بيترو: عودة علاقات كولومبيا مع إسرائيل تصفيق للإبادة الجماعية
مهاجماً نتنياهو..
بوغوتا: شنّ الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو هجومًا حادًا على رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، معتبرًا أن إعادة العلاقات مع إسرائيل في ظل الحكومة الحالية تعني، وفق تعبيره، «التصفيق لإبادة جماعية»، في موقف يعكس استمرار الخلاف العميق بينه وبين التوجه الجديد للسلطة في بوغوتا حيال إسرائيل.
وجاء موقف بيترو في مقطع مصور نشره عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، جدد فيه دعمه للفلسطينيين ورفضه للسياسة الإسرائيلية في قطاع غزة، محذرًا من أن الصمت الدولي حيال ما يجري قد يفتح الباب أمام مزيد من المآسي الإنسانية.
واستخدم بيترو لغة شديدة اللهجة في توصيف الحرب في غزة، مستندًا إلى أرقام قال إنها تعكس حجم الخسائر البشرية، ومشيرًا إلى سقوط عشرات آلاف الفلسطينيين، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال.
وقال إن «لا رجل أو امرأة شريفة في كولومبيا يمكن أن تقبل بالتصفيق لإبادة جماعية»، رابطًا موقفه من إسرائيل بما يعتبره التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
ولم يحصر بيترو حديثه بغزة، بل استعاد التاريخ الدموي لكولومبيا نفسها، مشيرًا إلى موجات العنف التي بدأت بعد أحداث 9 نيسان 1948 وأدت، بحسب تقديراته، إلى سقوط نحو 700 ألف شخص على مدى عقود.
وحذّر من أن الإفلات من العقاب واستمرار العنف يمكن أن يقودا إلى مآسٍ جديدة، معتبرًا أن التجربة الكولومبية تمنح بلاده مسؤولية إضافية في رفض الانتهاكات التي تطال المدنيين في أماكن أخرى من العالم.
وفي الوقت نفسه، شدد بيترو على أن موقفه لا ينطلق من معاداة اليهود، مؤكدًا اعترافه بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود تحترم الاتفاقات الدولية والتسويات التي أُبرمت تاريخيًا في المنطقة.
وطالب بمنح الفلسطينيين دولة تتمتع بسيادة كاملة، معتبرًا أن للشعب الفلسطيني حقًا تاريخيًا في أرضه وفي تقرير مصيره، وأن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تقوم من دون الاعتراف بهذا الحق.
ويأتي موقف بيترو في لحظة سياسية مختلفة داخل كولومبيا، بعدما غادر السلطة وتولى الرئيس أبيلاردو دي لاسبيريا الحكم في 7 آب، مطلقًا توجهًا مغايرًا بصورة شبه كاملة للسياسة التي اتبعها سلفه تجاه إسرائيل.
فقد قررت الحكومة الكولومبية الجديدة إعادة تصدير الفحم إلى إسرائيل، بعدما كانت إدارة بيترو قد أوقفت هذه الصادرات احتجاجًا على الحرب في غزة.
وكانت كولومبيا قبل تعليق الشحنات أحد أبرز موردي الفحم إلى إسرائيل، فيما بلغت قيمة صادراتها من هذه المادة نحو 450 مليون دولار عام 2023، بحسب أرقام كانت السفارة الإسرائيلية في بوغوتا قد أعلنتها.
وتكتسب عودة الفحم أهمية تتجاوز الجانب التجاري، لأنها تمثل أولى الإشارات العملية إلى رغبة الحكومة الجديدة في طي صفحة القطيعة التي بدأت في عهد بيترو وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية مع إسرائيل.
وكان بيترو قد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل عام 2024، على خلفية الحرب في قطاع غزة، في واحدة من أكثر الخطوات حدة التي اتخذتها دولة في أميركا اللاتينية ضد الحكومة الإسرائيلية.
ولم يكتفِ آنذاك بالقطيعة الدبلوماسية، بل اتخذ سلسلة خطوات اقتصادية وسياسية، بينها وقف صادرات الفحم، وحوّل كولومبيا خلال ولايته إلى أحد أبرز الأصوات الدولية المنتقدة لسياسات نتنياهو تجاه الفلسطينيين.
أما الرئيس الجديد دي لاسبيريا، فكان قد وعد خلال حملته الانتخابية بإعادة العلاقات مع إسرائيل وتعزيزها، معتبرًا أن التعاون معها في مجالات الأمن والتجارة يمثل مصلحة لكولومبيا.
وبعد وقت قصير على دخوله القصر الرئاسي، أعلن توجهه إلى فتح سفارة في القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، في تحول حاد عن السياسة التي اتبعها بيترو.
ورحبت إسرائيل بهذه التوجهات، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن كولومبيا كانت تاريخيًا من «أكبر أصدقاء إسرائيل»، معربًا عن أمله في أن تعود العلاقات بين البلدين أقوى مما كانت عليه.
ويكشف هذا التحول حجم الانقسام السياسي داخل كولومبيا بشأن العلاقة مع إسرائيل. ففي حين جعل بيترو القضية الفلسطينية جزءًا أساسيًا من سياسته الخارجية، يسعى خلفه إلى إعادة ترتيب الأولويات على أساس العلاقات الأمنية والاقتصادية التقليدية بين بوغوتا وتل أبيب.
وتعود العلاقات بين البلدين إلى عقود، وشملت تعاونًا واسعًا في القطاعات العسكرية والأمنية والاستخبارية، إضافة إلى التجارة والاستثمارات، ما جعل قرار بيترو بقطع العلاقات عام 2024 تحولًا استثنائيًا في مسارها.
وكانت إسرائيل مزودًا مهمًا لكولومبيا بالتجهيزات العسكرية والتكنولوجيا الأمنية، بينما مثّل الفحم الكولومبي سلعة رئيسية في التبادل التجاري، الأمر الذي جعل التوتر السياسي بين البلدين ينعكس مباشرة على المصالح الاقتصادية والأمنية.
وفي المقابل، استخدم بيترو السنوات الأخيرة من ولايته للدفع باتجاه تقارب أكبر مع القضية الفلسطينية، واعتبر أن السياسة الخارجية الكولومبية يجب ألا تُبنى فقط على المصالح التجارية والعسكرية، بل على موقف من قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وتحوّل الخلاف الآن إلى مواجهة سياسية داخلية أيضًا، إذ يرفض بيترو توجه الرئيس الجديد إلى استعادة العلاقات، بينما يعتبر دي لاسبيريا أن سياسة سلفه أضرت بمصالح كولومبيا وعلاقاتها التقليدية.
كما سبق لبيترو أن اتهم إسرائيل والولايات المتحدة بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الكولومبية التي خسر فيها فريقه السياسي، متعهدًا بعرض أدلة على هذه الاتهامات، من دون أن تكون تلك المزاعم قد حُسمت بصورة مستقلة حتى الآن.
وبذلك، لم تعد العلاقة مع إسرائيل مجرد ملف في السياسة الخارجية الكولومبية، بل تحولت إلى أحد خطوط الانقسام بين مرحلتين سياسيتين: مرحلة بيترو التي قامت على القطيعة والضغط بسبب غزة، ومرحلة دي لاسبيريا التي تسعى إلى استعادة التعاون مع إسرائيل وتوسيعه.
ومع عودة تصدير الفحم وحديث الحكومة الجديدة عن إعادة بناء الشراكة مع إسرائيل، يصر بيترو من خارج السلطة على إبقاء الملف الفلسطيني في قلب النقاش الداخلي، واضعًا أي تقارب جديد مع حكومة نتنياهو تحت عنوان أخلاقي شديد الوضوح بالنسبة إليه: لا علاقات طبيعية بينما تستمر الحرب في غزة.