مقالات

قلنديا: حين يتحول المخيم إلى ساحة لإعادة رسم المعادلة

قلنديا: حين يتحول المخيم إلى ساحة لإعادة رسم المعادلة

لم يعد ما يحدث في مخيم قلنديا مجرد اقتحام عسكري عابر يمكن إدراجه في سياق العمليات الأمنية التقليدية، بل بات يمثل مؤشراً واضحاً على تحول أعمق في طبيعة الصراع في الضفة الغربية، وتحديداً في محيط القدس.

فالمخيم الذي لطالما شكّل نقطة تماس جغرافية وسياسية بين رام الله والقدس، يجد نفسه اليوم في قلب معادلة جديدة تتجاوز البعد الأمني إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والميداني.

العملية العسكرية الأخيرة في قلنديا، بما رافقها من استخدام مكثف للقوة، وانتشار القناصة، وفرض الحصار، وتخريب البنية التحتية، لا يمكن قراءتها كاستجابة ظرفية، بل كجزء من نمط متكرر يتسع تدريجياً ليشمل المخيمات الفلسطينية بوصفها أهدافاً مركزية. هذا التحول يعكس انتقالاً واضحاً من سياسة "إدارة التوتر" إلى سياسة "فرض الوقائع"، حيث لم تعد العمليات تهدف فقط إلى الاعتقال أو الردع، بل إلى إعادة هندسة المكان نفسه.

تكمن خطورة ما يجري في قلنديا في موقعه الجغرافي الحساس، إذ يشكل المخيم حلقة وصل حيوية بين القدس ومحيطها الفلسطيني، ما يجعله هدفاً دائماً لأي محاولة إسرائيلية لفصل المدينة عن امتدادها الطبيعي. ومن هنا، فإن استهدافه بهذا الشكل المكثف يندرج ضمن سياق أوسع يسعى إلى إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية للقدس، عبر تكريس العزل، وإضعاف الروابط الاجتماعية والديمغرافية.

لكن الأهم من ذلك، أن المخيمات الفلسطينية، بما فيها قلنديا، ليست مجرد تجمعات سكانية، بل تمثل رمزاً سياسياً حياً لقضية اللاجئين وحق العودة. وعليه، فإن استهدافها يتجاوز البعد الأمني ليطال هذا الرمز ذاته، في محاولة لإعادة تعريف قضية اللاجئين ضمن إطار أمني وإنساني، بعيداً عن جوهرها السياسي والتاريخي.

في المقابل، يفرض هذا التصعيد تحديات معقدة على الواقع الفلسطيني الداخلي. فحالة الاحتقان الشعبي مرشحة للتصاعد، في ظل شعور متزايد بالعجز الرسمي، ما قد يعزز من حضور الفعل الميداني داخل المخيمات. كما أن استمرار هذا النمط من العمليات قد يدفع نحو توسيع رقعة الاشتباك، ليس فقط جغرافياً، بل أيضاً سياسياً، بما يعمق حالة عدم الاستقرار.

أما على المستوى الإسرائيلي، فيبدو أن هذه العمليات تأتي في سياق محاولة تثبيت معادلة "السيطرة المستدامة"، من خلال إخضاع المخيمات لواقع أمني دائم، وفرض تغييرات تدريجية على بنيتها الجغرافية والديمغرافية. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه السياسات تمهد لخطوات أوسع تتعلق بالضم أو إعادة توزيع السكان.

إقليمياً ودولياً، ورغم تصاعد الانتقادات، إلا أن التجربة أثبتت محدودية تأثيرها على الأرض، ما يمنح الاحتلال هامشاً أوسع للاستمرار في هذا النهج. غير أن تزامن ما يجري في الضفة مع تصعيدات أخرى في غزة أو مناطق مختلفة، قد يفرض معادلات جديدة يصعب احتواؤها.

في المحصلة، ما يحدث في مخيم قلنديا ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من مرحلة جديدة عنوانها استهداف المخيم كفكرة وكجغرافيا في آن واحد. مرحلة تسعى إلى إعادة تعريف الصراع، ليس فقط من خلال القوة العسكرية، بل عبر إعادة تشكيل المكان والهوية.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام محاولة لتفكيك المخيم كرمز سياسي، أم أننا أمام إعادة إنتاجه كساحة دائمة للمواجهة؟