آراء مختارة

«طق حنك» سياسى فى إقليم «طق واستجار»

«طق حنك» سياسى فى إقليم «طق واستجار»

ربما يختصر التعبير العربى الشائع «طق حنك» كثيراً مما يدور حولنا فى إقليم الشرق الأوسط، وما نسمعه من تصريحات صادرة عن أطراف الأزمات الممتدة فى بلادنا العربية، منذ «طوفان الأقصى»، وصولاً إلى «حرب هرمز»، والتى رافقنا خلالها «TACO» ترامب: (Trump Always Chickens Out)، وترجمتها «ترامب دائماً يتراجع»، وهو التعبير الذى شاع فى الإعلام الغربى لوصف ميل الرئيس الأمريكى إلى إطلاق التهديدات والقرارات الصاخبة، قبل أن يتراجع عنها أو يُؤجلها أو يعيد صياغتها. وإذا كان لكل منطقة قاموسها الشعبى، فإن «طق الحنك» العربية و«TACO» ترامب الأمريكية يبدوان اليوم وكأنهما يتحدثان اللغة نفسها.

و«طق الحنك» فى عالمنا العربى تعبير مجازى عامى منتشر فى عدة لهجات عربية، ويعنى الكلام الكثير والثرثرة، أو الحديث فى أمور سطحية وعامة بلا فائدة أو هدف حقيقى. ولعل اللبنانيين هم أكثر من يعرفون معنى هذا التعبير، لأنهم عاشوا سنوات طويلة يدفعون ثمن أزمات تبدأ بالتصريحات وتنتهى إلى حروب، أو تبدأ بالوساطات ولا تصل إلى تسويات.

لكن ما كان تعبيراً شعبياً خفيفاً فى بلاد الشام، يبدو اليوم أقرب إلى توصيف سياسى لإقليم كامل، يفيض بالتصريحات والتهديدات والمفاوضات، بينما تظل النتائج أقل بكثير من حجم الضجيج.

العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تُقدّم نموذجاً مثالياً لـ«طق الحنك» السياسى، ليس لأن العلاقة بين الرجلين متصدّعة، وإنما ربما لأنها قوية بما يكفى لتسمح بتوزيع الأدوار. خلال الأيام الماضية تحرّك مبعوث ترامب الخاص وصهره، جاريد كوشنر، بين القاهرة وتل أبيب، والتقى ممثلين عن حماس ومسئولين إسرائيليين، فى محاولة لإحياء خطة ترامب الخاصة بغزة، ثم اجتمع مع نتنياهو، وانتهت الجولة دون اختراق فى جوهر الخلاف حول نزع سلاح حماس وترتيبات الانسحاب الإسرائيلى، فيما عادت الضربات الإسرائيلية إلى غزة بعد ساعات قليلة من هذا الحراك الدبلوماسى.

لا يعنى ذلك أن التحرك الأمريكى بلا هدف، لكنه يكشف أن الحراك الدبلوماسى قد يتحول أحياناً إلى وسيلة لإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها. ترامب يحتاج إلى الظهور فى صورة الرئيس الذى يبحث عن السلام ويدفع نحو التسوية، بينما يحتاج نتنياهو إلى الظهور أمام جمهوره، باعتباره الرجل الذى لا يتنازل عن شروط إسرائيل الأمنية. وبين الصورتين تتحرك الوفود والوسطاء، وتنعقد الاجتماعات، وتستمر الاتصالات، لكن النتيجة النهائية تظل معلقة. ضجيج دبلوماسى كثيف، وطحين سياسى قليل.

المشهد نفسه يتكرّر مع إيران. فترامب تحدّث فى مراحل مختلفة عن إمكان التفاوض والتوصل إلى اتفاق، ثم قال أخيراً إنه لا توجد محادثات جارية أو مقرّرة مع طهران، بينما تصر إيران على شروطها بشأن العقوبات والحصار ومضيق هرمز، وهى تعانى أزمات سياسية واقتصادية وضغوطاً عسكرية كبيرة.

وعند «هرمز» تحديداً وصل «طق الحنك» إلى مستوى أكثر غرابة: واشنطن تقول إن المضيق مفتوح، وتؤكد قدرتها على التحكم فيه، وطهران تقول إنه مغلق. والواقع أن حركة السفن ظلت منخفضة للغاية، وبات المرور عبر هذا الشريان الحيوى محكوماً بدرجة عالية من المخاطر والغموض.

وهنا تكمن خطورة «إقليم طق». فالكلام لم يعد مجرد غطاء للسياسة، بل أصبح إحدى أدواتها. التهديد وسيلة ضغط، والمفاوضات وسيلة لشراء الوقت، والتسريبات وسيلة لاختبار ردود الفعل، والتصريحات المتناقضة وسيلة لإبقاء الخصم فى حالة انتظار. ولذلك يمكن أن يتحرك كوشنر بين العواصم دون أن يصل إلى تسوية، ويمكن أن تتحدث واشنطن عن التفاوض مع طهران، ثم يقول ترامب: «لا تفاوض مع إيران»، ويمكن أن تستمر إسرائيل فى العمليات العسكرية والاغتيالات بالتوازى مع المسار الدبلوماسى الأمريكى.

المشكلة أن فاتورة هذا «الطق» لا يدفعها أصحاب التصريحات والمبالغات، بل يدفعها الفلسطينيون الذين يعيشون تحت النار، واللبنانيون الذين يخشون عودة الحرب، والإيرانيون الذين يعيشون تحت ضغط الصراع، ودول المنطقة التى تتحمّل كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة. أما العالم، فقد بات يتعامل مع أزمة هرمز باعتبارها أكثر من مجرد خلاف بين واشنطن وطهران، فهى اختبار مباشر لاستقرار الاقتصاد وحركة الطاقة والتجارة الدولية.

فى إقليم «طق»، إذن، لا يكفى أن نعرف من قال ماذا؟، بل علينا أن نسأل: ماذا حدث بعد أن قاله؟ فبين التصريحات والوقائع مسافة تتّسع كل يوم، وبين كثافة التحرك الدبلوماسى وغياب النتائج فجوة لا يمكن أن تخفيها المؤتمرات ولا الجولات المكوكية. «طق الحنك» قد يكون تعبيراً لبنانياً طريفاً، لكنه حين يتحول إلى منهج لإدارة أزمات الشرق الأوسط يصبح ثقيلاً جداً على الذين يدفعون ثمنه.