تقرير عبري يرصد نهجاً سعودياً "هجيناً": حوار متواصل مع طهران
وضغوط عسكرية متصاعدة ضد وكلائها في المنطقة..
الرياض: تشهد السياسة السعودية تجاه إيران ووكلائها في المنطقة تحولاً لافتاً، لكنه لا يصل، حتى الآن، إلى مستوى القطيعة مع نهج التهدئة الذي اتبعته الرياض خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة، التي ما زالت تحافظ على قنوات الحوار مع طهران وتتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها، باتت في المقابل أكثر استعداداً لاستخدام القوة العسكرية ضد الجماعات المسلحة الموالية لإيران في اليمن والعراق.
هذا التحول هو محور ورقة تحليلية نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في 17 أغسطس/آب 2026، وأعدها الباحث يوئيل غوزانسكي (Yoel Guzansky)، الباحث الأول ورئيس ملف دراسات الخليج في المعهد والمنسق السابق لملفي إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي. وترى الورقة أن الرياض تتحرك باتجاه سياسة أكثر حزماً تجاه وكلاء طهران، من دون التخلي عن هدفها الأساسي المتمثل في تجنب الحرب المباشرة مع إيران.
حوار مع إيران ومواجهة مع وكلائها
منذ اندلاع الحرب الإقليمية في 28 فبراير/شباط 2026، تعرضت السعودية، وفق الورقة، لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إلا أن ردها الأولي بقي محدوداً، واقتصر على الإدانات الدبلوماسية وطرد عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين من الرتب الأدنى.
وتحدثت تقارير كذلك عن تفاهمات اقتصادية سعودية–إيرانية استهدفت تقليص دوافع طهران للتصعيد، فيما لم تظهر أدلة علنية على تحويل الرياض أموالاً مباشرة إلى إيران. كما لم تعلن السعودية مسؤوليتها عن ضربات نُسب تنفيذها إليها داخل الأراضي الإيرانية.
لكن غوزانسكي يرى أن الأسابيع الأخيرة كشفت عن تغير محسوب في السلوك السعودي. فالمملكة لا تتجه إلى حرب مع إيران نفسها، وإنما تبدو أكثر استعداداً لخوض مواجهة عسكرية مع وكلائها، ولا سيما في العراق واليمن. وبذلك يمكن توصيف السياسة الجديدة بأنها محاولة للفصل بين استمرار الحوار مع المركز الإيراني وزيادة الضغط العسكري على القوى المرتبطة به في الإقليم.
قوة بحرية بقيادة سعودية
أحد أبرز مظاهر التحول يتمثل، بحسب الورقة، في المبادرة السعودية لإنشاء قوة بحرية متعددة الجنسيات لحماية طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وتشير الورقة إلى دعم 13 دولة للمبادرة، من بينها تركيا وباكستان ومصر والأردن والبحرين وقطر والكويت، فيما امتنعت الإمارات وسلطنة عُمان، حتى الآن، عن الانضمام إليها، وهو ما يعزوه الكاتب إلى عوامل مرتبطة بالتنافس الإقليمي مع الرياض.
ومن المقرر، وفق التصور المطروح، أن تمول السعودية القوة وأن يكون مقرها داخل المملكة. إلا أن المبادرة ما تزال في مرحلة إعلان النوايا، ولم تتحول بعد إلى إطار مؤسسي متكامل بميثاق موقع وهيكل تنظيمي واضح.
ويستحضر غوزانسكي في هذا السياق تجربة تأسيس «مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» عام 2020، التي لم تحقق النتائج المرجوة، مشيراً إلى أن التنافس بين القوى الإقليمية، ومن بينها السعودية ومصر، مثّل أحد العوائق أمام تطوير إطار فعال للتعاون في البحر الأحمر.
العراق يدخل دائرة الرد السعودي
التحول الأكثر حساسية ظهر في العراق. فبحسب الورقة، شاركت السعودية في ضربات مشتركة مع الولايات المتحدة ضد ميليشيات موالية لإيران بعدما استهدفت هذه الجماعات منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة.
ويمثل ذلك خروجاً عن السياسة السابقة التي حرصت خلالها الرياض على تجنب توسيع المواجهة إلى الساحة العراقية.
وفي الوقت نفسه، حرصت السعودية على التأكيد أن عملياتها استهدفت الميليشيات الموالية لإيران حصراً، وليس الدولة العراقية أو الجيش والمؤسسات الرسمية، في محاولة لتجنب تحويل الرد العسكري إلى أزمة سياسية مع بغداد.
ويقرأ الكاتب هذه الخطوة بوصفها رسالة جديدة مفادها أن وجود الجماعات المسلحة داخل أراضي دولة ذات سيادة لن يمنحها حصانة إذا استخدمت تلك الأراضي لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار.
اليمن ونقطة التحول
لكن اليمن يبدو الساحة الأهم في التحول السعودي الحالي. وتربط الورقة بداية الجولة الجديدة من التصعيد بمحاولة الحوثيين إعادة تشغيل خط طيران مباشر بين إيران وصنعاء.
ومن المنظور السعودي، وفق تحليل غوزانسكي، لم تكن المسألة مجرد استئناف لحركة الطيران، وإنما محاولة لتأسيس ممر جوي دائم يربط إيران مباشرة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما يسمح بترسيخ واقع استراتيجي جديد على الحدود الجنوبية للمملكة.
وردت السعودية بضرب مطار صنعاء الدولي في يوليو/تموز، في خطوة يعتبرها الكاتب بداية الجولة الحالية من الأعمال العدائية.
وتزداد أهمية اليمن بالنسبة إلى الرياض مع ارتباطه بأمن طرق التجارة والطاقة. فإذا بقي مضيق هرمز مغلقاً أو مهدداً من الشرق، وتعرض باب المندب في الوقت نفسه للتهديد من الغرب، فإن السعودية قد تجد نفسها، وفق تعبير الكاتب، أمام «مأزق استراتيجي غير مسبوق».
ويفسر ذلك، بحسب الورقة، تصاعد الاستعدادات السعودية لاحتمال شن حملة أوسع ضد الحوثيين، قد تتضمن عملية برية. إلا أن هذا المسار العسكري يسير بالتوازي مع مسار سياسي، إذ تواصل الرياض استخدام الوساطة العُمانية سعياً إلى التوصل إلى تفاهم يمنع المزيد من التصعيد.
حزم سعودي بحدود واضحة
لا يعني ذلك أن السعودية انتقلت من سياسة التهدئة إلى سياسة المواجهة المفتوحة. فالتحول الذي ترصده الورقة أكثر دقة: استمرار الحوار مع إيران من جهة، ورفع كلفة تحركات وكلائها من جهة أخرى.
وبهذا المعنى، قد تكون الرياض بصدد اختبار نموذج أمني «هجين» يجمع الدبلوماسية والردع العسكري؛ فلا تمنح طهران سبباً مباشراً لتوسيع الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح للجماعات المرتبطة بها بالعمل ضد المصالح السعودية من دون رد.
غير أن غوزانسكي يحذر من المبالغة في الرهان على قدرة القوة العسكرية على تحقيق نتائج حاسمة. فالتجربة السعودية السابقة في اليمن أظهرت أن التفوق العسكري والإنفاق الكبير لا يضمنان إنهاء التهديد الذي تمثله الجماعات المسلحة غير النظامية.
وكلما تعمق الانخراط العسكري السعودي، ترتفع احتمالات الرد من جانب وكلاء إيران وتوسيع نطاق الهجمات على المنشآت الحيوية والموانئ والبنية التحتية السعودية، فضلاً عن ارتفاع الكلفة الاقتصادية في وقت تحتاج فيه المملكة إلى توجيه موارد ضخمة لتنفيذ مشروعات «رؤية 2030».
ومن المهم في هذا السياق الانتباه إلى زاوية الورقة نفسها؛ فالكاتب يصف الحزم السعودي ضد وكلاء إيران بأنه تطور «مفهوم، بل مرغوب من منظور إسرائيلي»، وهو ما يجعل تقييمه مرتبطاً جزئياً بحسابات المصلحة الإسرائيلية، وليس قراءة محايدة بالكامل للدوافع السعودية.
تحول استراتيجي أم استجابة مؤقتة؟
يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان السلوك السعودي الجديد يمثل بداية تحول طويل الأمد في العقيدة الأمنية للمملكة، أم مجرد استجابة تكتيكية لظروف الحرب الإقليمية الراهنة.
حتى الآن، تشير المؤشرات التي ترصدها ورقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن الرياض لا تريد العودة إلى مرحلة المواجهة المباشرة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تبدو أقل استعداداً لقبول معادلة تسمح لطهران بالحفاظ على الحوار السياسي معها، بينما يواصل وكلاؤها استهداف المصالح السعودية.
ومن هنا، قد يكون جوهر التحول السعودي الجديد ليس التخلي عن التهدئة، وإنما إعادة تعريف حدودها: الحوار مع إيران يظل ممكناً، لكن نشاط وكلائها لم يعد بالضرورة مشمولاً بمظلة هذا الحوار. وسيحدد نجاح هذا النهج أو فشله ما إذا كانت المملكة تتجه فعلاً إلى صياغة نموذج أمني يجمع بين التفاوض والردع واستخدام القوة، أم أنها ستعود إلى سياسة أكثر حذراً بمجرد انحسار ظروف الحرب الحالية.