مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

اتفاق مكة.. هل بدأت المنطقة صناعة أمنها بنفسها؟

اتفاق مكة.. هل بدأت المنطقة صناعة أمنها بنفسها؟

تاريخ النشر: 2026-08-09 | 11:29

جمال ابوغليون
جمال ابوغليون

في مكة المكرمة، وفي لحظة إقليمية مثقلة بالحروب والقلق وانهيار كثير من قواعد الأمن التقليدي، وقّع ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في 7 أغسطس 2026، اتفاقاً للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.

قد يبدو المشهد، للوهلة الأولى، اتفاقاً عسكرياً آخر في منطقة اعتادت الاتفاقات الأمنية. لكن قراءة أعمق تكشف أن المسألة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي. فالأطراف الثلاثة لم تكتفِ بتبادل الخبرات أو إجراء المناورات أو تطوير الصناعات الدفاعية، وإنما وضعت قاعدة أكثر حساسية: أمن كل دولة أصبح مرتبطاً بأمن الدولتين الأخريين، وأي هجوم مسلح على إحداها يمكن أن يُعامل باعتباره هجوماً على الجميع. هنا تبدأ القيمة الاستراتيجية للاتفاق. ومع ذلك، فإن وصفه منذ الآن بأنه ناتو إسلامي سيكون مبالغة لا تسندها الوقائع المتاحة. فلا توجد، حتى الآن، مؤشرات معلنة على إنشاء قيادة عسكرية موحدة، أو قوات مشتركة دائمة، أو آلية تلقائية لاستخدام القوة. ولذلك فإن التوصيف الأدق هو أنه ترتيب دفاع جماعي ثلاثي يمكن أن يتحول إلى حلف مؤسسي إذا انتقل من الالتزام السياسي إلى بناء هياكل عسكرية وأمنية دائمة. وهذا الفارق جوهري؛ لأن التحالفات لا تُقاس فقط بما توقعه الدول، بل بما تستطيع تنفيذه عندما تبدأ الأزمة. فالتحالف الحقيقي يُختبر عندما تسقط الصواريخ، لا عندما تُوقع الوثائق.

ومن الناحية القانونية، يستند الاتفاق إلى حق الدفاع عن النفس، ولا سيما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقر بالحق الطبيعي للدول، بصورة فردية أو جماعية، في الدفاع عن نفسها إذا وقع هجوم مسلح. لكن المادة 51 لا تمنح الدول تفويضاً مفتوحاً للحرب، ولا تحول كل نزاع سياسي إلى حالة دفاع مشروع، وإنما تضع أساساً قانونياً للدفاع الفردي والجماعي، مع استمرار مسؤولية مجلس الأمن عن حفظ السلم والأمن الدوليين. وهذا يعني أن اتفاق مكة لا ينشئ حقاً جديداً في استخدام القوة، وإنما ينظم سياسياً وأمنياً ممارسة حق قائم أصلاً في القانون الدولي.

أما أهمية الأطراف الثلاثة، فتنبع من تكامل عناصر القوة بينها. السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع الجغرافي والوزن السياسي والديني، فضلاً عن قدرتها على تمويل برامج تسليح وتطوير دفاعي بعيدة المدى. تركيا تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، وقوة عسكرية كبيرة، وخبرة عملياتية، وقدرات متنامية في الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والحرب الإلكترونية. أما باكستان فتضيف قوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية وقدرات صاروخية، فضلاً عن كونها دولة نووية. لكن وجود باكستان النووية لا يعني أن الاتفاق أنشأ مظلة نووية للسعودية أو تركيا؛ لا يوجد ما يثبت ذلك. غير أن وجود قوة نووية داخل ترتيب للدفاع الجماعي يضيف، بطبيعة الحال، بعداً جديداً إلى حسابات الردع.

بالنسبة إلى السعودية، لا يبدو الاتفاق خروجاً من المظلة الأمريكية بقدر ما يبدو بحثاً عن تنويع مصادر الأمن. الرياض لا تغلق الباب أمام واشنطن، لكنها لا تريد أن يكون ذلك الباب الوحيد. وهذه هي فلسفة التحوط الاستراتيجي: الاحتفاظ بالشراكة الأمريكية، مع بناء خيارات أخرى تمنح القرار الوطني هامشاً أوسع في أوقات الأزمات.  أما تركيا، فتسعى إلى موقع أكثر استقلالاً في إنتاج الأمن الإقليمي. وهي، في الوقت نفسه، عضو في حلف شمال الأطلسي وشريك أساسي للولايات المتحدة. لذلك لا يمثل اتفاق مكة إلغاءً لالتزاماتها الأطلسية، لكنه يعكس رغبة أنقرة في الجمع بين الالتزام بالنظام الأمني الغربي والمشاركة في بناء منظومة أمنية إقليمية لا تُدار من الخارج وحده. وباكستان، من جهتها، تمنح الاتفاق ثقلاً عسكرياً وردعياً خاصاً، إلى جانب عمقها الجغرافي وصلاتها التاريخية بالسعودية. وهكذا تتكون معادلة مختلفة: السعودية توفر الثقل الاقتصادي والجغرافي، وتركيا توفر التكنولوجيا والصناعة الدفاعية، وباكستان تضيف القوة العسكرية والبعد الردعي.

أما إيران، فمن المرجح أن تنظر إلى الاتفاق باعتباره تطوراً يجب احتسابه، حتى وإن لم يسمِّها الاتفاق عدواً. فالمسألة بالنسبة إلى طهران ليست فقط في قدرات الدول الثلاث منفردة، وإنما في احتمال أن تتحول أي مواجهة مع دولة منها إلى أزمة أوسع. وهذا بحد ذاته عنصر ردع. لكنه قد يتحول، إذا أسيء تفسيره، إلى معضلة أمنية ترفع مستوى التوتر؛ إذ قد ترى إيران في إجراءات الدفاع الجماعي استعداداً للهجوم، بينما ترى الدول الثلاث في الإجراءات الإيرانية تهديداً يبرر مزيداً من التسلح.

أما إسرائيل، فلا يوجد في الاتفاق المعلن ما يجعله حلفاً موجهاً ضدها. لكن إسرائيل ستراقب بالتأكيد ما إذا كان هذا الترتيب سيتحول إلى قدرة إقليمية مستقلة يمكن أن تؤثر في حرية الحركة العسكرية وفي موازين الردع. فالتحولات الاستراتيجية لا تبدأ دائماً بإعلان العداء؛ أحياناً تبدأ ببناء القدرة. وتبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيداً. فهي مرتبطة بالدول الثلاث بعلاقات أمنية وعسكرية متفاوتة العمق، وتركيا عضو في الناتو. لذلك لا يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره طرداً للولايات المتحدة من المنطقة. لكنه يضيف شبكة أمنية جديدة إلى الشبكات الأمريكية القائمة. فبدلاً من أن تكون العلاقات الأساسية على خطوط منفصلة: واشنطن ـ الرياض، واشنطن ـ أنقرة، واشنطن ـ إسلام آباد، ظهرت شبكة أفقية جديدة: الرياض ـ أنقرة ـ إسلام آباد. وهنا تكمن المسألة.

قد تستفيد واشنطن من تحمل حلفائها مزيداً من أعباء الدفاع، لكنها قد تخسر، على المدى البعيد، جزءاً من قدرتها على إدارة الأمن الإقليمي بصورة منفردة. وإذا تطور الاتفاق إلى تعاون استخباراتي دائم، ودفاع جوي وصاروخي مشترك، وتصنيع عسكري متكامل، وتدريبات منتظمة، فإن المنطقة ستبدأ تدريجياً في إنتاج بعض وظائف الأمن التي كانت تعتمد فيها على القوى الخارجية.

ويبقى غياب مصر عن الاتفاق العسكري الثلاثي نقطة تستحق قراءة مختلفة. فالقاهرة ليست خارج المعادلة، لكنها تملك حساباتها الاستراتيجية الخاصة. مصر تؤدي أدوار وساطة في ملفات شديدة الحساسية، من الملف الإيراني إلى الملف الفلسطيني، وتحتاج إلى الاحتفاظ بخطوط اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف. ولذلك فإن الانضمام إلى ترتيب دفاعي يمكن تفسيره بأنه موجه ضد طرف معين قد يحد من قدرتها على أداء وظيفة الوسيط. مصر تريد أن تشارك في صناعة الأمن، من دون أن تصبح جزءاً من استقطاب أمني مغلق. وقد يكون هذا الدور أكثر قيمة في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا احتاجت المنطقة إلى قناة تفاوضية بين مسار الردع ومسار التسوية. فالقوة العسكرية تستطيع أن تمنع الخصم من المغامرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع تسوية سياسية مستدامة.

لهذا كله، فإن القيمة الحقيقية لاتفاق مكة لن تحددها مراسم التوقيع، بل ما ستفعله الدول الثلاث بعده. فإذا بقي إطاراً للتشاور والتنسيق الدفاعي، فسيظل اتفاقاً مهماً، لكنه محدود الأثر. أما إذا انتقل إلى بناء مؤسسات دائمة، وآليات للتخطيط والقيادة، وتبادل استخباراتي، وتكامل في الدفاع الجوي والصاروخي، وتعاون في الصناعات العسكرية، فقد يتحول تدريجياً إلى نواة لبنية أمنية إقليمية جديدة. وهنا لا يعود السؤال: هل أصبح اتفاق مكة حلفاً عسكرياً؟ بل يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل يكون اتفاق مكة مجرد ترتيب دفاعي ثلاثي فرضته ظروف إقليمية استثنائية، أم أنه يمثل اللحظة الأولى في مسار تاريخي نحو تشكيل تحالف عربي ـ إسلامي أوسع، قادر على إنتاج منظومة أمن جماعي مستقلة نسبياً عن المظلات الخارجية، وإعادة توزيع موازين القوة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والقوى الإقليمية الصاعدة، وصولاً إلى تشكيل قطب أمني دولي جديد داخل نظام عالمي يتجه أصلاً نحو التعددية القطبية؟

سامحونا؛؛؛

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط