مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أحمد مناصرة لم يعد طفلاً

أحمد مناصرة لم يعد طفلاً

تاريخ النشر: 2016-11-16 | 08:23

لم يكن الطفل أحمد مناصرة في حاجةٍ إلى شهادة سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتنفي عنه صفة الطفولة، وترفعه إلى مصاف الرجال، وتصنفه ضمن فئة الأبطال، وتفسح له في سجونها ومعتقلاتها بين الكبار مكاناً، وتهيئ له وسط الأسرى والمعتقلين قدراً ومقاماً، وتجعل من اسمه علماً ومنه نجماً، وتنسج من أخباره حكاية ورواية، يتناقلها الكبار قبل الصغار، ويحكي عنها المسؤولون والقادة قبل الناس والعامة، وتنشغل بها المؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية وهيئات حقوق الإنسان عامةً والطفل خاصةً.

فهو وإن كان طفلاً دون السن القانونية عندما ألقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي القبض عليه، بتهمة المشاركة في عملية طعنٍ، أو تقديم مساعدةٍ لمنفذها، فإنه كان ككل أطفال فلسطين يثور من داخله، ويغضب من أعماقه، ويغلي كالمرجل ناراً، ويمور كما البركان لهباً، ويتمنى لو أنه يستطيع الثأر ويقوى على الانتقام، فهذا حلم كل فلسطيني ذاق مرارة الاحتلال، واكتوى بظلم جيشه وعدوان مستوطنيه، وجور قراراته وعسف سياساته، التي ما استثنت في ظلمها حجراً ولا بشراً ولا شجراً.

فما فعله الاحتلال في الشعب الفلسطيني وما ارتكبه من جرائم في حقهم، قادرٌ على أن يجعل من كل طفلٍ فلسطينيٍ قنبلةً، ومن كل صغيرٍ رجلاً، ومن كل فتىً قائداً، يتقدمون الصفوف قبل غيرهم، ويبلون في الميدان قبل الرجال ومعهم، ولا يتأخرون إذا سمعوا النداء أو عزموا على المسير أياً كانت الصعاب والتحديات والعقبات، وهو ما كان فعلاً على الأرض وفي الميدان، إذ استحال الأطفال أبطالاً، والرجال ليوثاً، وتقدمت الفتيات والنساء ومنهن أمهاتٌ ومسناتٌ إلى ميدان المقاومة، يسبقن الرجال، وينافسن الأبطال، ويفسحن لأنفسهن في سوح المقاومة مكاناً، ويرسمن على لوحات الشرف اسماً، وينقشن في الذاكرة عملياتٍ لا تنسى.

ولكن سلطات الاحتلال كانت خبيثة وماكرة، وكاذبة وظالمة، فهي أكثر من يعلم أنها تكذب وتفتري ولا تروي الحقيقة ولا تتحرى الصدق فيما تقول، إذ اتهمت أحمد مناصرة بأنه شريكٌ في عملية الطعن، رغم أنه ربما كان يتمنى لو أنه طعن جندياً فقتله، أو شارك في عمليةٍ أخرى وقدم مساعدةً لمقاوم، فهذا مما يفخر به ويفرح له، إذ أن المقاومة موضع فخر الشعب واعتزازه، وهي وسامٌ تزين صدر كل من كان له سهمٌ فيها، وتضيئ جبين كل من شارك فيها، فطوبى لمن كان له فيها فضلُ السبق أو المشاركة، وشرف الإعداد والتجهيز، وهنيئاً لمن تغبرت في الميدان قدماه، أو تركت المقاومة على جسده علامةً، وفي جسمه إشارةً ودلالةً، تكون له بين الخلق شهادة، وعند الله عز وجل أجراً ومثوبةً ومكانةً.

تدرك سلطات الاحتلال أن أحمد مناصرة قد قهرها وهزمها، ونال منها وحط من مقامها، وأنه مرغ أنفها بالتراب، وطأطأ رأسها وأهان كبرياءها عندما وقف أمام جلاديها كالطود الشامخ، يصرخ في وجوههم، ويتحدى جبروتهم، ويعلو صوته فوق أصواتهم، حتى جابت صوره الآفاق، وانتشرت في كل الدنيا، تفضح حقيقة الاحتلال، وتكشف عن أخلاق جيش العدوان، وتبين كذبه وادعاءه بأنه الجيش الأكثر مناقبية في العالم، فإذا هو الجيش الأكثر دونيةً وحقارةً، إذ يلاحق طفلاً، ويتكاثر عليه بجنوده وهو أعزل، ويعتقله وهو ضعيف، ويحاكمه وهو بريء.

تخطيء سلطات الاحتلال الإسرائيلي إذا اعتقدت أنها ستجبر أحمد مناصرة على التقوقع في سجنه، والانزواء في معتقله اثنا عشر سنة، وهي المدة التي قضى بها عليه قضاة المحكمة العسكرية، وأنه سيخسر هذه المدة من عمره، وسيشطبها من سجل حياته، وسيفقد خلالها فرصته في الدراسة والتعليم، وسيحرم من والديه وإخوانه، وأسرته وأقاربه ومعارفه وأصدقائه، وأنه سيخرج من سجنه بعد اثني عشر عاماً محطماً يائساً محبطاً، نادماً على فعل، ومتحسراً عما بدر منه، ومتمنياً لو أنه ما سلك هذه الطريق، ولا اتبع سبيل المقاومين ولا آمن بمنهجهم ولا عمل بسنتهم، إذ أن طريقهم هي التي أوردته المهالك، وأضاعت من عمره سنيناً.

لكن ما لا يعرفه العدو بغبائه، وما غاب عن عمله بغطرسته وكبريائه، وما سيندم عليه مع قادم أيامه، أن أحمد مناصرة سيقتفي أثر السابقين، وسيتعلم من السلف المتميزين، ولن يكون في أغلاله من القاعدين، بل سيتلقى العلم في معتقله، وسيواصل دراسته من سجنه وهو أسير، وسيتخرج من الجامعة وهو معتقل، ولن يفوت الفرصة على نفسه، ولن يضيع الوقت من عمره، ولن يشمت العدو به، ولن يفرحه بعقابه، بل سيستغل الفترة كلها في كل ما يفيده ويزيد ثقافته، ويصقل شخصيته ويشكل هويته، وسيكون له مع القرآن الكريم وقفة فيحفظه، ومع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دروسٌ يعيها وأحكام يتعلمها، وقد يكون منه أكثر مما نتوقع، وأفضل مما نتمنى له ونرجو، وله فيمن سبقه خير عبرةٍ وأعظم تجربة.

أما في الجانب الوطني فستكون مدة اعتقال أحمد مناصرة دورةً تخصصية في مجال القيادة والريادة، يتعلم فيها أصول الإدارة وقواعد التوجيه، يتميز فيها بجدارةٍ ويتقدم خلالها باقتدارٍ على غيره، ويبز بها سواه، ويكون أعلى من أنداده قدراً، وأمهر من ندمائه دوراً، وأقدر على القيادة من أترابه، يغيظ العدو إذا تقدم، وينغص عيشه إذا قاوم، ويكبده خسائر إذا خطط وقاتل، ويجعله يعض أصابع ندماً على ما أقدم عليه ضده، وما حكم عليه بسجنه واعتقاله.

لن يهزمَ شعبٌ فيه أحمد مناصرة، وفارس عودة، ومحمد الدرة، وعلي دوابشة، وإيمان حجو، ومحمد أبو خضير وغيرهم كثير، الذين غدوا في حياتنا كالنجوم الزاهرة، وكالشمس الساطعة، يزينون سماءنا، ويعلون هاماتنا، وينصبون قاماتنا، ويرفعون قبلة السماء العالية راياتنا، ويزهون بين الملائكة بطهرهم، ويطوفون حول العرش بصدقهم، أرواحهم الطاهرة في حواصل طيرٍ خضرٍ، وأسماؤهم اللامعة في سجل الخالدين، أسرى كانوا في سجونهم، أو شهداء كانوا في عليائهم، فهم المقاومون الأبرياء والشهداء الأنقياء، طوبى للشعب الذي أنجبهم، وللأرض التي احتضنتهم، وللأمة التي حفظتهم وأبرتهم.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط