بوليتيكو: مأزق استراتيجية الخنق الاقتصادي الأمريكية ضد إيران وسط تحذيرات من غياب "نقطة الانهيار"
وضغوط أزمة الطاقة..
واشنطن: يرصد التقرير، الذي أعدته ميغان ميسرلي وسام ساتون لموقع Politico، حالة من الشك المتنامي بين مسؤولين سابقين في إدارة ترامب وسفراء أمريكيين وخبراء في الشأن الإيراني حول جدوى استراتيجية الضغط الاقتصادي التي يعتمدها الرئيس دونالد ترامب لإجبار إيران على التنازل بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز وإنهاء الحرب الدائرة منذ نحو ستة أشهر. فرغم وعود وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بعزلة اقتصادية "لم يسبق لها مثيل"، يرى عدد من الخبراء أن طهران، التي تعتبر الحرب مسألة وجودية، قد تكون مستعدة لتحمل ضغط اقتصادي هائل بدلاً من قبول شروط تهدد بقاء النظام.
ويشير التقرير إلى أن إدارة ترامب تواجه انتخابات نصفية مفصلية في ظل حرب غير شعبية دفعت أسعار النفط إلى نحو 90 دولاراً للبرميل، ورفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوى لها منذ عقدين تقريباً، فيما تراجعت شعبية ترامب إلى 33 بالمئة وفق استطلاع لرويترز/إبسوس. في المقابل، يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم بنسبة 88 بالمئة على أساس سنوي، وطوابير طويلة أمام محطات الوقود، وارتفاع أسعار الغذاء بأكثر من الضعف، جراء الحصار البحري الأمريكي والعقوبات المشددة على صادرات النفط الإيرانية.
ملاحظة منهجية: هذا النص تقرير إخباري تحليلي (لا مقال رأي)، أعدته الصحفيتان ميغان ميسرلي وسام ساتون لموقع Politico الأمريكي، ويستند إلى مقابلات مع مسؤولين سابقين في إدارة ترامب وسفراء أمريكيين سابقين وخبراء في الشأن الإيراني، إضافة إلى مصادر مجهولة الهوية داخل البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأمريكية سُمح لها بالتعليق دون ذكر اسمها. وتجدر الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من التقرير يعتمد على تصريحات لمسؤولين لم تُكشف هويتهم، وهو أسلوب شائع في الصحافة الأمريكية لكنه يستدعي الحذر المنهجي المعتاد عند التعامل مع مصادر غير معلنة. كما يعرض التقرير وجهات نظر متعددة ومتباينة حول جدوى الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران، بعضها متفائل وبعضها متشكك، دون أن يتبنى الموقع موقفاً تحريرياً واضحاً من القضية.
١. عدم تكافؤ في مستوى الاستعجال بين واشنطن وطهران
يرى جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق الذي عمل في الشرق الأوسط خلال ثلاث إدارات رئاسية بينها ولاية ترامب الأولى، أن الحملة الأمريكية الحالية أقرب إلى "حرب استنزاف"، معرباً عن شكه في أن تحدث أي إجراء عقابي جديد أثراً حاسماً بعد عشرين عاماً من العقوبات الأمريكية وخبرة إيرانية طويلة في الالتفاف عليها.
ويوضح التقرير أن هذا الاعتراف يعكس اللاتماثل الجوهري في الموقفين: فإدارة ترامب تواجه ضغوطاً سياسية داخلية متصاعدة قبيل انتخابات نصفية حاسمة، بينما تنظر القيادة الإيرانية إلى الصراع باعتباره مسألة وجودية تستحق تحمل الألم الاقتصادي الهائل بدلاً من قبول تنازلات قد تعرّض بقاء النظام للخطر - خصوصاً في ظل تضخم أمريكي مرتفع وتراجع في أسواق السندات الحكومية.
٢. أسواق السندات الأمريكية تحت الضغط
يشير التقرير إلى أن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً - وهو مؤشر طالما أولاه ترامب اهتماماً خاصاً في السابق - قفز يوم الثلاثاء إلى أعلى مستوى له منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. وتوضح جوليا كورونادو، مؤسسة مؤسسة MacroPolicy Perspectives، أن هذا الارتفاع لا يعود فقط إلى الحرب المستمرة منذ ستة أشهر، بل أيضاً إلى نقص عالمي في الوقود واضطرابات أوسع أبقت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، ما يغذي مخاوف من تضخم مستمر ويزيد من المخاطر في أسواق السندات العالمية التي باتت أكثر حساسية تجاه أي صدمات مرتبطة بسياسات ترامب.
وتصف كورونادو الوضع الحالي بأنه "حالة ننفق فيها أموالاً متزايدة لتمويل التزامات متزايدة"، مضيفة أن الحرب خلقت "عالماً أكثر خطورة مليئاً بالاحتكاكات وصدمات العرض".
٣. هل يغيّر الحصار البحري حسابات طهران؟
يشكك بعض المسؤولين السابقين في إدارة ترامب في قدرة الحصار البحري - رغم كونه غير مسبوق من حيث الحجم في العصر الحديث - على تغيير حسابات النظام الإيراني. ونقل التقرير عن مسؤول سابق في الإدارة، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لتقييم أثر حملة الضغط الاقتصادي الأمريكية بصراحة، قوله إن الضغط الاقتصادي يحتاج إلى أن يصيب إيران بطرق جديدة لم تُختبر بعد كي يغيّر عقلية النظام.
ولم تكشف الإدارة الأمريكية بعد عن الخطوة التالية التي تعتزم اتخاذها، لكن الخيارات المطروحة تشمل استهداف بنوك صينية كبرى تسهّل تجارة النفط الإيرانية، وتوسيع العقوبات الثانوية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، ومصادرة الأصول الإيرانية الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية بدلاً من مجرد تجميدها.
٤. سخرية إيرانية رسمية من العقوبات
سخر مسؤولون إيرانيون علناً من محاولات واشنطن إخضاعهم عبر العقوبات. وكتب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على منصة إكس يوم الثلاثاء أن الأمريكيين يعتقدون أن تشديد الضغط على إيران سينتزع تنازلات لم تكن جزءاً من أي اتفاق أصلاً، مضيفاً بلهجة لاذعة أن وزير الخزانة بيسنت ووزير الدفاع بيت هيغسيث "بعيدان تماماً عن مستوى هذا التحدي"، ومطالباً إياهما بالتوقف عن انتظار "طاقم المهرجين" لإخراج أرنب من قبعته وتنظيف الفوضى التي تسبب بها الأمريكيون أنفسهم.
في المقابل، يواصل مساعدو البيت الأبيض التأكيد على أن أوراق الضغط ما زالت بيدهم. ونقل التقرير عن مسؤول في الإدارة، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمشاركة رؤية واشنطن، قوله إن العقوبات الساحقة وأحد أنجح عمليات الحصار البحري قد شلّا الاقتصاد الإيراني تماماً، وأن لدى الرئيس أوراقاً كثيرة إضافية يمكن تشديدها في الأسابيع والأشهر المقبلة.
٥. أدوات الضغط الأمريكية المستخدمة حتى الآن
منذ اندلاع الحرب قبل نحو ستة أشهر، وظّف الرئيس ترامب مجموعة متنوعة من أدوات الضغط لخنق الاقتصاد الإيراني، أبرزها منع إيران فعلياً من بيع أهم صادراتها - النفط - عبر حصار بحري مستمر على الموانئ الإيرانية. كما فرضت الإدارة عقوبات على المشترين الأجانب للنفط الإيراني، واستهدفت "أسطول الظل" من السفن التي تنقله، وسعت لقطع البلاد عن الشبكات المالية التي تستخدمها لتحويل الأموال.
ودفع هذا الضغط الاقتصادي المتراكم اقتصاد إيران، الذي كان متعثراً أصلاً قبل الحرب، إلى انزلاق أعمق: فالبلاد تعاني اليوم من تضخم سنوي بنسبة 88 بالمئة، وطوابير طويلة وحصص محددة عند مضخات الوقود، وأسعار غذاء ارتفعت بأكثر من الضعف. غير أن من عملوا سابقاً في مفاوضات مع إيران يرون أن هذا الضغط لا يزال بعيداً كل البعد عن دفع النظام للاستسلام، خصوصاً بعد ستة أشهر من القصف الأمريكي الذي أسفر، بحسب الأرقام الرسمية الإيرانية، عن مقتل أكثر من 3000 إيراني.
٦. "لا توجد نقطة انهيار"
يقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، الذي ساهم سابقاً في تقريب وجهات النظر بين إيران والقوى الكبرى خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، إن الضغط الاقتصادي على إيران أمر لا يمكن إنكاره، لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هناك نقطة انهيار فعلية. ويرى أنه بالنسبة لنظام يقاتل من أجل بقائه ولم يتردد يوماً في نقل عبء الألم الاقتصادي إلى شعبه، فإن هذه النقطة ببساطة غير موجودة.
ورغم ذلك، واصل ترامب التلويح بالصبر يوم الثلاثاء، مشيراً إلى استعداده لترك حملة الضغط تأخذ مجراها الكامل. وكتب على منصة Truth Social أنه لا توجد أي محادثات أو مباحثات جارية أو مقررة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأن الحصار البحري ما زال سارياً بكامل قوته، مؤكداً أن مضيق هرمز مفتوح وعامل وأن جميع الألغام البحرية أُزيلت أو فُجّرت.
٧. رهان البيت الأبيض على الانهيار الداخلي الإيراني
أكد مسؤول رفيع في البيت الأبيض، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة الوضع في إيران، أن طهران ستستسلم قبل أن يصبح الألم داخل الولايات المتحدة أو الأسواق العالمية لا يُحتمل. وقال إن الهدف النهائي هو التوصل إلى اتفاق، لكن في الوقت الراهن فإن الاقتصاد الإيراني ينهار، والناس يصطفون في طوابير للحصول على نصف غالون فقط من الوقود، وهناك قدر كبير من الاضطرابات المدنية داخل إيران لا تغطيها وسائل الإعلام لأسباب غير معروفة، مضيفاً أن الإدارة لا تمانع إن كان هذا هو المسار الذي تختاره طهران.
ومع ذلك، تشير مؤشرات داخل البيت الأبيض إلى تنامي القلق من الانعكاسات الاقتصادية للحرب. فقد صرّح نائب الرئيس جي دي فانس، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز الأسبوع الماضي، بأن الهدف الأول للإدارة من الحرب على إيران هو "إبقاء أسعار النفط والغاز رخيصة للأمريكيين في جميع أنحاء البلاد". في المقابل، أصرّ ترامب مراراً على أن الناخبين سيتحملون عبء ارتفاع أسعار الوقود مقابل إنهاء الطموحات النووية الإيرانية.
٨. الناخبون الأمريكيون أقل تفاؤلاً
أظهر استطلاع لرويترز/إبسوس نُشر هذا الأسبوع أن نسبة تأييد ترامب تراجعت إلى 33 بالمئة، وهو أدنى مستوى له منذ توليه الرئاسة. كما بيّن الاستطلاع أن نحو 80 بالمئة من الأمريكيين - يشمل ذلك 87 بالمئة من الديمقراطيين و71 بالمئة من الجمهوريين - يعتقدون أن التورط الأمريكي في إيران "سيستمر لفترة طويلة".
٩. أصوات متفائلة بجدوى الصبر الاستراتيجي
في المقابل، ما زال بعض المسؤولين السابقين في إدارة ترامب متمسكين بالأمل في أن يُثمر الصبر ونجاح حملة الضغط الاقتصادي، خصوصاً أنهم يرون أن الخيارات البديلة المطروحة - بما فيها إرسال قوات أمريكية برية إلى إيران - غير قابلة للتطبيق سياسياً.
ويتوقع فريد فلايتز، رئيس أركان مجلس الأمن القومي الأمريكي الأسبق في عهد ترامب ونائب رئيس مؤسسة "أمريكا فيرست" لشؤون الأمن الأمريكي، أن تتغير الأوضاع في إيران خلال فترة تتراوح بين 30 و60 يوماً، معتبراً أن الصبر هو النهج الأفضل، وأنه لا يعتقد أن شن هجوم عسكري واسع النطاق الآن سيغيّر موقف النظام الإيراني. كما عبّر فلايتز عن معارضته الشديدة لفكرة الاستيلاء على جزيرة خرج أو إرسال قوات أمريكية، مؤكداً أن الشعب الأمريكي لا يريد ذلك، وأن مثل هذه الخطوة ستوقع الولايات المتحدة في مستنقع حقيقي.