مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أحداثُ مخيم عين الحلوة تبكي العيون وتدمي القلوب

أحداثُ مخيم عين الحلوة تبكي العيون وتدمي القلوب

تاريخ النشر: 2023-09-10 | 10:32

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

تناقضٌ عجيبٌ في المشهد الفلسطيني، وصورةٌ غريبةٌ غير مفهومة ولا مبررة، بل مدانة ومستنكرة، ومؤلمةٌ ومحزنة، ومخزيةٌ ومخجلةٌ، فبينما يرسم أهلنا الصابرون المرابطون، القابضون على الجمر، والمكتوون بنار العدو، والثابتون في الوطن، والمتجذرون في الأرض، والمتمسكون بالحقوق، المقاومون بالسكين والحجر، وبالسلاح الذي يشترونه بقوت أطفالهم، ويسعون للحصول عليه بأغلى ما يملكون وأنفس ما يدخرون، ليقاتلوا به العدو ويواجهوه، ويصدوه ويردوه، فيقتلون ويقتلون، ويؤلمون ويتألمون، وينالون منه ويستشهدون، ومعهم الأسرى والمعتقلون، الذين يعانون من قيد السجن وإذلال السجان، لكنهم يقاومون بصمودهم وثباتهم، ويقاتلون بمعداتهم وأمعائهم، ويجبرون العدو على الخضوع لهم والقبول بشروطهم.

أولئك ومعهم كثيرٌ من أبناء الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء والشتات، يرسمون أجمل صورةٍ لشعبٍ مقاومٍ مقاتلٍ، صابرٍ معانٍ، معطاءٍ مضحٍ، ثابتٍ عنيدٍ، جريءٍ شجاعٍ، مغامرٍ مقدامٍ، لا يأبه العدو ولا يخافه، ولا يجبن عن قتاله والوقوف في وجهه، يتحدى جحافله ويرد قوافله، ويصد دورياته ويفشل مجموعاته، ويرفع الصوت عالياً في وجهه، ويسجل على الأرض بمقاومة أبنائه أعظم الملاحم البطولية، التي يتأسى بها المقاومون ويقتدون، ويقلدونها ويضيفون، ويقدمون على مثلها ولا يهابون، فيخشاهم العدو ويقلق، ويشكو منهم ويتألم، ويحاول القضاء عليهم ويفشل، ويدعي الانتصار عليهم ويكذب.

تلك الصورة الجميلة واللوحة القشيبة التي يرسمها أهلنا يدمائهم، ويؤطرونها بأرواحهم، ويزرعونها في الأرض بأجسادهم، فيفرح بها الفلسطينيون ويفتخرون، ويباهون بها ويستعلون، ويتيه بها العرب والمسلمون، المحبون والمؤيدون، والمناصرون الدوليون والمتضامنون الأمميون، ويرون أنفسهم فيهم ويتمنون تقليدهم أو أن يكونوا معهم، يشاركونهم المقاومة، ويقاسمونهم النصر، ويساهمون معهم في إرغام العدو وإذلاله، فقد جَمَّلَ الفلسطينيون صورتهم، وأحسنوا عرض قضيتهم، وأعادوا الألق والبريق للعرب كأمةٍ عظيمةٍ، ذات تاريخٍ ومجدٍ، وعزةٍ وكرامةٍ، تجاهد لتصل ماضيها التليد بمستقبلها الواعد.

هذه الصورة التي نتغنى بها وغيرنا، ونضحي في سبيلها ولا نتردد، ونفاخر بها ولا نحجل، ونُريَ الله عز وجل بها أنفسنا ونرجو نصره، تشوهها صورةٌ مظلمةٌ معتمةٌ، سوداء قاتمة، بشعة كريهةٌ، منفرة مقززة، تسيء إلى قضيتنا الناصعة، وتشوه صورتنا المشرقة، وتعبث بتاريخنا الوضيئ، وتفض الأمة من حولنا وتنفر المحبين لنا، إذ ليس لها ما يبررها أو يجيزها، فلا الوقت وقتها ولا التحرير غايتها ولا العودة مقصدها، بل هي طعنةٌ في ظهر الشعب، وخيانةٌ للمقاومة، وتفريطٌ بالتضحيات، وإساءة بالغة إلى القضية الوطنية العادلة، وهي تفرح العدو وتسره، وتحقق أمانيه وتستجيب إلى رغباته، وتخدم مصالحه وتصب في أهدافه.

عنيت بذلك المعارك الضارية والأحداث الأليمة التي يشهدها مخيم عين الحلوة، درةُ المخيمات الفلسطينية، وشامةُ اللجوء الفلسطيني، وعاصمة الشتات الوطني، وظهر المخيمات الفلسطينية في لبنان وسندها، وعنوان وجودها ورافع لواء عودتها، المخيم الذي طالما تمنى شارون زواله، وعمل على شطبه واستئصاله، وقد غاظته بندقيته، وأقلقته وحدته، وخشي من عقيدة العودة المتجدرة في أجياله، فتآمر عليه وكاد لأهله، لكنه صمد في وجهه، وتحدى غيه، وصد عدوانه، حتى غدا مفخرةً للفلسطينيين ومزاراً لهم، فهو يربض كالأسد على حدود الوطن، ويرنو أبناؤه بعيون اليقين والأمل للعودة والتحرير.

اليوم مخيم عين الحلوة حزينٌ مكلومٌ، مجروحٌ يتأوه، يئن ويشكو، ويتألم ويتوجع، فأبناؤه يخربونه ويدمرونه، ويقصفون أحياءه ويحرقون مرافقه، ويغيرون معالمه ويطيحون بمنازله، ويشعلون النار في سيارات اللاجئين وممتلكاتهم، ويخنقون فيه ذكرياتهم وآمالهم، ويقضون على آخر ما بقي لهم فيه من أحلام العودة وأماني التحرير، إذ أجبروهم على الخروج منه عنوةً ومغادرته كرهاً، فخروجوا وهم لا يلوون على شيءٍ وقد حملوا معهم بقايا متاعٍ قد ينفعهم، وآخر ما بقي في بيوتهم من أوراق ومستندات، وأموال قليلة كانوا بشق الأنفس قد جمعوها وبشقاء مغتربيهم قد ادخروها، ليكفوا بها حاجتهم، ويستروا بها عورتهم، ويعيشوا كراماً في مخيمهم.

لا نملك ما نفسر به ونشرح، وليس في جعبتنا ما يكفي وينفع، لأن نقنع أهلنا في الوطن وشعبنا في الشتات واللجوء، ولا أمتنا العربية والإسلامية التي ما زالت تؤمن بقضيتنا وتدعمنا، وتضحي في سبيلنا وتدافع عنا، فماذا نقول لهم ولغيرهم عن بيوتنا المحروقة، ومنازلنا المدمرة، وشوارعنا الخالية، وألسنة النار التي تتصاعد من جوانب المخيم وأزقاته، وكيف نشرح لهم عن طوابير اللاجئين الهاربين من نيران أبنائهم وحروب إخوانهم، وقد بنت لهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر خياماً جديدة تشبه تلك التي آووا إليها ولجأوا فيها قبل أكثر من سبعين سنة.

ماذا نقول للشعب اللبناني الشقيق الذي آوانا وأكرمنا، وأحسن إلينا واستضافنا، ونصر قضيتنا وضحى في سبيلها معنا، ولأهل صيدا الأبية التي تحتضن الفلسطينيين وتعدهم جزءً منها، تشاركهم وتعمل معهم، وتصاهرهم وتتزوج منهم، بينما نحن نرعبهم ونخيفهم، وبعض قذائفنا تصل إليهم وتصيبهم، وتلحق الضرر بهم وتؤذيهم، فتشمت الكارهين بهم، وتلومهم على حسن صنيعهم وكرم ضيافتهم، وتحرضهم على الانقلاب والتغيير، والانفصال عنهم وعدم التعاطف معهم، فهذه فرصة الشامتين للصيد في المياه العكرة، والاستفادة من المحنة والأزمة، وتعميق الفتنة والتأسيس للقطيعة.

أيها الفلسطينيون الحكماء، المخلصون الأوفياء، الصادقون الأمناء، المضحون العقلاء، فليكن صوتكم عالياً وقراركم حاسماً وموقفكم فاصلاً، فمخيم عين الحلوة غالٍ علينا وعزيز، له دوره وعنده وظيفته، فلا ينبغي أن يكون فيه سلاحٌ عابثٌ، ولا مجموعاتٌ طائشة، ولا غرباء يفسدون، ولا خلافات حزبية تضر بحياة اللاجئين، ولا نزاعات مسلحة بين الفرقاء أياً كانت الأسباب، وليحتكم الجميع إلى الحق والعدل، والمصلحة الوطنية والمنفعة الشعبية والأمن العام والسلاح الرشيد والقرار الحكيم، وإلا فإننا سنهلك وقضيتنا، وسنخسر وشعبنا، وسيكون المتقاتلون في هذا المخيم هم السبب، وسيحاسبهم التاريخ وسيلعنهم الشعب، فلنوحد صفنا، ولنضمن أمننا، ولننظم خلافاتنا، ولنحسن إلى أهلنا، وإلا فسنندم، وستأتي ساعةٌ نقول فيها "ولات حين مندمٍ".

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط