مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أزمة العولمة الرأسمالية والبديل لها؟

أزمة العولمة الرأسمالية والبديل لها؟

تاريخ النشر: 2017-03-21 | 09:04

بعد سبعة وعشرين عاما على وصف فوكوياما المتسرع لانتصار الرأسمالية بأنه " نهاية التاريخ"، تعصف بمنظومة العولمة الرأسمالية أزمة عميقة تنجلى مظاهرها في أربع أزمات فرعية:

أولها الأزمة الاقتصادية لمنظومة رأس المال متعدد الجنسيات، وأهم مظهر لها التناقض العالمي العميق بين السماح بالحرية المطلقة لتنقل رأس المال والاستثمار، وحرية التجارة المفروضة بالقوة ، وحرية التصدير وتنقل البضائع، وبين منع حرية تنقل القوة العاملة.

وليست قضية المهاجرين والهجرة ومحاولات دول عديدة منع دخول اللاجئين اليها من البلدان النامية إلا التعبيير الصارخ عن إصرار الدول الرأسمالية الكبرى على منع تنقل القوة العاملة بحرية، والهدف هو بالطبع الحفاظ على الأرباح الناجمة عن استغلال القوة العاملة الرخيصة في بلدان الجنوب أو البلدان النامية ،أو بلدان أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية للدقة ، من قبل الاحتكارات متعددة الجنسيات.

ومن اللافت  للنظر ارتداء الحملات ضد المهاجرين في الولايات المتحدة وأوروبا صفة التعصب الشوفيني القومي، كغطاء للهدف الحقيقي وهو الحفاظ على نظام اقتصادي يسمح بالأرباح الباهظة على حساب الشعوب الفقيرة .

ولا يمثل الادعاء بأن غرض سياسات الحد من المهاجرين هو خلق فرص عمل للعمال في أمريكا مثلا سوى غطاءا للهدف الحقيقي وهو الحفاظ على حرية تحقيق الأرباح من القوى العاملة الرخيصة في بلدان أخرى.

وما يطرح من سياسات انعزالية في هذا السياق في بلد كالولايات المتحدة ، يمثل مفارقة عجيبة وتناقضا أعجب  بين دفع الاحتكارات لعجلة العولمة، ومحاولة تقييد نتائجها في نفس الوقت.

وهذا تناقض لا يمكن أن يستمر دون حل أو تحول.

أما الازمة الثانية ، فهي أزمة الديمقراطية: حيث تقلص مفهوم الديمقراطية في أذهان الكثيرين  إلى مجرد إجراء الانتخابات، والتي أصبحت في كثير من الدول مجرد ورقة توت تستر عري الأنظمة السلطوية أو الديكتاتورية والشمولية.

وتتجلى في بعض البلدان مظاهر مثل هيمنة الأجهزة الأمنية أو العسكرية على كل مفاتيح السيطرة والقوة مع السماح من حين لآخر بانتخاب برلمانات هشة لا قدرة لها ولا نفوذ ولا سيطرة على أجهزة التحكم العسكرية أو الأمنية.

وفي بلدان كثيرة، أصبح شراء أصوات الناخبين بالمال أمرا طبيعيا. وفي بلدان كالولايات المتحدة لا يمكن لأحد تخيل إمكانية الترشح لأي منصب جدي دون تأمين الملايين من الدولارات للحملات الانتخابية، أو أكثر من مليار دولار عندما يتعلق الأمر بمنصب الرئيس.

ولعل من أهم مظاهر هذه الأزمة أو نتائجها اندماج مكونات السيطرة السياسية والأمنية بمكونات السيطرة الاقتصادية.

فيصبح السياسيون والمسئولون الحكوميين رجال أعمال ، أو شركاء في المشاريع الاقتصادية أو الوكالات للمنتجات الأجنبية.

والنتيجة الطبيعية لذلك هو الفساد الذي يستشري كالسرطان مثيرا حنق غالبية الناس الذين يمولون من عملهم وعرق جبينهم، وضرائبهم ومشترياتهم ،أرباح الفئة المسيطرة وامتيازاتها.

الأزمة الثالثة المتفاقمة، هي أزمة القيم ومظاهرها لا تعد ولا تحصى، ولنذكر بعضها:

إذ تشير آخر تقارير المنظمات الإنسانية الدولية إلى أن ثمانية أشخاص فقط  يملكون اليوم ، ما تملكه نصف البشرية أي ما يملكه 3500 مليون إنسان من سكان عالمنا.

كيف يمكن تخيل أو احتمال وضع كهذا؟

المظهر الثاني هو تصعيد الانفاق على التسلح والأسلحة، وما يرافقها من حروب تستخدم كميادين لتجريب هذه الأسلحة والترويج لها.

بلغ الإنفاق العالمي على التسلح عام 2016، ما يزيد عن 1500 مليار دولار، وبالمناسبة كانت حصة الدول العربية من هذا الإنفاق 28%. وفي نفس الوقت يعجز العالم ومنظومتة الرأسمالية عن تخصيص 12 مليار دولار فقط ستكفي لتوفير المياه النقية لكل البشر في العالم، بما يعنيه ذلك من إنهاء لكثير من الأمراض والأوبئة.

