مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

احذروا الدواء القاتل

 حين يقتلون الطفولة والفرح، ويزرعون الألم والمعاناة، وينتهكون إنسانيتنا، ويصرون على أننا لست ببشر مثلهم، ويحولون بيوتنا الآمنة إلى مستشفيات، غير آبهين بحقنا في الحياة كبشر...

دواء قاتل للعرب فقط، وربما القتل أهون من الحالة التي يصل إليها الطفل العربي، نتيجة للتطعيم الذي يمرر للأطفال العرب عن طريق منظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسيف.

أحذروا الدواء القاتل عنوان لفيلم وثائقي مهم، حيث أن هذا الدواء منتشر على المستوى العربي فقط دون الغربي، وفيه يسجل المخرج الفلسطيني فريد شاهين أحداث للطفل عثمان شاهين خلال واحد وعشرون دقيقة ليكون صرخة لكل وزراء الصحة العرب وللأمهات والآباء للتصدي لما يمس فلذات أكبادنا.

بدأت مقدمة الفيلم بلوحة سوداء لفترة قصيرة كتب عليها أحذروا الدواء القاتل صاحبها موسيقى حزينة مؤثرة على مقام الصبا، يتلاشى السواد وتفتح عدسة الكاميرا على أم تحمل أبنها البالغ من العمر ستة سنوات والذي يزن قرابة الثلاثين كيلو جرام، تخطوا بأقدامها على درجات السلم متجهة من شقتها في الدور الثاني إلى الدور الأرضي، ليلخص لنا ربما المخرج من المشهد الأول حجم المعاناة التي انعكست على ذوي الطفل نتيجة الدواء القاتل، منبهاً من خلال التعليق بأننا أمام فاجعة يجب التوقف أمامها.

التعليق على الفيلم أعطى زخماً جميلاً، عبر نبرته القوية، والتي نسج من خلال انتقائه لمفردات الحكاية، كل الحكاية، ومزج معها كل معاني الإنسانية، حتى نكاد نشعر بأن المعلق وهو كاتب النص " معين شلوله" هو والد الطفل، أو ربما عاش وتعايش مع الحكاية، مع ألم الطفل ومعانات ذويه والخوف من غد قريب...

ما زلت الأم تحتضن ابنها، تتأرجح وهي تحمله بين ذراعيها أثر ثقل وزنه وهي تهبط إلى الدور الأرضي، ونسمع تعليقه في إشارة لقتل الطفل عثمان " وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ".

ينتقل المخرج بزاوية الكاميرا إلى ساحة المنزل وما زالت الأم تحمل طفلها عثمان، تدور الكاميرا في لقطة قصيرة لم تأخذ وقتها المناسب إلى شجرة خضراء، ربما ليربط المخرج بين طفل ذبل وسقطت كل أوراقه وبين تلك الشجرة، تضع الأم طفلها برفق على كرسي خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، لينتقل بنا المشهد من طفل أشبه بجثة هامدة لا تملك سوا أنفاسها إلى ذات الطفل قبل تطعيمه بالدواء القاتل وهو يبكي ويتحرك ويضحك ويلعب في فرح، يحتضنه والده ويرفعه للأعلى ثم يسقط فيحتضنه من جديد، ونسمع أغنية الأطفال" يا رب يا ربنا يكبر ويبقى زينا"، يلاعبه أخاه الأكبر ونرى ونسمع ضحكات الطفل البريئة المتتالية... يقتحم تلك الضحكات صوت موسيقى تصويرية توحي بخطر ما، نشاهد إبرة التطعيم تدخل في جسد عثمان لتسجل له موت سريري، نهاية حياة، توقفت ضحكاته، وبكائه، أصيبت كل أجزاء جسده بارتخاء شديد... كم مؤلم أن نشاهد الطفل عثمان في تلك الحالتين حين وظفهما المخرج بلقطات متتالية، عزف خلالهما على أوتار مشاعرنا، فنشعر بالفاجعة وهول ما حدث للطفل.

حين بلغ عثمان الشهر السادس، حملته والدته لتطعيمه ضد مرض السعال الديكي الخلوي ( DPT )، وبدل من أن يحموه من المرض، قتلوه...

لم يسلم والد الطفل بما حدث لأبنه ويؤكد بان أبنه بعد يومين من التطعيم أصيب بارتخاء شديد في كل عضلات جسمه ونوبات تشنجيه عصبيه، نشاهده وهو يعتني بابنه، ويروي الحكاية، ونسمع التعليق: "من حسن وسوء حظ والد الطفل في آن أنه طبيب أطفال ومثل هذه الجرائم قد ترتكب ولا يلتفت إليها أحد، لكنه وبحكم مهنته كطبيب أدرك تماماً ما حدث لأبنه"، ويؤكد والده بأن هذه الحالات تموت وهي في الشهور الأولى بسبب الشردقة، حيث يتم بلع الطعام ودخوله إلى مجرى التنفس مما يسبب الاختناق، بالإضافة إلى ضعف المناعة والتهابات الصدر، ولكنه استطاع بحكم مهنته أن يراعى ابنه الذي أصبح عمرة ستة سنوات بعد أن حول بيته إلى مستشفى، فيه كل الأدوية والمحاليل والأجهزة التي تستدعي رعاية عثمان.

تنتقل الكاميرا لمشهد جميل ولكنه مصطنع، حيث نشاهد الطفلة أخت عثمان تدور حوله وتحاول إظهار تعاطفها معه، كما أننا نشاهد حمامة تقف على الكرسي المتحرك الخاص بعثمان في إشارة للحرية والحركة ولكن إقحام الحمامة كذلك عبر عن عدم الواقعية في المشهد.

وفي مشهد آخر حين يخرج والد الطفل من المنزل متجهاً للعمل، نشاهد في أحدى لقطات المشهد حامل الكاميرا.

تروي لنا الأم مسيرتها المؤلمة وهي تتابع الاعتناء بطفلها عثمان، وتأكد بأنها عادة ما تستيقظ على صوت حالة التشنج والصراخ الذي يصيبه، ويستيقظ معها أخوته من حوله، وأنها دائما ما تكون بجانبه لأنه يحتاج إلى رعاية خاصة، حتى أنه أخذ كل وقتها ولم تعد تقوم بواجباتها اتجاه أخوته، وكم تمنت أن تلمحه عيونها وهو ذاهب إلى المدرسة كباقي أبناء جيله، تكفكف دموعها مع صوت لموسيقى العجز التي تأخذنا إلى حجم معاناتها.

تنتقل الموسيقى في مشهد جديد لتلفت انتباهنا إلى الكشف عن جوهر المشكلة، لقطة لعدد من التقارير، وللطفل ولوالده والذي بدأ البحث منذ اللحظة الأولى، بحكم مهنته كطبيب للكشف عن الحقيقة لتعرية من كان سبب في قتل طفله أمام عينيه، يتنقل بين الكتب والأبحاث ونسمع التعليق: " إن هذا الرجل لم يصمت كما أراد له الآخرون وهو يتجمع ويجمع أنفاسه ليهاجم أسباب الجريمة وشخوصها، حيث كشف منذ اليوم الأول أن أبنه تعرض لتطعيم لم يعد يستعمل في أوروبا أو إسرائيل أو كثير من الدول، ثم بحث فأكتشف كيف يصل هذا التطعيم إلى غزة وكيف يصيب الضحية، وأن هناك العديد من الجرائم يراد لها أن تمر وسط صمم الآذان وخرس الأفواه.

يبدأ والد الطفل عثمان بالشرح حول تطعيم السعال الديكي الخلوي ( DPT ) الذي يمكن له أن يتسبب في شلل لدى الأطفال ومشاكل في الدماغ، وكيف أن الأوروبيين بعد اكتشافهم لتلك المشاكل منذ عشرات السنين، عملوا على استبداله ليصبح تطعيم السعال الديكي اللاخلوي ( DaPT )، وأعتبر أنه حتى في التطعيم هناك تفرقة عنصرية ما بين العالم الغربي والعالم العربي، حيث أن منظمة الصحة العالمية تفرق في توزيعها للدواء، فمثلا: فلسطين وإسرائيل نفس المناخ والطبيعة، إلا أن إسرائيل تحصل على التطعيم الجيد وفلسطين والدول العربية تحصل على التطعيم المسبب للكثير من المشاكل، ويتساءل لماذا تسمح منظمة الصحة العالمية أساساً لمصنع سونافي للأدوية في فرنسا بتصنيع هذا التطعيم ؟

 لقد قمنا بناء على الأبحاث والدراسات والحقائق العلمية بتوقيع عريضة لأكثر من مائة طبيب من الأخصائيين واستشاريي الأطفال وتم رفعها إلى وزير الصحة، للإيعاز لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف بعدم استيراد تطعيم السعال الديكي الخلوي ( DPT ).

بينما يرقد أبنه مطروح الفراش يجلس بجانبه ويطالب بتحويله إلى مركز متخصص حيث لا وجود لمركز متخصص في غزة أو حتى إسرائيل، ويحذر الأمهات بالانتباه إلى نوعية تطعيم السعال الديكي الخلوي في الشهر الثاني والرابع والسادس، حيث أن هناك عدد من الحالات التي أصيبت نتيجة هذا التطعيم ويؤكد على أن عدم أخذ جرعة التطعيم لن تسبب مشاكل للطفل وفي أسوء الحالات هناك علاج حال عدم التطعيم وحدوث بعض المشاكل، ويوجه نداء إلى وزراء الصحة العرب ومنظمات حقوق الإنسان أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية.

تستمر معاناة الأسرة مع عثمان الضحية، يحاولون لملمة جراحهم، " يدعون ربهم، يا رب أتمم عدلك بمحاسبة من تسبب له بكل هذا، وأن تهيئ له رحمة على قدره، وأتمم عدلك في أن تحرك كل ساكت وساكن في سياق الوقوف معه، فإن كانت العدالة غابت حين من الدهر فإنها في قضية عثمان لن تغيب، وسيأخذ القانون والاتصال والتحري والبحث مجراه حتى العدالة.

ينهي المخرج فريد شاهين فيلمه بمشهد لوالد الطفل وهو يقطف بعض الورود ويركب سيارته ويخرج من منزله، يختفي مع ظهور شاشة سوداء كتب عليها أحذروا الدواء القاتل، ربما في إشارة للخطر المحدق بالطفل، مع توظيفه لموسيقى انسجمت بشكل مؤثر للأحداث المتتالية، كما عبر التعليق بمفرداته عن الحكاية، وبالتالي وظف المخرج كل عناصر الفيلم بشكل جميل.

 

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط