة. قد يعتزل النجوم، ويتغير المدرب، لكن المشروع يبقى قادراً على إنتاج أجيال جديدة. ولهذا تعيش البطولات التي تصنعها المؤسسات أطول من تلك التي يصنعها الأبطال، لأن المنظومة تورث نفسها، بينما الموهبة الفردية، مهما بلغت عظمتها، تبقى مرتبطة بعمر صاحبها.

في المقابل، نجحت إسبانيا في عزل ميسي عن مناطق التأثير، ليس عبر رقابة لاعب واحد، وإنما عبر انضباط جماعي جعل الأرجنتين تبدو أقل قدرة على صناعة الحلول. ولم يكن ذلك تقليلاً من قيمة ميسي، بل تأكيداً لحقيقة يعرفها كل من مارس كرة القدم: القائد يصنع الفارق، لكنه لا يستطيع أن يحمل الفريق وحده طوال الوقت. وقد تجلت هذه الحقيقة أيضاً في حالة التوتر التي عاشها المنتخب الأرجنتيني خلال النهائي، وما رافقها من تدخلات عنيفة وحالات طرد، في مشهد عكس صعوبة مواجهة منظومة متماسكة عندما تتراجع الحلول الفردية.

تشبه كرة القدم، في هذا المعنى، الدولة الحديثة. فالقائد الكفؤ عنصر لا غنى عنه، لكنه لا يستطيع أن يحكم بمفرده. النجاح يتحقق عندما تتكامل المؤسسات، وتُوزع المسؤوليات، ويؤدي كل طرف دوره دون أن يطغى على الآخر. وكذلك الحال في الملعب. فالمدافع، ولاعب الوسط، والمهاجم، والحارس، ليسوا أفراداً متنافسين، بل أجزاء في منظومة واحدة. وعندما تختل هذه المنظومة، لا يستطيع أعظم النجوم إنقاذها وحدهم.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن البطولة كانت خالية من الملاحظات. فقد أثارت بعض القرارات التحكيمية جدلاً واسعاً، وبرزت تساؤلات حول معايير العدالة في عدد من المباريات، سواء في لقاءات سابقة أو في النهائي الذي شهد قرارات أثارت النقاش، من بينها إلغاء هدف لإسبانيا، إلى جانب حالات التوتر والطرد، بما يعكس الضغوط الهائلة التي ترافق المباريات الكبرى. لكن هذه الوقائع، على أهميتها، لم تغيّر الحقيقة الأساسية التي خرج بها النهائي: الفريق الأكثر تنظيماً واستقراراً هو الذي رفع الكأس.

ولهذا، فإن تتويج إسبانيا لم يكن مجرد فوز في مباراة نهائية، بل انتصاراً لفكرة أوسع: أن المنظومات تبني التاريخ، أما الأفراد، مهما بلغت عظمتهم، فيبقون جزءاً منها لا بديلاً عنها.

إذا كانت إسبانيا قد توجت بطلة للعالم لأنها امتلكت مشروعاً متكاملاً، فإن كثيراً من الفلسطينيين الذين وجدوا في فوزها مساحة للفرح، تقديراً لموقفها السياسي والإنساني من غزة، قد يجدون في تجربتها درساً آخر يتجاوز كرة القدم. فالنجاح لا يصنعه انتظار البطل، ولا التعويل على قائد استثنائي، بل تبنيه الإرادة الجماعية، وتوزيع الأدوار، والعمل ضمن رؤية واحدة.

ولعل هذا هو الدرس الذي يجعل تجربة المنتخب الإسباني تتجاوز حدود الرياضة. فكما لم يُبنَ هذا المنتخب على لاعب واحد، فإن المجتمعات والقضايا الوطنية لا يمكن أن تنهض بالاعتماد على أفراد مهما بلغت مكانتهم. فهي تحتاج إلى رؤية مشتركة، وإدارة رشيدة، ومؤسسات متماسكة، وتكامل في الأدوار، وقدرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة لا إلى سبب للانقسام.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يقدمه المنتخب الإسباني؛ فالموهبة الفردية كانت حاضرة، لكنها لم تتحول إلى محور الفريق، بل إلى جزء من منظومة أكبر منها. فالقائد يمنح الثقة، والنجم قد يحسم لحظة، لكن البطولة تبقى ثمرة عمل جماعي، ومشروع طويل، ومؤسسات قادرة على إنتاج النجاح جيلاً بعد جيل.

وربما لهذا السبب تبقى كرة القدم أكثر من مجرد لعبة. فهي تكاد تكون الرياضة الوحيدة التي تثبت، مرة بعد أخرى، أن التعاون المنظم ينتصر في النهاية على العبقرية الفردية عندما تُترك وحدها. وربما لهذا السبب أيضاً تبقى اللعبة الأكثر شعبية في العالم؛ لأنها لا تحتفي بالموهبة وحدها، بل تكافئ القدرة على تحويل المواهب إلى فريق، والأفراد إلى مشروع، والنجوم إلى منظومة. وهذه ليست مجرد حقيقة رياضية، بل درس في الإدارة، وفي بناء المؤسسات، وفي قدرة الشعوب على تحويل طاقات أفرادها إلى قوة جماعية قادرة على صناعة المستقبل.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط