أخبار

صحيفة بريطانية: استراتيجية إيرانية لتقويض التحالف الأردني-الغربي

ومخاوف من استغلال الغضب الشعبي ضد الوجود الأمريكي

صحيفة بريطانية: استراتيجية إيرانية لتقويض التحالف الأردني-الغربي

لندن: كشفت صحيفة التلغراف البريطانية، في تقرير أعده الصحفي هنري بودكين ونشر في 6 أغسطس/آب 2026، عن ما وصفته بمحاولة إيرانية لتقويض العلاقة بين الأردن وحلفائه الغربيين عبر مزيج من الرسائل الدعائية والحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف التأثير في الرأي العام وإثارة الشكوك داخل مؤسسات الدولة، وذلك في أعقاب تصاعد الهجمات التي استهدفت القوات الأمريكية في المملكة خلال الأشهر الأخيرة.

ويشير التقرير إلى أن الأردن أصبح أحد أبرز ساحات التنافس الإقليمي بعد توسع دائرة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، إذ تعرضت القواعد والمنشآت الأمريكية داخل المملكة لنحو ستين هجوماً صاروخياً وبالمسيّرات منذ الثامن من يوليو/تموز، كان أبرزها الهجوم الذي أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في قاعدة معوض الصلطي الجوية.

وبحسب التقرير، لم تقتصر التحركات الإيرانية على الجانب العسكري، بل امتدت إلى المجال الدعائي والنفسي. فبعد ثلاثة أيام فقط من الهجوم، نشر الحرس الثوري الإيراني رسالة عبر منصة “تيليغرام” شكر فيها ما وصفه بـ”الشعب الأردني وجنوده الشجعان” على تعاونهم الاستخباراتي، مدعياً أن هذا التعاون أسهم في استهداف منشآت عسكرية أمريكية.

وترى الحكومة الأردنية، وفقاً لما نقلته الصحيفة عن مصدر رسمي لم تكشف هويته، أن هذه الرسالة لم تكن موجهة للرأي العام الإيراني بقدر ما كانت تستهدف الداخل الأردني، عبر الإيحاء بوجود اختراق داخل المؤسسة العسكرية، بما قد يؤدي إلى إثارة الشكوك بشأن ولاء بعض الضباط، وإضعاف الثقة المتبادلة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية.

وينقل التقرير عن المصدر الحكومي الأردني أن طهران تتبع منذ سنوات استراتيجية تقوم على محاولة الفصل بين الدولة الأردنية وشعبها، مستغلة القضايا الخلافية المرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة أو بمعاهدة السلام مع إسرائيل، بهدف تغذية السخط الشعبي وتحويله إلى أزمة داخلية تهدد استقرار المملكة.

ويرى المحلل الأردني عبد الله حايك، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن الرسالة الإيرانية جاءت بصيغة غير مألوفة لأنها خاطبت الجيش الأردني بصورة مباشرة، وليس الشعب فقط، معتبراً أن الإشارة إلى تعاون استخباراتي مزعوم تمثل محاولة واضحة لإثارة الانقسام داخل المؤسسة العسكرية. لكنه يعتقد في المقابل أن فرص نجاح هذه المحاولة محدودة، نظراً لما يتمتع به الجيش الأردني من تماسك وولاء للمؤسسة الملكية.

وفي تطور آخر، يلفت التقرير إلى أن صحيفة نيويورك تايمز كشفت بعد أيام عن رسالة مفتوحة وقعها مئات السياسيين والأكاديميين والحقوقيين الأردنيين، دعت إلى سحب نحو أربعة آلاف جندي أمريكي يتمركزون في الأردن، معتبرة أن وجودهم يعرض البلاد لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية ويزيد احتمالات انخراطها في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها.

وتقول صحيفة التلغراف إن النسخة الأصلية من تلك الرسالة اختفت لاحقاً، بينما رأى بعض المسؤولين الأردنيين أن مضمونها قد يحمل أثراً إيرانياً غير مباشر، خاصة مع مشاركة شخصيات سياسية وإسلامية ويسارية بارزة في التوقيع عليها.

إلا أن التقرير يشير في الوقت ذاته إلى أن عدداً من المسؤولين والمراقبين الأردنيين لا يعزون هذه الرسالة بالكامل إلى تدخل خارجي، بل يرون أنها تعكس أيضاً حالة استياء حقيقية لدى جزء من المجتمع الأردني تجاه استمرار الوجود العسكري الأمريكي، وهو ما يجعل تفسيرها أكثر تعقيداً من مجرد اعتبارها نتاج حملة إيرانية.

ويضيف الباحث الإسرائيلي رونين يتسحاق، وفقاً للتقرير، أن قائمة الموقعين على الرسالة ضمت شخصيات من أصول عشائرية إلى جانب أردنيين من أصول فلسطينية، معتبراً أن هذا التنوع يمنحها دلالة سياسية مهمة، لأنها تعكس امتداد الاعتراض إلى شرائح اجتماعية كانت توصف تقليدياً بأنها الأقرب إلى الدولة. ويؤكد التقرير أن هذا التقييم يمثل قراءة تحليلية للباحث نفسه، وليس حقيقة مستقلة جرى التحقق منها.

ويربط التقرير بين هذه التطورات وبين الأهمية الاستراتيجية للأردن بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، فالمملكة تمثل أحد أهم الشركاء الأمنيين في المنطقة، وتحصل سنوياً على مساعدات أمريكية اقتصادية وعسكرية تبلغ نحو 1.6 مليار دولار، إضافة إلى تعاون أمني واستخباراتي وثيق مع بريطانيا، فضلاً عن كونها ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ عام 1994.

وفي المقابل، تواجه القيادة الأردنية تحديات داخلية متزايدة نتيجة الحرب في قطاع غزة، حيث تصاعد الغضب الشعبي تجاه إسرائيل، فيما انتقدت الحكومة الأردنية السياسات الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة، خاصة ما تعتبره محاولات لفرض واقع جديد في الضفة الغربية، إضافة إلى تنامي الخطابات الإسرائيلية التي تطرح سيناريوهات تهجير الفلسطينيين إلى شرق نهر الأردن.

ورغم هذه الضغوط، يرى التقرير أن القيادة الأردنية ما تزال متمسكة بالحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل وعلى التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من إدراكها أن هذه العلاقات تشكل أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار الدولة ومؤسساتها.

ويخلص التقرير إلى أن تركيز إيران المتزايد على الأردن يعكس، وفقاً لرؤية عدد من المحللين الذين استندت إليهم الصحيفة، محاولة لتعويض التراجع الذي أصاب نفوذها الإقليمي بعد الضربات التي تعرضت لها القوى الحليفة لها في لبنان وسوريا والعراق، من خلال فتح جبهة ضغط جديدة على إحدى أكثر الدول العربية ارتباطاً بالغرب.

ويؤكد التقرير في ختامه أن كثيراً من الاستنتاجات المتعلقة بالدور الإيراني تستند إلى تقييمات قدمها مصدر حكومي أردني ومحللون سياسيون، وليست وقائع مستقلة جرى التحقق منها، كما يشير إلى أن جانباً من المعارضة الشعبية للوجود العسكري الأمريكي في الأردن قد يكون نابعاً من اعتبارات داخلية مرتبطة بالحرب في غزة، وليس بالضرورة نتيجة تدخل خارجي، وهو ما يفرض التعامل مع هذه التقديرات بوصفها تحليلات منسوبة إلى أصحابها، لا حقائق مثبتة.