ومن مظاهر هذه الأزمة شن حروب تدميرية لا مبرر لها وبحجج كاذبة كالحرب الأميركية على العراق واحتلاله، وما أدى اليه ذلك من ظهور لمجموعات إرهابية كداعش وغيرها. أو تغذية حروب اهلية متصاعدة كتلك التي تشهدها سوريا واليمن وليبيا، بما يحطم مقومات هذه الدول ويهدد مستقبل مناطق بكاملها.

لكن أبرز مظاهر هذه الأزمة الأخلاقية، إدارة الظهر لحق فلسطين في التحرر من الاحتلال ونظام الأبارتهايد العنصري الإسرائيلي.

واستمرار الكثيرين في استخدام المعايير المزدوجة والسكوت على خروقات إسرائيل للقانون الدولي، بل وتملقها، ومحاولة تسهيل تمرير مشاريعها.

ومن مظاهره أن يرضخ الأمين العام للأمم المتحدة للابتزاز و الارهاب الفكري الاسرائيلي بدل أن يساند زملاءه و مساعديه وعلى رأسهم الدكتورة ريما خلف  بعد أن أصدروا تقريرا علميا موضوعيا يكشف حقيقة نظام الأبارتهايد الاسرائيلي.

أما الأزمة الرابعة، فهي الأزمة السياسية، المتجلية في صعود الشعبوية العنصرية، والعجز عن التعامل الأخلاقي الفعال مع وسائل الاتصال الاجتماعي التي تتطور بتسارع مذهل.

الشعبوية ليست شيئا جديدا. فبإستخدامها صعدت أنظمة فاشية إلى الحكم بالانتخابات كما جرى في ألمانيا النازية، لكن شكوى القوى التي تعتبر نفسها ديمقراطية منها وعجزها عن مواجهتها هو الجديد.

والعجز طبيعي لأنه مرتبط بفشل السياسيين في حل التناقضات الثلاثة السابقة التي عرضناها.

فهل هناك بديل لهذا الوضع؟

معظم الساسة الاشتراكيون الديمقراطيون في البلدان الغربية يواصلون طرح الحلول الإصلاحية.

وأحدهم اقترح في مؤتمر حضرته قبل أيام أن الحل هو تخليص الرأسمالية من صفة الجشع. وهذه مفارقة مذهلة حيث يصبح الوعظ الأخلاقي هو الوسيلة المقترحة لمعالجة أزمة اقتصادية عميقة.

ما يلفت النظر في هذا الإطار أن كل جهد اجتماعي لمعالجة الفقر في بعض البلدان كالبرازيل والهند، يقود مباشرة الى تقوية نظام الاستغلال الرأسمالي.

رأينا هذه الظاهرة سابقا  نتيجة منح مئات آلاف الطلاب الفقراء فرصا للتعليم المجاني في ما كان سابقا البلدان الاشتراكية فتحول معظمهم بفضل التعليم إلى رأسماليين صغار أو كبار، ونسى معظمهم الطبقات والفئات الاجتماعية التي انحدروا منها.

في البرازيل نجح الرئيس الاسبق لولا في إخراج 40 مليون إنسان فقير من حالة الفقر فأصبحوا مستهلكين، قووا النظام الرأسمالي في البرازيل الذي أفرز طبقة سياسية أطاحت بحزب لولا.

حزب المؤتمر في الهند أخرج 150 مليون إنسان من الفقر ونقلهم إلى عالم الاستهلاك. وكانت النتيجة أن الحزب بعد ذلك خسر الانتخابات لصالح الأحزاب اليمينية، المتوشحة أحيانا بالشوفينية، باسوأ نسبة أصوات انتخابية  في تاريخه.

السؤال هنا هل إخراج الناس من الفقر حصيلتة جعلهم أدوات في منظومة الاستغلال القائمة، أم تحويلهم الى قوة دافعة للعدالة الاجتماعية وتغيير مجمل المنظومة الاقتصادية في بلدهم أو على نطاق العالم؟

جميع دول العالم أصبحت اليوم جزءا من منظومة العولمة الرأسمالية بما فيها الصين وروسيا أي بلدان الاشتراكية الأولى.

  وما جرى في الهند والبرازيل يشير إلى أن البرامج الاجتماعية لا تحقق في النهاية العدالة الاجتماعية ان لم تعالج مسألة النظام الاقتصادي برمته.

العالم يعيش في نظام راسمالي واحد وإن كان بإنظمة سياسية مختلفة، فما هو البديل؟

هل هو الاستمرا في التعايش مع الأزمات الخطيرة والتي أشرنا اليها؟

وهل أحد أشكال التأقلم مع الواقع، انغماس الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية فقط في البحث عن مراكزالسلطة من خلال كسب تأييد الناخبيين.

أم أن المطلوب شيء أعمق وأكبر وأكثر جذرية كبديل للنظام غير العادل الذي يعيشه العالم، بكل ما يحمله من مخاطر مدمرة.

واخيرا فما من أمر يمكن أن يقنعني بأن حزبا يتبنى العدالة الاجتماعية صادق في توجهاته إن كان عاجزا أو مستنكفا عن تأييد حق الشعب الفلسطيني مثلا في التحرر من الاحتلال والأبارتهايد.

القيم لا تجزأ، وتجميل الواقع بالكلام لا يلغي بشاعته.

الشعبوية ستندحر عندما يشعر الناس البسطاء العاديون والمستغلون أن هناك قوى تستمع لهمومهم وتدافع حقا عن مصالحهم، ولا تسعى فقط للمناصب السياسية ومكاسبها على حساب أصواتهم.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط