مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

" أبو جهاد: حين ينتصر المعنى على الرصاص"

" أبو جهاد: حين ينتصر المعنى على الرصاص"

تاريخ النشر: 2026-04-16 | 14:06

في البدء، لم يكن الصوت رصاصة، بل سؤالًا. ولم تكن الأرض جغرافيا فحسب، بل معنى يتشقق في صدور الرجال والنساء كبرقٍ لا يُرى إلا حين يُنير الداخل. في البدء، كان الوعي نارًا تبحث عن لغتها، وكان الخوف ظلًا طويلًا يحاول أن يقنعنا بأننا خُلقنا لننحني. لكن، في لحظةٍ ما من هذا التاريخ المثقل بالاختبارات، وقف إنسانٌ ليعيد تعريف البداية نفسها، ليقول إن المعنى ليس تابعًا للرصاص، بل الرصاص هو الهامش، وأن الحقيقة، حين تُولد في قلبٍ لا يساوم، تتحوّل إلى قدرٍ لا يُهزم. هنا يبدأ الحديث عن خليل الوزير، أبو جهاد، لا بوصفه سيرةً تُروى، بل بوصفه لحظة اشتعالٍ في ضمير أمة، لحظةٍ خرج فيها الإنسان من كونه رقمًا في معادلة القهر، إلى كونه معادلةً جديدة تُربك كل الحسابات.

 

في ذكرى الشهداء، لا نفتح دفاتر الغياب كي نحصي الخسارات، بل لنقيس مقدار الحياة التي تركوها فينا. وحين يُذكر أبو جهاد، لا نستدعي رجلًا مرّ من هنا ثم مضى، بل نستدعي اختبارًا قاسيًا: هل ما زال فينا ما يكفي من النار لنحمل هذا المعنى، أم أننا اكتفينا بدفء الحكايات؟ لأنه لم يكن تفصيلًا عابرًا في سرديةٍ طويلة، بل كان انعطافةً حادة، كسرت منطق الممكن، ودفعت الحلم إلى حافته القصوى، حيث يصبح التردد خيانة، ويصبح الإيمان فعلًا لا يحتمل التأجيل.

 

كان يعرف أن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يُنصف من يكتفون بتفسير الألم دون أن يواجهوه. لذلك لم يكن حضوره ضجيجًا، بل عمقًا؛ لم يكن شعارًا، بل فعلًا يُعيد ترتيب العالم من الداخل. كان يشبه شقّ الماء بسيفٍ خفي: لا يُرى دائمًا، لكنه يغيّر اتجاه التيار. وفي زمنٍ كانت فيه الخرائط تُرسم بدم بارد، أدرك أن المعركة ليست على الخطوط فقط، بل على المعنى الذي يمنح هذه الخطوط شرعيتها. لأن من يخسر تعريف نفسه، يخسر كل شيء، حتى لو امتلك الأرض للحظة.

 

ومن هنا، لم تكن المقاومة عنده ردّ فعل، بل فعل تأسيس. لم تكن صرخةً في وجه القهر، بل لغةً جديدة تُعيد صياغة الإنسان. كان يرى الحرية كواجبٍ يومي، لا كأمنيةٍ مؤجلة، وكان يؤمن أن الكرامة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا للوجود. لذلك، لم يكن يقاتل ليحرر الأرض فقط، بل ليحرر الإنسان من داخله، من ذلك الصوت الخافت الذي يُقنعه بأن الانكسار قدر.

 

حمل مفارقة الكبار: صلابة لا تُقسي القلب، وحلمًا لا يُفسد الانضباط. كان يعرف أن الحلم، إذا لم يتحول إلى خطة، يصبح وهمًا، وأن الواقع، إذا لم يُحاصر بالحلم، يتحول إلى سجن. فكان يمشي بين الاثنين، كمن يزرع في الصخر بذورًا يعرف أنها ستنبت يومًا، مهما طال الجفاف. لم يكن يساوم على المعنى، لأن من يساوم على المعنى، يخسر كل شيء حتى لو ربح المعركة.

 

ولأنه أدرك مبكرًا أن الرصاصة ليست أخطر ما في الصراع، بل الرواية، اشتغل على الوعي كما يشتغل الفلاح على أرضه: بصبرٍ، وبإيمانٍ أن البذرة الصغيرة يمكن أن تهزم القحط. كان يبني إنسانًا يرى نفسه فاعلًا لا تابعًا، حاضرًا لا غائبًا، قادرًا لا مكسورًا. كان يعلّمنا أن الهزيمة ليست حدثًا، بل خيار، وأن من يرفض تعريف نفسه عبر خسارته، قد انتصر حتى قبل أن تنتهي المعركة.

 

وحين جاءت لحظة الاغتيال، ظنّوا أن الرصاص أنهى الحكاية. لكنهم أخطأوا في فهم أبسط قواعد التاريخ: الجسد يُغتال، أما المعنى فلا. لأن المعنى، حين يتجذر في الوعي، يتحول إلى طاقةٍ لا تُرى، لكنها تُحرّك كل شيء. يصبح بوصلةً داخلية، وصوتًا لا يسكت، وضميرًا يرفض أن ينام، حتى في أكثر اللحظات عتمة. وهكذا، لم يكن غيابه فراغًا، بل امتلاءً جديدًا، لم يكن نهاية، بل انتقالًا من حضور الجسد إلى حضور الفكرة.

 

الشهادة، في تجربته، لم تكن ذروة الألم فقط، بل ذروة الاتساق. لحظةٌ يلتقي فيها القول بالفعل، ويصبح الجسد نصًا مفتوحًا، يُقرأ في كل زمان. لم تكن خسارةً تُضاف إلى سجل الفقد، بل كسرًا لمنطق الخسارة نفسه. لأن من ينجح في تحويل موته إلى معنى، يكون قد انتصر على الفناء، بطريقة لا يفهمها من يظنون أن الحياة تُقاس بعدد السنوات.

 

إن استحضار أبو جهاد اليوم ليس ترفًا عاطفيًا، بل ضرورة أخلاقية. ليس حنينًا إلى زمنٍ مضى، بل مواجهة مع حاضرٍ يختبر صدقنا. هل ما زلنا نملك الجرأة لنرى أنفسنا خارج القوالب التي فُرضت علينا؟ هل ما زلنا نؤمن أن الحرية ليست قصيدةً جميلة، بل مسؤولية ثقيلة، تُدفع أثمانها كل يوم، في الموقف قبل الميدان؟

 

في زمنٍ تتآكل فيه المعايير، وتُصاغ فيه الحقائق على مقاس القوة، يصبح التمسك بهذه النماذج فعل مقاومةٍ بحد ذاته. لا لأنها معصومة، بل لأنها صادقة. لأن الصدق، في معركةٍ تختلط فيها الأصوات، هو السلاح الوحيد الذي لا يصدأ. وهو البوصلة التي تعيدنا، كلما تهنا، إلى الطريق.

 

أبو جهاد لم يكن صورةً مؤطرة في أرشيف، بل كان امتحانًا مستمرًا: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز حدوده، ليصبح أكبر من ذاته؟ والإجابة التي كتبها بفعله، لا بخطابه، كانت واضحة: نعم، إذا امتلك الإنسان شجاعة أن يكون ما يؤمن به، لا ما يُطلب منه.

 

وفي النهاية، ليست الذكرى محطة استراحة، بل معبر. ليست وقفة عند الماضي، بل قفزة نحو مستقبلٍ لم يُكتب بعد. مستقبل لا تصنعه الأمنيات، بل تلك القدرة النادرة على تحويل الألم إلى قوة، والخسارة إلى بداية، والغياب إلى حضورٍ أشد كثافة.

 

وهكذا يبقى أبو جهاد: ليس اسمًا يُتلى، بل دربًا يُسلك. دربٌ يبدأ من الوعي، ويتوهج بالإيمان، ويمتد حتى تلك اللحظة الحاسمة، حين يقرر الإنسان أن يكون حرًا… لا كما يُسمح له، بل كما يليق به، مهما كان الثمن.

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط