مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الحاج إسماعيل شملخ... حين يصبح الوطن إرثًا لا يموت

أربعون عامًا على رحيل رجلٍ حمل الثورة في قلبه، وحملته فلسطين في ذاكرتها

أربعون عامًا على رحيل رجلٍ حمل الثورة في قلبه، وحملته فلسطين في ذاكرتها

تاريخ النشر: 2026-08-29 | 16:46

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

هناك رجالٌ يرحلون بأجسادهم، لكنهم لا يغادرون المكان؛ لأنهم تركوا في ترابه شيئًا من أعمارهم، وفي ذاكرة الناس شيئًا من سيرتهم، وفي تاريخ الوطن صفحاتٍ لا تستطيع السنوات أن تطويها.
وفي ذكرى مرور أربعين عامًا على رحيل الشهيد الثائر الحاج إسماعيل خليل شملخ، لا نستعيد اسم رجلٍ من الماضي فحسب، بل نستعيد فصلًا من فصول الكفاح الفلسطيني، وسيرة رجلٍ اختار أن تكون حياته في خدمة وطنه، وأن يكون انتماؤه لفلسطين فعلًا لا شعارًا، وعطاءً لا انتظارًا.
كان الحاج إسماعيل شملخ ابنَ حي الشيخ عجلين، ذلك الجزء الأصيل من غزة القديمة، وُلد عام 1926 في عائلةٍ عُرفت بالعمل والنضال، كما عُرفت بالأرض والزراعة والانتماء إلى المكان. وفي بيتٍ تشرب معنى الكرامة مبكرًا، بدأت ملامح رجلٍ سيكبر ليحمل همّ شعبه قبل أن يحمل همّه الخاص.
لم تكن فلسطين بالنسبة إليه قضيةً طارئة، فقد سبقت الثورةُ الكبرى انخراطه التنظيمي؛ إذ شارك أبناء عائلته، ومن بينهم محمد خليل شملخ وأسعد خليل شملخ، في مقاومة الاحتلال والانتداب، وكان إسماعيل، وهو في ريعان شبابه، قريبًا من الثوار، يقدم لهم ما يستطيع من خدمة وإسناد.
ثم جاءت نكبة فلسطين، وتبدلت خرائط البلاد، لكن النكبة لم تستطع أن تبدل البوصلة.
ومع احتلال قطاع غزة عام 1967، التحق الحاج إسماعيل شملخ بصفوف حركة فتح، عبر المناضل طاهر شبانة، وانطلق إلى الأردن للقاء الشهيد القائد ياسر عرفات، حيث أُسندت إليه مهمة تشكيل مجموعات لحركة فتح داخل قطاع غزة والعمل ضد الاحتلال.
عاد الرجل إلى الميدان، وبدأت مرحلة جديدة من حياته؛ مرحلة لم يكن فيها النضال مجرد انتماء، بل مسؤولية يومية محفوفة بالخطر.
طاردته قوات الاحتلال، واعتقلته، وأخضعته لتحقيقات قاسية بهدف انتزاع الاعترافات منه، لكنه صمد، وحافظ على أسرار رفاقه، حتى أُبعد عام 1970 إلى وادي عربة في الأردن.
وكان الإبعاد، بالنسبة لرجلٍ مثل الحاج إسماعيل، تغييرًا للميدان لا نهايةً للمعركة.
فمن الأردن، انتقل إلى ساحات الثورة، ثم امتد نشاطه بين لبنان وسوريا، حيث ارتبط اسمه بالشهيد القائد خليل الوزير "أبو جهاد"، نائب القائد العام لقوات الثورة ومسؤول القطاع الغربي، وبالشهيد صلاح خلف "أبو إياد"، ضمن شبكةٍ واسعة من العمل والإسناد للثورة الفلسطينية.
وهنا برز الحاج إسماعيل شملخ كواحدٍ من الرجال الذين حملوا أعباءً صامتة لا تظهر دائمًا في البيانات والخطابات؛ فقد شارك في إسناد الثورة بالمال والعتاد، وساهم في تأمين احتياجات العمل الوطني، وفق ما ارتبط به من مهام وتوجيهات مع قيادة الثورة.
كان من أولئك الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء، بينما تتحدث النتائج عنهم.
ولم يكن نضاله محصورًا في موقعٍ أو مهمة؛ فقد شارك في محطات ومعارك الثورة الفلسطينية في العرقوب والليطاني وبيروت عام 1982، وظل حاضرًا في صفوف الثورة، مؤمنًا بأن الطريق إلى فلسطين لا تُقاس مشقته بطولها، وإنما بصدق الذين يسيرون فيه.
لكن الاحتلال لم يكتفِ بملاحقته.
لقد حاول أن يعاقب الرجل عبر عائلته، فطالت الاعتقالات أبناءه وأفراد أسرته وأقرباءه. كان عبد الكريم شملخ مناضلًا اعتُقل مرات عديدة، وكذلك ماهر شملخ الذي أمضى سنوات في الأسر، كما اعتُقل المناضل سعيد شملخ، ابن شقيقته وزوج ابنته، وحُكم عليه بالسجن المؤبد قبل أن يُفرج عنه عام 1983 ويُبعد إلى الجزائر، ثم عاد إلى الوطن مع طلائع قوات الثورة الفلسطينية.
وطالت الاعتقالات أيضًا نساء العائلة وأطفالها، في محاولةٍ من الاحتلال للوصول إلى الرجل عبر محيطه الأسري.
لكن ما لم يفهمه الاحتلال أن بعض العائلات لا يكون المناضل فيها فردًا واحدًا؛ بل تصبح القضية فيها ذاكرةً مشتركة، ويصبح الاعتقال شهادةً إضافية على عمق الانتماء.
لقد أورث الحاج إسماعيل أبناءه وأهله معنى الوفاء، لا مجرد اسمٍ عائلي.
وفي السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير عام 1985، أسدل الموت ستاره على حياة الحاج إسماعيل خليل شملخ في تونس، بعد رحلةٍ طويلة من الكفاح والعمل الوطني.
رحل الجسد، لكن الحكاية لم ترحل.
فبعد أربعين عامًا، ما زالت عائلة شملخ تحمل في ذاكرتها اسم الرجل الذي جعل من حياته جسرًا بين غزة وساحات الثورة، وبين جيلٍ حمل البندقية وجيلٍ ورث منه معنى الانتماء.
إن أعظم ما في سيرة الحاج إسماعيل شملخ أنها لا تتحدث عن رجلٍ عاش لنفسه؛ بل عن رجلٍ عاش لوطنه، ثم مضى وترك خلفه عائلةً تحفظ سيرته، ورفاقًا يتذكرون مواقفه، وذاكرةً فلسطينيةً تستحق أن تُروى للأجيال.
فالثورات لا يصنعها الذين يقفون في مقدمة الصورة وحدهم؛ بل يصنعها أيضًا أولئك الذين يعملون في الظل، ويحملون الأمانة بصمت، ويدفعون من أعمارهم وراحتهم وأمن عائلاتهم ثمنًا لإيمانهم بالقضية.
وهكذا كان الحاج إسماعيل شملخ.
رجلًا من زمنٍ كانت فيه فلسطين قضيةً تُعاش، لا عنوانًا يُرفع.
وبعد أربعين عامًا من الغياب، يبقى السؤال الأجمل ليس: أين ذهب إسماعيل؟
فالذين عاشوا لفلسطين لا يذهبون تمامًا.
إنهم يبقون في ذاكرة أبنائهم، وفي حكايات رفاقهم، وفي شوارع أحيائهم، وفي كل يدٍ تواصل الطريق الذي ساروا فيه.
سلامٌ على روح الشهيد الثائر الحاج إسماعيل خليل شملخ،
سلامٌ على رجلٍ حمل فلسطين في قلبه حتى آخر النبض،
وسلامٌ على عائلةٍ دفعت من أبنائها وأعمارها ثمنًا باهظًا للانتماء.
أربعون عامًا مضت... وما زال الاسم حاضرًا، لأن الرجال الذين يزرعون أعمارهم في تراب الوطن لا يموتون؛ بل تتحول سيرتهم إلى ذاكرةٍ وطنية لا تشيخ.
رحم الله الشهيد الحاج إسماعيل خليل شملخ، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط