مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

اتفاق غزة: سلام الهيمنة وإدارة الاحتلال

اتفاق غزة: سلام الهيمنة وإدارة الاحتلال

تاريخ النشر: 2025-10-12 | 10:53

في كل مرة تُعلن فيها واشنطن عن “فرصة جديدة للسلام”، يتجدد إدراكنا بأنّ القضية الفلسطينية ما تزال تُستَخدم كأداة في هندسة توازنات إقليمية ودولية لا علاقة لها بجوهر الصراع، وأنّ ما يُقدَّم للفلسطينيين ليس مشروعًا سياسيًا للحرية، بل وصفة مدروسة لإدارة الاحتلال بأدوات مدنية وواجهات إنسانية. اتفاق غزة الأخير، الذي رُوِّج له باعتباره بداية صفحة جديدة، لا يُشكّل تحولًا في بنية الصراع بقدر ما يعبّر عن محاولة لإعادة إنتاجه ضمن شروط أكثر قابلية للتسويق. فبنوده لا تتحدث عن سيادة فلسطينية أو انسحاب إسرائيلي أو رفعٍ للحصار، بل تعيد إنتاج هندسة السيطرة ذاتها تحت مصطلحات “الترتيبات الأمنية” و”الحوكمة المؤقتة”، أي إعادة تأهيل الاحتلال لا تفكيكه.

 

إنّ قبول بنيامين نتنياهو بالاتفاق، وهو ؛أكثر من مثّل التيار اليميني والدولة الصهيونية العميقة؛ تشدّدًا ورفضًا لأي تسوية حقيقية، لا يُعدّ بحدّ ذاته مؤشّرًا إيجابيًا، بل نذير خطرٍ على طبيعة الصفقة. فحين يقبل من بنى مسيرته السياسية على رفض الدولة الفلسطينية باتفاقٍ يُوصَف بأنه “سلام”، فإنّ ذلك يكشف أنّ جوهر الاتفاق لا يمسّ بالبنية الاستعمارية الإسرائيلية، بل يكرّسها عبر قنواتٍ اقتصادية وإدارية جديدة. قبول نتنياهو هنا ليس تنازلًا، بل خطوة في تثبيت هندسة أمنية تسمح لإسرائيل بالتحكم الكامل بمستقبل غزة من دون أن تتحمل مسؤولية احتلالها المباشرة. ومن ثمّ، يصبح القبول الإسرائيلي مؤشّرًا على فاعلية الخطة في إعادة إنتاج السيطرة بأدوات أكثر مرونة، وتحوّلها إلى مشروع “احتلال منخفض الكلفة” تُشرف عليه واشنطن وتباركه المؤسسات الدولية.

 

الخطاب الأميركي، المفعم بمفردات مثل “التنمية” و”الاستقرار” و”السلام المستدام”، يعيد إنتاج نفس المعجم الذي استُخدم سابقًا في إعادة صياغة احتلالات أخرى تحت مسمى “إعادة الإعمار” أو “الانتقال الديمقراطي”. فهذه اللغة، في السياق الفلسطيني، ليست سوى قناعٍ للهيمنة، تُسلب من خلالها إرادة الفلسطيني ويُختزل وطنه في مشروع إنساني إداري. الأخطر من ذلك أنّ هذا الخطاب يُروَّج باعتباره “نضجًا سياسيًا” مقابل “التمسك بالشعارات القديمة”، في محاولة لتفريغ فكرة المقاومة من معناها الأخلاقي والسياسي.

 

لقد أثبتت تجارب الشعوب التي واجهت الاستعمار بأشكاله الحديثة، من أميركا اللاتينية إلى جنوب القارة الإفريقية، أنّ الحرية لا تُمنح ولا تُدار بالوصاية، وأنّ الأمم التي قبلت بتأجيل العدالة باسم الواقعية عاشت أطول مراحل الخضوع. ومن هذا المنظور، فإنّ اتفاق غزة لا يمكن قراءته إلا ضمن إطار إعادة إنتاج “سلام الهيمنة”، حيث تتحول أدوات الحرب إلى مؤسسات مدنية، ويُحوَّل الاحتلال إلى شريكٍ في إدارة حياة ضحاياه.

 

قبول نتنياهو لا يعبّر عن تحوّل في الموقف الإسرائيلي بقدر ما يعكس ثقةً بأنّ الاتفاق يرسّخ اليد العليا لإسرائيل في تحديد مستقبل غزة ومجمل الصراع، فكل بند في الخطة صيغ بما يضمن الأمن الإسرائيلي أولًا، ويحوّل القطاع إلى منطقة منزوعـة السياسة، مُراقَبة اقتصاديًا، ومُفرَغة من أدوات الفعل الوطني. وبهذا يتحقق لإسرائيل ما لم تستطع فرضه عسكريًا: السيطرة الكاملة بغطاء دولي، وتحقيق الأمن دون حرب، فيما تُمنح واشنطن فرصة تسويق “إنجاز دبلوماسي” يجمّل فشلها الأخلاقي والسياسي في المنطقة.

 

قد يُرضي هذا الاتفاق الطرفين الأميركي والإسرائيلي، لكنه لا يُقنع من يعيش تحت الركام بأن الاحتلال صار أقل قسوة لأن البيان اختار أن يسميه “سلامًا”. ففلسطين لا تُقاس ببلاغات البيت الأبيض، بل بقدرة شعبها على الاستمرار في الوجود رغم محاولات محوه. وغزة التي واجهت الجيوش وخرجت من تحت الحصار لا تحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى اعتراف صريح بحقّها في تقرير مصيرها. وما يُكتب اليوم بالحبر الإسرائيلي وتُسوّقه واشنطن كـ”خطة سلام”، ليس سوى وثيقة إدارة لأزمة مؤجلة الانفجار، وسلامٍ من ورق لا يحمل في طيّاته سوى تجميلٍ لوجه الاحتلال.

 

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط