أخبار

تقرير: ليبيا تحتاج إلى انتخابات لا إلى صفقة جديدة لتقاسم السلطة

أزمة شرعية ممتدة>>

تقرير: ليبيا تحتاج إلى انتخابات لا إلى صفقة جديدة لتقاسم السلطة

واشنطن: تواجه ليبيا مجددًا محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي من أعلى، عبر مبادرة أمريكية تقوم على جمع القوى الرئيسية في شرق البلاد وغربها ضمن صيغة جديدة لتقاسم المناصب العليا، في وقت لا تزال فيه الانتخابات المؤجلة منذ سنوات تمثل الاستحقاق الأبرز لإعادة بناء الشرعية السياسية.

وبحسب مقال رأي للباحث بن فيشمان نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 21 أغسطس/آب 2026، فإن المبادرة التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر المبعوث الرئاسي لأفريقيا مسعد بولس، قد تتحول إلى مرحلة انتقالية جديدة تمنح النخب القائمة فرصة أخرى لتأجيل الانتخابات، بدل أن تشكل مدخلًا لإنهاء الانقسام السياسي المستمر في البلاد.

صدام حفتر في واشنطن

برزت ملامح التحرك الأمريكي في 29 يونيو/حزيران، عندما استقبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صدام حفتر في مقر وزارة الخارجية. ويرى فيشمان أن حفتر الابن أصبح أحد الوجوه الرئيسية للمبادرة الأمريكية الرامية إلى توحيد ليبيا عبر اختيار شخصيات من الشرق والغرب لتقاسم أعلى المناصب الحكومية.

وتسعى إدارة ترامب، وفق المقال، إلى تحقيق درجة من الاستقرار السياسي تسمح بتوسيع نشاط شركات الطاقة الأمريكية وزيادة إنتاج النفط الليبي. غير أن المشكلة تكمن في أن تحويل التفاهم بين القوى المسيطرة حاليًا إلى صيغة رسمية للحكم قد يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، ولا سيما إذا انتهى المسار بتعيين رئيس أو رئيس وزراء من دون تفويض انتخابي.

وتزايدت الاعتراضات الليبية على المبادرة منذ زيارة صدام حفتر إلى واشنطن، بالتزامن مع أزمات داخلية أبرزت استمرار هشاشة الدولة، من أزمة الكهرباء وضعف الحوكمة إلى اندلاع القتال في مدينة الزاوية غرب البلاد واستمرار نفوذ الميليشيات.

أزمة شرعية ممتدة

جوهر المشكلة الليبية، وفق رؤية فيشمان، يتجاوز مسألة اختيار الأشخاص إلى أزمة الشرعية التي تعاني منها مؤسسات الحكم منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

فرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يتولى منصبه منذ عام 2021، بعدما اختاره 39 عضوًا فقط من أصل 74 في ملتقى الحوار السياسي الليبي المدعوم من الأمم المتحدة، وكان يفترض أن يستمر تفويضه عامًا واحدًا، لكنه بقي في السلطة بعدما تأجلت الانتخابات إلى أجل غير مسمى عام 2022. ويشير المقال إلى أن الدبيبة وابن شقيقه إبراهيم يُطرحان ضمن النظراء المحتملين لصدام حفتر في ترتيبات المبادرة الأمريكية.

ولا تبدو المؤسسات التشريعية أفضل حالًا. فمجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس يعانيان بدورهما أزمة شرعية، بينما يتولى عقيلة صالح رئاسة مجلس النواب منذ عام 2014. ويرى المقال أن تراكم هذه الأوضاع أدخل ليبيا في حلقة مفرغة تتمسك فيها النخب السياسية بالسلطة والثروة، في ظل اقتصاد ريعي وفساد واسع وتدخلات خارجية عمقت الانقسام السياسي.

صفقة بين حفتر والدبيبة

في ظل هذا الواقع، يمكن فهم ميل إدارة ترامب إلى التعامل مباشرة مع القوتين الأكثر نفوذًا في البلاد، أي عائلتي حفتر والدبيبة، ومحاولة تحويل موازين القوى القائمة إلى ترتيب سياسي رسمي.

لكن هذه المقاربة تحمل، وفق فيشمان، تناقضًا أساسيًا: فإذا كان تقاسم السلطة المقترح مجرد مرحلة تمهيدية تقود إلى الانتخابات، فإن الطرفين اللذين يُراد الاعتماد عليهما يملكان حوافز قوية للاحتفاظ بالسلطة.

فخليفة حفتر شن حربًا على طرابلس عام 2019، بينما أصبح ابنه صدام نائبًا رسميًا له منذ أغسطس/آب 2025، ما يجعل التخلي عن سلطة وطنية محتملة أمرًا غير مرجح. وفي المقابل، تجاوز الدبيبة منذ سنوات المدة الأصلية لتفويضه. ويرى المقال أن أزمات الكهرباء والتضخم والحوكمة تظهر كذلك محدودية قدرة القوى القائمة على الاستجابة للاحتياجات الأساسية لليبيين.

البديل: استكمال المسار الانتخابي

بدلًا من إنشاء بنية انتقالية جديدة، يدعو المقال إلى البناء على المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “يونسميل”.

ففي يونيو/حزيران، أنجزت البعثة حوارًا مهيكلًا بمشاركة 120 ليبيًا تناول مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والأمني، وناقش خيارات تتعلق بالإطار الدستوري وإجراء الانتخابات. كما تعمل مجموعة أصغر على صياغة قانون انتخابي وإجراءات محددة، مع إحراز تقدم بشأن آلية اختيار رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات.

ومن هذا المنطلق، يرى فيشمان أن المصلحة الأمريكية تقتضي دعم الأمم المتحدة ومجموعة الحوار لاستكمال الترتيبات وتحديد موعد للانتخابات، بدل فرض بنية سياسية جديدة قد تكون القوى المستفيدة منها أقل استعدادًا للتخلي عن السلطة من المؤسسات الحالية.

الاقتصاد جزء من الأزمة السياسية

لا يقتصر الإصلاح المطلوب على إعادة بناء المؤسسات السياسية، إذ يربط المقال بين استقرار ليبيا وإصلاح بنيتها الاقتصادية والمالية.

وفي أبريل/نيسان، ساعد خبراء أمريكيون في التفاوض بشأن أول موازنة موحدة للبلاد منذ أكثر من عقد، بعدما باتت أنماط الإنفاق وعائدات النفط غير الخاضعة للمساءلة تهدد استقرار الدينار الليبي.

لكن الموازنة تمثل خطوة أولى فقط، إذ تضع سقوفًا لأموال مشروعات التنمية التي تديرها مؤسسات شرقية وغربية مرتبطة بعائلتي حفتر والدبيبة. ولذلك يدعو المقال واشنطن وشركاءها إلى الضغط باتجاه مزيد من الشفافية المالية والإصلاحات التي تسمح لليبيين بالاستفادة من عائدات النفط بدل استمرار استنزافها في ظل الفساد وسوء الإدارة.

توحيد المؤسسة العسكرية

المسار الآخر الذي يراه المقال ضروريًا يتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية. وفي هذا الجانب تحديدًا، يرى فيشمان أن لصدام حفتر دورًا مشروعًا يمكن أن يؤديه ضمن جهود دمج القوات المسلحة الليبية وتعزيز ارتباطها بنظيراتها الغربية.

ويشير إلى المناورة الإقليمية التي استضافتها ليبيا في أبريل/نيسان بقيادة القيادة الأمريكية لأفريقيا، داعيًا إلى تعزيز الشفافية بشأن مشتريات الأسلحة لدى طرفي الانقسام، بالتوازي مع استمرار الحوار العسكري الوثيق مع تركيا ومصر، باعتبارهما من أكثر القوى الخارجية نفوذًا على الأرض ومن الأطراف التي لا ترغب في عودة ليبيا إلى حرب واسعة.

انتخابات بدل مرحلة انتقالية جديدة

تتمثل المعضلة الأساسية، وفق المقال، في أن ليبيا أمضت سنوات تنتقل من صيغة مؤقتة إلى أخرى، بينما بقيت النخب المستفيدة من الوضع القائم قادرة على تأجيل الاستحقاقات التي يمكن أن تعيد الشرعية إلى مؤسسات الدولة.

ومن ثم، فإن تحويل المبادرة الأمريكية إلى صفقة لتقاسم السلطة بين القوى المسيطرة في الشرق والغرب قد يحقق تهدئة مؤقتة، لكنه لا يعالج أصل الأزمة المتمثل في غياب التفويض الشعبي.

ويخلص فيشمان إلى أن الليبيين أعربوا منذ سنوات عن ضيقهم بالحلول المؤقتة، وأن المبادرة الأمريكية بصيغتها الحالية تخاطر بأن تصبح مرحلة انتقالية أخرى تسمح للنخب السياسية بمواصلة تأجيل الانتخابات والإصلاح إلى أجل غير مسمى. ولذلك فإن الطريق الأكثر استدامة لتوحيد ليبيا لا يمر عبر اختيار قيادة جديدة من خارج صناديق الاقتراع، وإنما عبر استكمال الإطار الدستوري والقانون الانتخابي، وتحديد موعد للانتخابات، بالتوازي مع إصلاح الاقتصاد وتوحيد المؤسسة العسكرية.